PDA

عرض كامل الموضوع : العبور العربي الوحيد لـسمير عطالله



مقالات اليوم
29-08-2012, 05:15 AM
طارت القوات المصرية إلى اليمن، لكنها عبرت إلى الجبهة مع إسرائيل مرة واحدة بعد 1948، في العبور العابر الشهير. وبعد 1948 لم تقاتل جيوش سوريا على أرض فلسطين لكنها عبرت إلى لبنان والأردن. وبعد 1948 لم تقاتل جيوش العراق في فلسطين، لكن «رابع أقوى دولة في العالم» حاربت في إيران والكويت، ووقفت على حدود السعودية. ولم تحارب دولة الفاتح و«أمين القومية العربية» في فلسطين لحظة واحدة، لكنها حاربت في لبنان وفي التشاد وفي أوغندا وفي نيكاراغوا وفي السودان. ولم يحارب السودان في فلسطين بل خاض الجهاد الأكبر في الخرطوم ودارفور، وهدد البشير بمحو جوبا. وخاض الفلسطينيون مقاومات غير قليلة داخل الأرض المحتلة، لكنهم خاضوا الحروب الباسلة في عمان وبيروت واليمن. وبعد حربها الاستقلالية ضد فرنسا انتقلت الجزائر إلى الحرب على المغرب. ولكن هذا لا يمنع أن العرب لم يبخلوا على فلسطين بالأغاني والخطب، فيما انصرفوا إلى الخطر الحقيقي: العرب وحسن الجوار.
لم تخل هذه الحروب من إنجازات تاريخية، فالحكم السوري أقوى في لبنان منه في حمص، لا حاجة إلى قصف بيروت بالطائرات لكي تتحقق كلمته، وحماس أقوى في مصر منها في رام الله، وطهران أكثر شعبية وولاء في البصرة منها في تبريز، وأكثر نفوذا في لبنان من جميع الوزارات «السيادية» في بيروت، والذين خاضوا حروبهم على العرب ربحوها جميعا، لأنها كانت بلا رحمة، وبين البيوت لا على الجبهات، ومن ثم في المدارس والروضات. وكانت جميعها حروب ذل خاضها «العربي الأبي» على أهله وآبائه وإخوانه، وخصوصا على «أشقائه». وكان المقاتل الفلسطيني والمناضل اللبناني يقف على الحاجز 4 ساعات ثم يخلونه ليشكر ربه، لقد تركوه يعود إلى عائلته، وقد اعتاد المخطوفون العرب توجيه رسالة شكر إلى خاطفيهم على «حسن المعاملة». وكل دولة عربية حاولت أن تخطف دولة أخرى، أو أكثر، ومن لم ينجح النجاح الكامل ويزهو الزهو الكلي اكتفى بما غنم من نفوذ وفلوس وجثث، ولم يتراجع شقيق أكبر عن عناق شقيق أصغر إلا بتدخل دولة كبرى، هي غالبا الدولة الإمبريالية، التي كلما حاولت أن تغض الطرف، مثل عنترة، وجهت إليها دعوة عاجلة بالحضور، غالبا (أيضا) من دولة قومية ممانعة، غالبا (كذلك) في مهرجان عبثي يكلف من الأرواح ما يكلف من الدماء والأرزاق، لكنه يبقي الرأس الممانع مرفوعا، ضاربا في السماء، أو أعلى قليلا، عفوا، أعلى كثيرا.
لا يساوي الإنسان العربي، سواء كان جنديا في جيشك أو في جيش خصمك، أكثر من ثمنه الحقيقي في سوق الموت وبالدم وبالروح، تلك الفلسفة الإنسانية النبيلة، لذلك أرسل دائما إلى ما ولد من أجله: العذاب والموت، شرط أن يغني طوال الطريق للعزة والكرامة. البطولة ألا يعود إلى بيته وألا يترك جاره يعود.