PDA

عرض كامل الموضوع : الجفاف والعيون لـسمير عطالله



مقالات اليوم
04-09-2012, 05:15 AM
الجفاف والعيون


http://www.al-sharq.com/NewsImages//2012/6/5/104ca632-e60c-4fe0-8284-dcda27d878f5.jpg
بقلم سمير عطالله



أعطى العرب المكان الذي يشربون منه أغلى ما لديهم من أسماء: العين! وإذا كثرت الأمكنة سميت «العيون» كما سمى الأمازيغ «تطوان» لكثرة ما في جبالها من عيون. أما في اللغة اللاتينية فإن مصدر كلمة «المنافسة» هو الضفة، لأن الأوائل تنافسوا على الأنهر من ضفة إلى أخرى. ويقال إن الحضارة الأولى ولدت في العراق بسبب وجود نهرين معا.
أنتمي إلى قرية هادئة لم تعرف نزاعا في تاريخها إلا حول دور الناس في سقي الزرع من «العين». وتدور مسرحيات الرحابنة وقصص الحب الجميلة حول «العين» حيث كانت الصبايا يملأن الجرار. الآن يقول كثيرون إن أحد أسباب التفجر في سوريا، كان الجفاف الذي يضرب الأرياف منذ خمسة أعوام.
تتحكم تركيا، مبدئيا بالحياة المائية في العراق وسوريا. وفي تاريخ البشرية أن الذي يسكن أقرب إلى النبع يأخذ الحصة الأكبر من مجرى النهر، ولو أن هذه القاعدة لا تنطبق كثيرا على علاقة مصر بالنيل. فقد كانت الدولة الأكثر تقدما وعرفت كيف تفيد منه في المصب أكثر مما استفادت منه دول المنابع.
نعود إلى سوريا: هل يجوز أن تعاني دولة في موقعها من أضرار الجفاف؟ خاض عبد الناصر حربا من أجل أن يبني السد العالي. ألم يكن من الأفضل - والأكثر ضرورة - أن تصرف سوريا شيئا من عائدات النفط على تحصين وتطوير السدود ومشاريع الري؟ ألم يكن ليؤدي ذلك إلى الحد من هجرة الأرياف الفوضوية إلى المدن وأحزمة الفقر؟
لم يكن الدخل النفطي يسجل بل يذهب مباشرة إلى المجهود الحربي. لكن هل الحرب مع إسرائيل كانت الحرب الوحيدة التي تخوضها سوريا؟ ألم يكن النمو والكفاية والرغيف، تحديا استراتيجيا هو أيضا، بحيث لا تعود سوريا ترسل مئات آلاف العمال إلى الخارج؟
كانت دمشق تفاخر بأنها لا تعاني من دين خارجي. لكن رومانيا تشاوشسكو كانت أيضا بلا ديون لأنها لم تكن تصرف شيئا على التنمية والتطوير. ولم يكن مقبولا على مدى السنين، وحتى بعد حربه الطويلة، أن يظل لبنان مرفأ العامل السوري، الذي شكل العنصر الأساسي في الإعمار وإعادة الإعمار.
ربما يكتشف النظام السوري الآن أن الأسباب المباشرة للانفجار، لم تكن فقط سنوات الجفاف، بل غياب معظم أوجه النمو والتنمية. فالفساد في لبنان لا يقل عن الفساد في سوريا، لكن كانت تغطيه دوما حركة تطوير وعمران لم تتوقف حتى في سنوات الحرب.
لعل العالم العربي بدأ يدرك الآن أن ثمة قضايا استراتيجية أخرى، غير الدبابات ورواتب الجيوش وميزات الضباط. منها الحياة والعمل وألا يكون تحت رحمة الذئب في منابع المياه. بالأحرى منابع الحياة.