PDA

عرض كامل الموضوع : لتحكمنا المروءة حيالهم لـعبدالعزيز القاسم



مقالات اليوم
08-04-2013, 05:15 AM
لتحكمنا المروءة حيالهم



بقلم عبدالعزيز القاسم




انثالت في لوحة أخّاذة من طفولتي بمنتصف التسعينيات الهجرية، صور إخوتنا اليمانيين، وهم يجوبون شوارع مدينة الطائف بعد صلاة العيد، بأهازيجهم الصاخبة، ومزاميرهم التي تملأ العيد فرحاً، وهم يرقصون رقصاتهم الشعبية بالزيّ اليماني المعروف، وقد تمنطقوا الخناجر الشهيرة، واعتمروا عمائمهم البرتقالية المميزة، وترانا – كأطفال ويافعين - ندخل معهم في تلكم الرقصات، ونجوب الشوارع حتى نصل مسيال (وج)، بأجواء عيد حقيقية، حيث سقط التمايز ولم يبق إلا الفرح والأخوّة الحقة.
تذكرت تلك الأزمنة، وأنا أتابع الحملة التصحيحية التي تقوم بها وزارتا العمل والداخلية، تجاه إخوتنا المقيمين، واللغط المجتمعي العريض الذي صاحبه، والانقسام الحاد في الرأي حيال تلك الحملة. شخصياً، أرى أنها حملة يجب علينا دعمها بالكامل، فالمافيات تفشت في أرضنا من بعض الجاليات التي استغلت مروءتنا وأخلاقنا، فضلاً عن الآثار الاقتصادية التي أنهكت الأسر المتوسطة، من هروب العاملات المنزليات والسائقين، والعمل لغير كفلائهم، إضافة لتوفير وظائف لشبابنا العاطل، والتي لم تعد متاحة، بسبب هذه العمالة غير النظامية؛ كل هذا لا يزايد عليه أحد، والحملة برأيي تأخرت، والواجب ألا تتراخى الوزارتان، تحت الضغوط المجتمعية من بعض الكتبة والحقوقيين، في حملتها، وأن تمضي قدماً، وقد أفادت من نقد أولئكم، حتى تحقق أهدافها الوطنية الكبرى، بيد أن ذلك لا يمنعنا من أن نسهم بدورنا في إبداء الملحوظات عليها، كي تؤتي الحملة ثمارها.
يا سادة، نحن مجتمع تحكمنا المروءة والأخلاق، ونحفظ اليد والجميل لمن ساعدونا، وإن حفظنا لإخوتنا المصريين الذين قدموا في تلكم السنوات، وعلمونا في المدارس، فإننا نتذكر بكل إجلال ما قام به إخوتنا من اليمن من مساهمة في البناء والمقاولات، وكثير من الأعمال الأخرى، ونحفظ لبقية الجاليات التي أتت، خصوصاً التي وفدت قبل الطفرة، جميل ما قدموا وساهموا للوطن، ومن العيب والله، مساواة مقيم جديد، مع من أتى مهاجراً لهذه الديار، قبل أكثر من ستين أو سبعين عاماً، ولم تمكنه الظروف ولا القوانين، من الحصول على الجنسية، وهم يستحقون من المسؤولين إعادة النظر في تجنيس أبنائهم، فلا وطن لهم سوى هذه الأرض، ولا يدينون بالولاء إلا لقيادة هذا البلد، وقد انقطعت جذورهم إلا من ثرى أرض الحرمين ومأرز الإيمان.
أيّ دعاء طال خادم الحرمين ووزير الداخلية محمد بن نايف، من مئات الآلاف من إخوتنا البرماويين في مكة، وقد هللوا للقرار الأخير الذي صحّحوا به أوضاعهم، وكم هتفت العجائز والنسوة للأمير خالد الفيصل، الذي بادر بهذا المشروع، وجعلنا نفخر كمواطنين بقيادة، تقول لهم: "نحن نتشرف بكم بيننا"، أي كلمة عظيمة هذه قالها!!، وأيم الله بأن هذه هي الأعمال الخالدة التي تبقى في الدنيا ذكراً على ألسنة الناس، وأجراً مضاعفاً عند ربّ كريم، هذه هي مروءتنا وأخلاقنا.
لنعد للحملة التصحيحية، ونأتي لأصل الداء في موضوع إخوتنا المقيمين الذين يعملون لغير كفلائهم، وهو الفساد المستشري في وزارة العمل. أيعقل أن تقوم بهذه الحملة، لإبعاد من يعمل لدى غير كفيله، وبذات الوقت، تصدر مليوني تأشيرة خلال عامين. ثمة خلل كبير هنا، وها هو عضو مجلس الشورى السعودي عبدالوهاب آل مجثل، يعلق الجرس بصراحته، ويقول – في حوار فضائي له - بأن له عاملا، أنهى خدماته، وعاد بعد أشهر، وعندما سأله عن الطريقة التي عاد بها للمملكة، قال له متهكماً: "اشتريت تأشيرة بـ35 ألف ريال"، فيما يصعقنا الكاتب والإعلامي محمد الشيباني بمعلومة فاجعة؛ أن وزارة العمل أعطت 250 ألف فيزا، لشخص واحد، إضافة إلى عشرات الآلاف من الهوامير المتاجرين بالتأشيرات.
إن أردنا يا سادة أن تنجح هذه الحملة، فيجب أن تطال أولئكم الهوامير، والمتاجرين بهذه التأشيرات، والكشف عن فساد الذين أصدروا لهم تلك التأشيرات، ومعاقبتهم نظاماً، إذ لا يصحّ عقلاً، أن نبعد هؤلاء عن بلادنا، ليعودوا بعد أسابيع، ولكأننا نحرث في البحر.
كانت لفتة مقدرة من الجميع، عندما أصدر والدنا خادم الحرمين الشريفين أمره، بإعطاء هؤلاء المخالفين للنظام مهلة ثلاثة أشهر لتصحيح أوضاعهم، فقضية التدرج والإبلاغ المسبق لهؤلاء المقيمين مسألة مهمة، وقد رأينا خلال أيام كيف ارتدت الحملة سلباً، وارتفعت الأسعار، التي غرمها المواطن البسيط ذو الدخل المحدود، فقد دخلت بنفسي السوق المجاور لحيّنا، وألفيته أطلال طرفة بن العبد، إلا محلين فقط أشرعا أبوابهما، وكل السوق مغلقا، لامتناع العاملين عن العمل، وهذا دليل نجاح للحملة، إلا أن ذلك سيرتد على المواطن في غلاء وفحش الأسعار، مهما ادّعت وزارة التجارة بأنها ستراقب ارتفاعها.
لنحاول يا سادة احتواء هؤلاء نظاما، إسباغ مروءتنا عليهم، بأخلاق وقيم هذه الأرض، مع إلزام الجميع بتطبيق النظام، ومن غير العقل استعدائهم وبلادهم علينا، في وقت سياسي حسّاس، نحتاج فيه أن نتوازن مع الدول المجاورة، خصوصا اليمن الجارة، فالجانب السياسي حاضر في قضيتنا هذه، ومن الواجب الموازنة بين تطبيق وإلزام الجميع بالنظام، وبين كسبهم وعدم استعداء الشعوب علينا.
وأخيرا، لن تكفي هذه الحملة لوحدها باجتثاث المشكل، يجب تكرار فكرة (ساهر) العبقرية على الجميع دون استثناء، فمن يثبت أنه قام بتشغيل عامل ليس على كفالته، يغرّم بعقاب لا يقل عن 30 ألف ريال، وتمنع عنه كل المعاملات، بما فيها السفر، حتى يسدّد ما عليه تجاه المجتمع، وسيرتدع الجميع حينها، في إيواء وتشغيل عمالة ليست على كفالتهم.
الحملة هي لمصلحة الوطن والمواطن، وواجب وفرض دعمها وإنجاحها، ولكن لتكن المروءة والأخلاق من يحكم تعاملنا.