PDA

عرض كامل الموضوع : وماذا بعد بيان علماء القطيف؟ لـعبدالعزيز القاسم



مقالات اليوم
03-09-2012, 05:15 AM
وماذا بعد بيان علماء القطيف؟



بقلم عبدالعزيز القاسم



لا يختلف أيّ عاقلين على أنّ بيان علماء القطيف الأخير لسبعة من كبار المفتين والمراجع هناك؛ خطوة صحيحة وجريئة من أولئكم العلماء، وفيها إدانة واضحة للعنف، وتجريم صريح لدعوات الفتنة والانفصال، وحرمة الدم المسلم.
كثير من المتابعين بالحراك الشيعي أشادوا بالخطوة، رغم أنني شخصياً أراها متأخرة كثيراً، ولكن كما نقول في المثل السائر الشهير: "أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي أبداً". فلو أتت مثل هذه الإدانة الصريحة قبل أن تكبر كرة الثلج هناك لتمكن العقلاء في طائفة الشيعة، والمبادرين من احتواء الشباب ولجم التطرف ولكانوا بمواقع أقوى تجاه الغلاة هناك، وتعززت حججهم في دحض أطروحات التطرف، بدلاً من ترك أولئك الموتورين الذين ينادون بالانفصال وحمل السلاح أن يؤلبوا الشباب ويكسبوا الساحة.
المتابعون يدركون حالة التأزّم الشديدة التي تعيشها الساحة الشيعية، ومن يتابع مواقع التواصل الاجتماعي في "الإنترنت"، يدرك من وهلته الفوبيا التي تتلبس كثيراً من المصلحين والرموز الشيعية المعتدلة؛ أن يبادروا بطرح رؤاهم التي قرأنا في البيان، وحتى أولئك الموقعون السبعة لم يسلموا من (اللوبي التويتري)، فثمة حالة استقطاب كبيرة تدور هناك، تصل للتهديدات أحياناً، وتوجهت شخصياً وبشكل مباشر لسؤال الدكتور توفيق السيف الناشط المعروف؛ لأستكنه هذا الغياب اللافت للصوت الوطني العاقل، وتردده المحيّر، والرهاب الذي يتلبسه، وقلت له: "لطالما شكوتم من التهميش وغياب صوتكم، وعندما نطالبكم بالمشاركات الإعلامية، ونتيح لكم الفرصة كاملة لتشاركوا؛ نجد التهرّب والفوبيا التي تتلبس المعممين لديكم بشكل خاص، والنخب بشكل عام". وردّ د. السيف بصراحته المعروفة بأنّ: "حالة استقطاب كبيرة تغلّف الساحة الشيعية، وتحسب النخب والمشايخ حسابها".
وحالة الاستقطاب هذه للأسف تتعاظم، ليس فقط في الحالة الشيعية وحسب، بل شملت الحالة السنية بشكل أحدّ، وتتخذ من "الإنترنت" موقعاً لقذف ما تخرجه، ما ينذر بخطر وقوع الرموز والعلماء تحت سطوة (اللوبي الإنترنتي) هذا على المدى القريب.
الأسئلة التي تلوب وتشغلني هنا، وأجزم بأنها تشغل كثيرا من المهتمين بالحراك الوطني: ماذا بعد هذا البيان، والخطوة المميزة الإيجابية التي بادر بها هؤلاء العلماء؟ كيف نبني على هذه المبادرة كي لا تبقى صرخة في واد، وتتبدّد دون أن تترك أثراً؟ وما هو الدور الرسمي هنا في الدفع بهذه المبادرة وترجمتها على أرض الواقع؟ ودور النخب الفكرية والشرعية تحديداً، لبلورة صيغة تعايش وطنية، تقطع الطريق على دعاة التطرف من كل التيارات؟
أؤمن بيقينية مطلقة بدور الرئيس لعلماء الشرع هنا، وهذا لا يتأتى إلا وفق توجيه وإرادة سياسية، وإن كان خادم الحرمين الشريفين، دعا في نهاية رمضان إلى مركز حوار للمذاهب الإسلامية على مستوى الأمة، لحرّي بنا التساوق مع هذه الدعوة الكريمة، والبدء بها على مستوى الوطن، لإيماني بأنه إن نجح لدينا هنا في أرض الرسالة ووطن الاعتدال والتسامح؛ فسنقدم نموذجاً خلاقاً لكل العالم الإسلامي بإمكانية التقارب والتفاهم بين المذاهب الاسلامية.
هناك من يرى أنّ ما نعانيه في القطيف من بعض الشباب المتطرف، أسبابه الأساسية تدور في فلك الاقتصاد والسياسة والاجتماع، بعيداً عن الاختلاف المذهبي، وأنّ لعلماء الشريعة دورا ثانويا فقط في حلّ القضية، ولا أتفق أبداً مع هذه الرؤية، إذ أسّ المشاكل في الطائفية هذه؛ هو الاختلاف المذهبي والعقائدي منه تحديداً، فالبطالة والفقر وأيّ موضوعات اقتصادية لا تفرق بين سنّي وشيعي، وكذلك الرؤى الاجتماعية تغلف الجميع، ولا تستثني الشيعي عن المتجنّس، وبعض الفساد الإداري والمالي وغيرها لا يشتكي منها فقط أهل القطيف، بل كل مناطق بلادي يشتكون من ذلك.
القضية يا سادة في صميمها عقدي، لن يحجمها – لا أقول بالطبع بحسمها - سوى علماء الشريعة من الطرفين، دون أن أنفي الأدوار الثانوية الأخرى.
أميل كثيراً إلى إرادة سياسية حازمة بالبدء والمباشرة في إيجاد صيغة تعايش مشتركة، وإلى وضع قانون عام تجرّم فيه الكراهية والتحريض ونبش الطائفية، من أي طرف، عبر مركز الحوار الوطني، ولربما مباشرته لهذه القضية، التي هي من صميم أهدافه؛ أن يعيد الحراك لمفاصله.
مسألة التفاهم والتعايش لم تعد ترفاً تضيع في دهاليز المسؤولين والشرعيين، بل ضرورة وطنية لأزمة، نحن بمسيس حاجتها اليوم قبل غد.