PDA

عرض كامل الموضوع : كآبات فيروز وعزلتها المميتة لـسامي الفليح



مقالات اليوم
08-10-2012, 05:15 AM
كآبات فيروز وعزلتها المميتة



بقلم سامي الفليح




فيروز كائن شديد العزلة، قوي التصفيح والمنعة، لا يذكر لها محبوها لقاء أو حوارا أو مقابلة صحفية أو تلفزيونية أو إذاعية. لم تنقل عنها حتى إشاعة. أغانيها تبعث شعورا قاتلا بالكآبة والضيق، تستحضر اللوعات والأسى وكل ما هو حاد، وأستغرب ربطها بالصباح كما يشيع مريدوها. ظهورها النادر في التسجيلات المرئية والحفلات، لا يكشف سوى إيماءات متوترة وحركات شديدة العصبية، وجهامة على الملامح في كل مراحلها الزمنية، والذين يرغبون التلذذ والاستمتاع لجمالياتها الكامنة: صوتا وموسيقى وشعرا، عليهم بمسرحياتها، فهي أكثر اكتمالا ووضوحا وتجسيدا لقيمتها. أما غير ذلك فأظنه حالة عدوى ثقافية وانسياقا قطيعيا لا أكثر، ففهمي لا يستطيع استيعاب كيف لفنانة وقيمة كفيروز أن تكون بهذا التبتل الإعلامي، والحصار الشعوري والزهد اللامفهوم؟ فلا تفاعل ولا حضور، وكل ما دبج وكتب فيها وعنها بالصحافة لم يحرضها لتكشف جوانب من حياتها، وأرائها في الفن والحياة، وكأن تلك المسائل لا تعنيها، وهذا محير وغريب.
كيف لخزينة التجربة هذة التي ناهزت الثمانين، وعاصرت أحداثا وعصورا ومواقف وشخصيات، وشكلت وجدان أجيال، أن تستسلم لهذا الترهبن المميت. مسألة محيرة، واستفهامات بلا إجابة، نقدها جريمة، نقاشها محرم، حياتها مجهولة التفاصيل، وكل ما يظهر مجرد سجالات وجدل بين ورثة تراثها المفترضين. ورغم ذلك تظل بعيدة في معتزلها القصي، واللبنانيون صحافة وشعبا، والذين يعشقون نكش ونبش قضايا الكون والبلدان والشخوص، يقفون عاجزين ـ بإرادتهم أو بغيرهاـ عن اختراق هذا اللغز القريب المتاح. إما أن لا شيء يستحق وهذا مستبعد، أو هو خوف وهذا غير مبرر، أو أن ثمة اتفاق جمعي على الموقف منها، بعدم الاقتراب والصمت الكلي، وهذه ممالأة لا تبرير لها. ففيروز تراث قومي يشترك فيه الناس جميعا، كالماء والهواء، ويحق لهم معرفة ما لا يعرفون.
مسألة مربكة بامتياز، وحيرة لا تتوقف، كلما استحضرت صوتها عابرا في موجة أثير أو محطة تلفزيونية، أعيد طرحها متى ما أتيحت الفرصة وسنحت المساحة علّي أدرك ما عجزت، فيجيبني محبوها الكثر المهووسون بها صوتا وقيمة وتاريخا، وهي تستحق.