PDA

عرض كامل الموضوع : مخاض ولادة أمة جديدة؛ دماء تسيل في المثلث الذهبي



د. محمد الرمادي
06-08-2011, 12:33 PM
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ


﴿ دماء تسيل في المثلث الذهبي؛ مخاض ولادة أمة جديدة ﴾

دماءُ الأمةِ سالتْ في العديد من المناطق ؛ فنذكر على سبيل المثال لا الحصر: في العصر الحديث .. سالت الدماء الزكية على أرض الإسراء والمعراج فيما سُميَّ بقضية «الأسلحة الفاسدة» في عهد ملك مصر الذي خُلعَ بإنقلاب عسكري في بداية منتصف القرن الفائت ، والمثال الثاني : يظهر سذاجة جماعة إسلامية كبرى ـ الإخوان ـ حين ذهب مرشدها يعرض على الملك الفاسد :" أن جماعته لديها أكثر من 10.000 مجاهد/ مقاتل لتحرير الأرض التي بارك الله تعالى ذكره حولها فكانت كما يقولون :" صائد بحجر واحد عصفورين " ، الأول : قضى على خيرة شباب الجماعة ، والثاني : أظهر وطنية زائفة صدقها بلهاء الأمة ، المثال الأول يُظهر تواطؤ الحاكم الملك على شعبه والمثال الثاني يُظهر أهمية الوعي السياسي ، فالفاهم لمجريات الأمور ينبغي عليه خلع الملك الفاسد أولاً ثم تنصيب حاكم صالح عادل وفق معايير ثابتة متفق عليها ثم عقد لواء التحرير على يده ليتم تحرير الأرض ؛ فإصلاح ما بداخل قنينة الخمر ليس بسكب قطرات من الماء العذب الطاهر؛ وإن أحضر من بئر زمزم لتخفيف حدته بل بتفريغ القنينة من محتواها ـ أي الوسط السياسي الذي عايش الملك الفاسد وعاهده وتنعم بفساده ـ تماماً كما فعلت الصحابة حين نزل الحكم القطعي بتحريمه فسالت حواري وأزقة مدينة المصطفى الهادي بخمر مسكوب محرم .
في زمن المماليك حديثاً ؛ أي الحاكم العسكري نيابة عن غيره كعملاء حكام الدول العربية ، وسنَد ودعم حكمه قوى خارجية كالأسطول الأمريكي أو مصالح ومنافع لأفراد أو قبيلة أو طائفة بعينها داخل الوطن أو خارجه كالإستعمار القديم الحديث، وليس سنده قوى داخلية كالشعب ، في زمن الممالك الحديث ، بغض الطرف عن مسماه : جمهورية أو شعبية أو سلطنة أو إمارة وجدت فجوة ساحقة عميقة بين الأمة بمجموعها و نظام الحكم بأجهزته ، وصار الحكم منفعة وليس مسؤولية وغابت ثقافة المتابعة والمراجعة والمحاسبة بل دفنت في زنزانات سجون الظلم وأُلقى الثوار في قبو تحت قصر الحاكم العسكري الظالم المستبد .
ما يلفت الإنتباه أن الجماعات الإسلامية والأحزاب الدينية المسيسة تعثرت في الطريق مرات ومرات ، والثورة العربية المباركة منذ 17 ديسمبر من العام المنصرم أشعلت فتيلها قوى الشعب الكادحة وحمل مشعلها شباب دون إنتماءات ضيقة أو حزبية متسلقة ثم جاءالطوفان الأممي وانخرط الجميع في شارع واحد يوصل إلى ميدان التغيير الجذري ـ أو هكذا ينبغي أن يكون ـ .
طبيعة الأمة العربية أنها تملك عوامل البقاء وإن اعتراها حالات من الضعف ـ هكذا يظهر ـ أو الوهن ـ هكذا يراد لها ـ وعوامل الإستمرار والترقي ، و هذه الأمة العربية ينبثق الفجر الصادق من بين يديها فتسطع شمس الحرية والكرامة من بين منكبيها وحين تلقى جدائلها خلف ظهرها وهي مقبلة على مرحلة مفصلية في تاريخ الأمم والشعوب ، في الماضي القريب كانت القضية الفلسطينية ـ مثلاً ـ توحد الأمة مشاعرياً فقط في المظاهرات أو وقت عقد المؤتمرات أو لحظة جمع التبرعات دون العمل الجديّ على إيجاد حلولٍ عملية لفروع القضية المختلفة وكان ينظر إلى القضية الفلسطينية بالقطاعي كتجار سوق البلح فتبحث المسائل منفصلة عن القضية الأم : فيتحدث قوم عن أن «القدس عاصمة فلسطين الأبدية» ـ ويمزح قائلها فيردف قولته المشهورة :" شاءَ من شاء وآبى من آبي " ـ دون خطوات عملية فعلية على أرض الواقع ، ويغضب البعض حين يتكلم أحدهم عن مسألة «تدويل القدس» ونسمع عن «حق العودة»مرةً في العام عندما ينعقد مؤتمر في الغرب ، ثم نسمع عن مسألة «الشتات» كـــــ دعابة تدغدغ مشاعر السامعين من سكان القارة الأوربية المتنعمة بالخير الوفير ، ويهرول الجميع للتقريب بين فتح وحماس وإيديولوجية الأولى تخالف وتعارض الثانية ، ويستبشر الناعس خيراً بالإعلان عن دولة فلسطين من جانب واحد في سبتمبر القادم، الحال اليوم يختلف، وهذا مأزقٌ لتجار القطاعي والمنتفعين من ديمومة قضية فلسطين بوضعها الحالي .
الشعب المصري بعبقريةٍ نادرة وبصدقٍ خالص خرجَ أمس الجمعة ؛ الخامس من رمضان 1432هـ في مظاهرة أمام ثلاث سفارات لأنظمة حكم دول قاذفة للدماء الزكية النقية الطاهرة في وجوه أمتنا وليس فقط شعوبها ، وهذه إشارة إلى تلميح صريح من الثوار بأنهم لا ينظرون فقط للداخل وفق الحدود الجغرافية المصطعنة ـ مع ما لديهم من أعمال كثيرة ـ ولكن تقوم الثورة العربيةالمصرية بدورها الطبيعي والتاريخي في المنطقة العربية بأكملها .
الجديد الفاعل في المنطقة الأن هو وحدة الأمة العربية في مطالبها ، تكاد تُلغى الحدود الجغرافية التي وضعتها إتفاقية سايكس ~ بيكو ، والتي كرست المشروع الغربي في التقسيم والتجزئة ، فالهَمُ التونسي يَهتمُ به المواطن العربي بصفته الأصلية ، والهم المصري همٌ للجميع ، وهذا يعني أن الدماء الزكية النقية التي تسال ، و شريان حياة الشعب اليمني + السوري + الليبي التي يراد أن يقطع بأيدي المماليك الجدد صارت قضية مصيرية لأمة بأكملها وليس مسألة داخلية لشعب حُصر في حدود كرتونية واهية .
هناك أنظمة حكم تحبس أنفاسها ولا تبدي شاردة عينها كي لا ينفضح خبيئة ضميرها ومكنون نفسياتها ... مع أنها تُقدم فتات الموائد لشعوب فقيرة كــ غزة والصومال والأن ليبيا ، حكام دول الخليج العربي تترفع عن الخوض في مسائل الثورة ، بإستثناء إمارة قطر تجاورها تركيا فهما يريدان لعب دوراً في المنطقة فالساحة شاغرة ، حكام الخليج "العربي" لا تريد أن تضع أصبعاً في إناء الدم العربي بمبادرة أو معالجة ؛ فقط في حالة اليمن بعتبارها العمق الإستراتيجي وجزء جغرافي لا مناص من التعامل معه ، وهي أرغمت بما قدمت من مبادرة لذر الرماد في العيون ، وندائها بصوت مبحوح بعرض عضوية منظمة دول التعاون الخليجي على مملكة أمير المؤمنين المغربي ومملكة الكرخ الهاشمية لدليل قاطع آخر على عقلية المماليك وحراس الممالك ، في المقابل: الغرب بأمنظومته المعقدة وتراثه الإستعماري ومصالحه الآنية أبدى إهتماماً يشوبه الحذر فهو لا يدري مَن القادم إلى سدة الحكم ـ بمعنى: هل القادم موال له أم ضد مصالحه ، ويرعى مصالح ومنافع أمته ـ.
الأخ الأكبر في الخليج احتضن الرئيس المخلوع والذي تنظر قضاياه أمام محاكم بلاده ، وإعطاءه الحق في الحماية من المتابعة والمسائلة القانونية ؛ فهل هذا لعامل إنساني محض لإيجاد مأوى لعزيز قوم [ز]ل وأخطأ ، أم رسالة غير معنونة وبدون كتابة اسم المرسل إليه تفيد بأنه في ضيافة حضرة ملك البلاد والعباد وأن الرئيس المخلوع ضيف له حق الضيافة كعادة العرب إذا حلّ ضيف ، بغض النظر وطي الطرف عما فعله ضد شعبه التونسي ، والنظام الملكي السعودي ابدى امتعاضه لمحاكمة الرئيس المخلوع الذي كان يتلقى علاجه في منتجعه بالقرية السياحية "شرم الشيخ" والذي أُحضر إلى جلسة العرض الأولى بطائرة رئاسية، وتناقلت أخبار تم تكذيبها في حينها بطرد العمالة المصرية من ارض الحجاز إذا تم بالفعل محاكمة الصديق ، أو الإغراء بتقديم مساعدات مالية كبيرة كـــ " رشوة " ؛ الإمام العَالِم الجليل الحافظ جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي ؛ المصري ذكر أن :" المَسكنة هي فَقْرالنَّفْس " ثم أحضر مثالا قال فيه :" ... لا يوجد ... ... فقير غنيّ النفس ... أبداً " ثم يعقب على ذلك بقوله رحمه الله :" وإن تعمل لإزالة ذلك عنه " (*) ، أستدلُ بقول عالمنا الجليل السيوطي ثم المصري لأن هناك محاولة لأفقار الشعوب وهي محاولة يائسة ؛ فشلت أنظمة حكم المنطقة العربية أو قوى الإستعمار والرجعية في تثبيتها، فآبت الأمة العربية الأصيلة أن يكون الفقر مطية لتسليم إرادتها لغيرها أو ـ كما قال الحافظ السيوطي :" ... لا يوجد ... فقير غنيّ النفس ... أبداً "، إذاً فالفقر العربي فقر مصنوع على عين بها رمد ليظل خير البلاد في يد فئة ظالمة جائرة ناهبة .
مثلث الدماء الزكية إذا تمعنت فيه تجد أن قمته في جنوب الخليج العربي ... اليمن السعيد ويمر الضلعان الكريمان بمكة المكرمة ـ وسط العالم أجمع ـ والمدينة المنورة ـ مهجر نبي الهدى والرحمة المهداة للعالمين ، و يتجهان إلى إعلى ؛ ضلعٌ إلى شمال القارة الأفريقية ... ليبيا الجديدة الحرة ؛ والضلع الثاني يتجه إلى طرف من القارة الأسيوية .. سوريا .. وقاعدة المثلث الذهبي تربط سوريا بما حولها إلى ليبيا بما حوله ، وفي القلب النابض للمثلث الذهبي الثورة المصرية وعلى طرفه الأيسر الثورة التونسية كحامية له من الخارج وحارسة له من جهة الغرب .
فالمثلث الذهبي بإشعاعه الكوني يلغي الحدود المصطنعة ، ويوحد أمة العرب وينشر في العالم مبادئ جديدة يُفعّلها ويُقتدى بها .
نحن نعاصر ميلاد أمة ذات رسالة خالدة ومصير واحد ومستقبل زاهر ... انظر في الخارطة وتجد صحة ما اقول !!!.*****
السبت 06 رمضان 1432هــ ~ 06 أغسطس 2011م

ـــــــ
(*) السيوطي؛ الحافظ جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر، معترك الأقران في إعجاز القرآن، تحقيق على محمد البجاوي، المجلد الثاني، حرف الميم، تحت (مَسْكَنَة)، ص 263، مكتبة الدراسات الإسلامية، ملتزم الطبع والنشر دار الفكر العربي . قال المحقق أن (مَسْكَنَة) لفظة قرآنية وردت في آية 61 من السورة التي ذكرت فيها البقرة ، وأيضا في آية 112 من سورة آل عمران .