PDA

عرض كامل الموضوع : الغنى بعد فقر لـسمير عطالله



مقالات اليوم
28-09-2012, 05:15 AM
الغنى بعد فقر


http://www.al-sharq.com/NewsImages//2012/6/5/104ca632-e60c-4fe0-8284-dcda27d878f5.jpg
بقلم سمير عطالله




جاء معظم حكام العالم الثالث في العقود الماضية من جذور متواضعة ماديا. وكذلك بعض زعماء العالم الرأسمالي، مثل ريتشارد نيكسون ومارغريت ثاتشر والمستشار الألماني غيرهارد شرويدر، الذي كان شقيقه مشردا فيما هو في الحكم. ولم يكن المنشأ الفقير موضع خجل بل اعتزاز، فهو دليل على الإنجاز والكد والنجاح والمساواة في الفرص.
في مقابلته الأخيرة مع «الأهرام العربي» أشار الرئيس بشار الأسد إلى أن قطر دولة تريد أن تنسى فقرها بعد بلوغها الثروة الكبرى، حديثا. وكان قد تحدث عن ذلك (في المرتين، دون ذكر الاسم) في إحدى خطبه السابقة. ماذا حدث؟ هل نزعت سوريا «الاشتراكية» كشعار وطني؟ هل قررت ألاَّ تخصص نصف مقاعد البرلمان للعمال والفلاحين؟
جاء جميع زعماء العالم الثالث في مرحلة ما، من الفقر. وفي اليوم التالي للوصول ارتدوا ثياب الذين قاموا عليهم. ومن الذين أعتز بمصافحتهم في عملي الصحافي، الزعيم الكيني جومو كينياتا، أحد أهم، وأوائل، قادة التحرر في أفريقيا. عندما ذهبت لتغطية مهرجانات الاستقلال في نيروبي، شعرت برغبة في الانضمام إلى عشرات الآلاف من الذين نزلوا يرقصون أمام كينياتا، ويهتفون خلفه هارامبي (معا). وكان أكثرهم عراة، ليس من أجل الرقصة بل بسبب الفقر.
بعد أشهر قليلة من الحكم كان كينياتا قد اقتنى أغلى ثلاث سيارات في العالم: لنكولن كونتيننتال، ومرسيدس SE300 ورولز رويس. واحتفل جاره ميلتون أوبوتي في أوغندا بعرسه، داعيا 28 ألف شخص. وعندما سئل إن كان لا يعتقد بأن التكاليف (60 ألف دولار) كثيرة على موازنة بلد مثل أوغندا، قال إن على الشعب أن يتحمل مصروفات قادته الذين حملوا إليه الحرية. أما في المالاوي فقد أصدرت الحكومة أمرا يقضي بأن تتوقف جميع السيارات فورا إذا ما مرَّ موكب رئيس الوزراء هاستينغز باندا «ومن يخالف ذلك يثير غضب الأمة المالاوية ويتعرض لأقصى العقوبات».
بدايات استقلال أفريقيا خشي الكثيرون من أنها سوف تنتصر على أوروبا وتذلها. لكن زعماء الاستقلال صاروا زعماء الفساد، واحدا بعد الآخر. ولا يزال روبرت موغابي إلى اليوم جاثما على صدور الأحرار. ولم يكن أوبوتي الرئيس الأفريقي الوحيد الذي دعا 28 ألف شخص. رئيس آخر دعا بلده كله إلى المشاركة في عرسه من أرملة وزير الدفاع.
لم يعب الفقر أحدا. كان الأنبياء رعاة. وفي سيرة حافظ الأسد بقلم باتريك سيل تعمد الرئيس الراحل أن ينشر في الكتاب صورة المنزل الذي ولد فيه. قبل النفط لم يكن في الصحراء مكيف هواء يدفع القيظ عن الناس. أن يجيء الغنى بعد فقر فنعمة من الله ورضا منه.