PDA

عرض كامل الموضوع : اعتذارات الزاوية لـسمير عطالله



مقالات اليوم
03-10-2012, 05:15 AM
اعتذارات الزاوية


http://www.al-sharq.com/NewsImages//2012/6/5/104ca632-e60c-4fe0-8284-dcda27d878f5.jpg
بقلم سمير عطالله




نقل عني ضابط في «الجيش الحر» ما وصفت به وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف، من أنه «مصاب بالإسهال الشفهي». عندما سمعت الوصف شعرت بالندم. هذه ليست لغتي، وأنا أعتذر. ليس من لافروف، فلن أغير موقفي من جليده حتى لو رأيته يلملم أطراف أثواب الأطفال في داريا. أعتذر عن طريقة التعبير، لا عن الموقف.
وبلغني - متأخرا جدا - أن بعض أبناء الزعيم الغاني كوامي نكروما، تضايقوا من طريقتي في الكتابة عنه: السرير المصنوع من الذهب وسوى ذلك. وأنا أعتذر. ربما لم يقرأوا أيضا ما كتبته في الانبهار عن كوامي نكروما، الرجل الذي جسد أحلام جميع أفريقيا. المثقف الذي قرر أن يدل الفلاحين وأهالي الغابات على الحرية والاستقلال والتقدم. الحالم الذي أراد أن يرى آسيا وأفريقيا كرة أرضية واحدة تدور حول الرخاء والكرامة البشرية.
لكن الذي حدث في ما بعد في غانا وفي بقية أفريقيا وفي بقية آسيا، بدد أحلامنا أيضا. صورة نكروما فوق سرير ضخم من الذهب لا تمحى من ذاكرتي. في ظل نكروما المتحول من الحلم والأمل إلى القسوة والتغاضي عن الفساد، لم يعد في أكرا خبز وطحين. والمراسلون الذين أحبوا نكروما وتبعوه في البداية، لم يعودوا يجدون ورقة يكتبون عليها رسالتهم.
الأفارقة ظلمتهم رأسمالية الغرب ودمرتهم اشتراكية الشرق. وفي الحالتين، كان الرجل الأبيض هو المسؤول. لكن المسؤولية الأعمق كانت على رجال الاستقلال، الذين انتقوا من الاشتراكية أسوأ ما فيها، نكاية بما عانوه من أسوأ الرأسمالية. وربما كان لدى بعضهم ما يبرر التقصير، لكن ما هو تبرير رجل في علم نكروما وألمعيته؟ لماذا لم يكن لغانا (وأفريقيا) ما كانه نهرو للهند؟ تصور بلدا بلا ورق، بلا خبز حتى في الأفران، وبلا قمح في المطاحن.
الذين عرفوا مصر في تلك المرحلة (حيث عاش أبناء نكروما ويعملون) يذكرون ما أعني: الصحف والكتب على أردأ أنواع الورق. والحبر أردأ أنواع الحبر وأسوأ أنواع روائحه. وليس للاشتراكية سوى وجه واحد، هو الطوابير الواقفة في انتظار أقة من اللحم أو كيلو من الأرز.
ولكن مصر كان عندها مجهود حربي وجيش يستعد. أما غانا وبقية أفريقيا، فغرقت في الفساد وفي الخطب الديماغوجية. ونزل الناس من الأدغال إلى المدن بحثا عما وعدتهم به الحرية، فلم يجدوا الوعد ولا الحرية. وفي أي حال، أعتذر من أبناء نكروما ومن ذكراه. فقد كتبت ما كتبت ألما لا تشفيا.