PDA

عرض كامل الموضوع : شرطان في التجربة التركية.. و"سنزرع التفاح" لـعبدالعزيز القاسم



مقالات اليوم
07-05-2013, 05:15 AM
شرطان في التجربة التركية.. و"سنزرع التفاح"



بقلم عبدالعزيز القاسم




ما زلت أتذكر بكثير من الحنين، مرحلة جامعة الملك عبدالعزيز بجدة، ونحن ندرج في كلية العلوم العتيدة، في رواق قسم الرياضيات، حيث كنا نتهيب الدخول على رئيس القسم وقتذاك، لهيبته من جهته، ولعمقه العلمي في تخصصه، فأي أستاذ متمكّن من مادة تخصصه؛ سينعكس ذلك عليه في احترام وتقدير كبيرين، وهو ما جعلنا في سنوات عمرنا تلك؛ ننظر بكل الإعجاب لذلك الأستاذ الجامعي الفذّ، الذي لم يك يردّ أحدا من الطلبة الذين يقصدونه، بل يتجاوب بكل رقيّ مع من يؤمّ مكتبه منا.
كان رئيس قسم الرياضيات وقتذاك أ.د. سالم سحاب، وهو الآن وكيل جامعة الملك عبدالعزيز، وبالطبع هو يكتب من سنوات طويلة في صحيفة المدينة، وقد علق الأربعاء الماضي في زاويته الماتعة على حلقة برنامج (حراك) حيال نقل تجربة إردوغان في السكن للسعودية، ووصف ذلك النقل، كمن يزرع التفاح هنا في بيئتنا المحلية، وقال بأن نقل التجربة التركية ممكن نظرياً، ولكنه عملياً غير قابل أبداً للاستنساخ في البيئة السعودية، وأنهى مقاله متهكماً: "ربما نجحنا في زرع التفاح في بلادنا الحارة!!".
ليسمح أستاذي العملاق بأن أزفّ له، أن طعم التفاح في مدينتي الأحبّ الطائف، لا يضاهى، بالرغم من تلك الحموضة اللذيذة في عصارتها، وأن زراعة التفاح نجحت أيضاً في أبها، بما أرسل لي بعض الأصدقاء، فضلاً عن تبوك، صحيح أن تفاحنا لا يطاول "التركي" في حلاوته، ولا "التشيلي" في حجمه، ورغم ذلك فأنا متفائل بالإفادة من التجربة التركية، ولست كأستاذي د. سالم متشائما، وقد غلب عليه تخصصه في الرياضيات، عبر تلك الواقعية المطلقة، والعقلانية الشديدة التي لا تترك مجالا لأي عاطفة.
سأشهر أمام د. سالم كتابا بديعا، وأستعرض معه هنا بعض فصوله، وقد أهدانيه مؤلفه مشكورا. الكتاب بعنوان: (التجربة النهضوية التركية: كيف قاد حزب العدالة والتنمية تركيا إلى التقدم) وهو للباحث التركي محمد زاهد جول، المجيد للغة العربية كتابة وتحدثاً، واستمتعت بكتابه أيّما استمتاع، داعيا النخب والمسؤولين إلى الاطلاع على آفاق تلك التجربة –عبر هذا الكتاب- التي نقلت تركيا بوثبات كبرى، لمراكز متقدمة في سلم النهضة.
يقول جول بأن تركيا تقلبت وتقاربت مع هويتها طيلة سنوات طويلة بالتدريج، فقد عدّل الدستور في عام 1961، في وصف الدولة من "تركيا جمهورية علمانية" إلى "تركيا دولة علمانية ديموقراطية"، وهذا التعديل المهم، أعطى فرصة للإسلاميين في تكوين أول حزب لهم (النظام الوطني) بقيادة شيخ الإسلاميين هناك، نجم الدين أربكان، في عام 1970، بعد محاولات عديدة ومريرة فاشلة.
يلفت انتباهنا الباحث القدير إلى أن أهمّ معالم التجربة الإسلامية التركية عند أربكان، والتي لم يلتفت إليها أحد في عالمنا العربي، التركيز على اقتصاد الصناعة، ونقل عن أربكان قوله: "لا يمكن التقدم من خلال السياحة أو الزراعة، من يقل ذلك فهو غافل عن الحقيقة، إن ما يلزمنا هو ثورة صناعية لتطوير الصناعات الثقيلة، فإذا لم نصنع نحن محركاتنا، ولم نصنع مصانعنا، فلن نتمكن من مقارعة الغرب"، وساق لنا الباحث بالأرقام والوقائع، ما حققه الأتراك في مجال الصناعة.
يعرج الكتاب على الربيع العربي، وأنه يحمل في طياته أسئلة الديموقراطية بالمفاهيم الغربية، وشرح تجربة تركيا في استيراد تلك الديموقراطية، وكيف أن الشعب التركي لم يسعد بها، لأنها تقوم على مبادئ تتصادم وهويته الإسلامية لذلك قام بالمزاوجة بين هويته الإسلامية والديموقراطية، فتحقق له التقدم والنهضة.
الكتاب شائق جدا، وأحسن جداً زميلنا الباحث، بتخصيص جزء مهم في نقل التجربة لنا، وقال بأن خمسة شروط أمامنا لإمكانية استفادتنا -كدول عربية- من التجربة التركية، يأتي في مقدمتها: "تجديد الدماء، وإشراك الشباب، والثقة بالمجتمع وأفراده، إذ ما فائدة التعليم إذا كان المتعلمون لا يفهمون، ولا يمكن الثقة بآرائهم".
ثاني الشروط، كان في: "تثقيف المجتمع والفرد بأن السلطة هي لخدمة الشعب وليست مغنما"، وربما كان ثالث الشروط بالنسبة لكاتب السطور هو الأهم، إذ يحدده في: "سؤال الإنجاز هو الفيصل في تقويم المسؤولين، فلا يكفي الفصل، بل يجب التحقيق والعقوبة، في الحالات التي بها ضرر". وهذا الشرط لو أخذنا به في بلادنا، لصلحت أحوالنا تماما، فالمسؤول فينا، عندما يتسنّم منصباً، سيقتعد الكرسي، وهو على معرفة تامة، بأن ثمة من يسائله عن أدائه وإنجازاته، وأنه إن لم ينجز في وزارته أو موقع عمله، سيقال فوراً، وسيحاسب.
الشرطان الباقيان، يتمثلان بـ"العمل المؤسسي وفق خطط مدروسة، ووصول نتائج النهضة لكل مواطن وكل بيت".
أعود لأستاذنا الدكتور سالم سحاب، لأقول له بأن في ملامح التجربة التركية، ليس في الإسكان وحسب، بل في مجالات شتى، ما يمكن أن نفيد منها في مجتمعنا، وإن كنت تترّست بحجّة أن التربة غير التربة، والمناخ غير المناخ، فما الذي يضيرنا من استصلاح التربة كي نزرع التفاح الذي ظلمته معك!
بيدنا الأموال والحمد لله، ولكن المال –بالتأكيد- لا يكفي وحده، بل لا بد من إرادة جادة، وعقول علمية تخطط، وهمم رجال تمضي بالمشروع وتعبر به، وتنجزه على أرض الواقع، وهو ما نعوله بإذن الله في بلادنا، إذ لو أخذنا من شروط التجربة التركية، الشرطين التاليين: تجديد الدماء عبر فسح المجال للشباب، وسؤال الإنجاز، كشرط لاستمرارية المسؤول التنفيذي في منصبه؛ لأفلحنا في المضي خطوات واسعة في طريق التقدم والنهضة.
ثق حينها –أستاذي الأجلّ- بأنك ستطعم تفاحاً، لا يضاهي التفاح "التركي" في حلاوته فحسب، بل ذلك "الكاليفورني" الأحمر البراق.. أوَ تذكره؟!