PDA

عرض كامل الموضوع : الغول والعنقاء والخل الوفي



issam.obayd
13-05-2012, 04:11 PM
الغول والعنقاء والخل الوفي




المستحيلات في التراث العربي ثلاثة، مع ان الأساطير التي نسجت حولها تتغير من حقبة الى



اخرى، فإن ايا من التوصيفات التي وردت عنها لا علاقة لها بالمعنى الأصلي لها في اللغة. فالعنقاء



في المنجد اعلى الهضبة، بينما هي في الأساطير طائر جميل أو طويل العنق يجلب الحظ، وحسن



الطالع. وهو ما لم يعرفه العالم العربي منذ قرون. المهم ان مستحيلاتنا ما زالت مستعصية علينا نحن



الذين اخترعناها. هذا ليس بغريب فقد اضعنا كل العلوم التي قدمناها للحضارة البشرية، فما بالك



بطائر جميل لا نعرفه.


الغول الحقيقي الذي نبحث عنه موجود لدينا، يتحرك داخل شرايين مجتمعاتنا بحرية، ويعيث في



الأرض فسادا وتخريبا تحت سمعنا، ونظرنا. مرة نعبد الطريق امامه من خلال التجاوز عن اخطائه،



باعتباره جزءا من قضاء الأمة وقدرها، ومرة نفتح له ابواب النفاذ الى خلايا المجتمع عبر السماح له



باحتلال منابر الخطابة، ومقاعد التدليس على المجتمع تأسيا بالتراث، وجريا على العادات والتقاليد.


التخلف هو الغول الذي يمزق اشلاء المجتمع العربي، وينشر الفقر والجوع في اراضيه الواسعة،



الغنية بمواردها الطبيعية والزراعية والبشرية ايضا. ويقطع عليه منابع الحياة المستنيرة بالعلم،



ويحرمه حق التمتع بوجوده ككائن حي أولا، وانسان خلقه الخالق خليفة له في الأرض، يعمرها،



ويزرعها، وينعم بخيراتها، ويستمتع بكل ما وضع فيها من زينة وبهاء. ومن الشكر له على ما انعم



به ان نسعى في مناكبها نحرث لنأكل، ونتعلم لنعلم، وأن نكون خير أمة اخرجت للناس. لا ان نكون



اكثر امة تسخر منها المجتمعات الأخرى على كثرة ما فرطت فيه من نعم، وقدمته للعالم من نماذج



للشر والكراهية والتدمير.


التخلف هذا الغول الذي يقف في وجه تقدم المجتمعات العربية، ويحرمها حق التمتع بحريتها بعد ان



تخلصت من ربق الاستعمار، وفتحت امامها ابواب العلم والمعرفة لتنهل منها ما تشاء، وتستفيد من



احدث تقنيات العصر لتعيش في صحة ويسر ورفاهية وطمأنينة، مثلها مثل «خلق الله».. هذا التخلف



حولها الى بؤر للإرهاب، ومحور للشر، ومصدر قلق للامن والسلم العالميين. لماذا؟ لاننا ببساطة



سمحنا لجحافل التخلف بغزو مجتمعاتنا بالشعارات الرنانة، والوعود الكاذبة، والاماني المستحيلة،



وتجاوزنا كثيرا عن اخطاء اولئك الذين نصبوا انفسهم وكلاء على طموحاتنا وقدرنا وآمالنا. وسهلنا



ازاء الكوارث والويلات التي جلبها الطغاة والجبابرة ومن تبعهم من فاسدي الذمة والأخلاق لنمط



آخر من «الأبطال» الذين وجدوا في الدين بيئة خصبة لزرع الإحباط في نفوس شبابنا، ليسهل عليهم



اختطافهم من مستقبلهم، المتمثل بمشاركتهم الفعالة في بناء اوطانهم، للانخراط في حروب داخلية



ببلدان بعيدة، لا يقدم الجهاد فيها حلولا لتبعات التخلف التي نعاني منها، بقدر ما يضيف اعباء جديدة



فوق ما لدينا من أمية وفقر وجوع وجهل.


هذا الغول يقود المنطقة حاضرا الى مستقبل مجهول، ويضع مصيرها فعلا في يد حيوان هائل الحجم



والقوة «وهذا هو الغول في أساطيرنا» يهدد بالقضاء على كل امل لهذه المنطقة في ان تعيش حياتها



حرة وكريمة. لقد فقدنا الايمان بحقنا في ان نعيش بسلام وامن وطمأنينة كغيرنا من الشعوب، ومن ثم



فرطنا في ابسط واجباتنا تجاه عمارة الأرض، والمساهمة في رفاهية العيش، وتقدم الحضارة



الإنسانية، وانخرطنا في حروب في اراض لا اهل لنا فيها ولا دار. ولا هي عش العنقاء، ولا مقام



الخل الوفي.