PDA

عرض كامل الموضوع : هلموا لنجعل النماص.. "باريس الجنوب" لـعبدالعزيز القاسم



مقالات اليوم
19-08-2013, 05:15 AM
هلموا لنجعل النماص.. "باريس الجنوب"



بقلم عبدالعزيز القاسم




"أبا أسامة، قل لي عن "النماص" قولا، لا أسأل أحدا بعدك عنه، فقد أرسل أحد الفضلاء صورا لمناظر أشبه ما تكون بـ"سويسرا"، وقال إنها من "النماص".. أكذلك هي النماص التي رأيتها أنت؟".
كانت السطور الآنفة لرسالة "تويترية"، تلقيتها لحظة كتابة هذه المقالة، من أستاذنا الإعلامي الكبير عبدالرحمن الأنصاري، يستفسر مني عن تلك الصور التي ظنّ أنها من "سويسرا"، وحرت بمَ أجيب الأستاذ، والضباب يتسلل عبر نافذة غرفتي بالفندق الذي أقطنه في هذه المدينة السحر، والتي أصرّ أبنائي، وألحوا عليّ بالمجيء إليها للسنة الثانية على التوالي.
زفرت آهة طويلة، أودعتها ذكرياتي عن "باريس الجنوب" وما كتبه القلب عنها بالعام الفارط، ورميت ببصري عبر تلك الكوّة إلى أراض ممتدة أمامي، وقد اخضوضرت، لا بالعشب فقط؛ بل بأرواح أهلها، وطلاقة وجوههم للأضياف، وأقسم أن أحدهم أعاد لي تماما ما نقرؤه في كتب التراث العربي، من الفرح الغامر بالضيف، ولكأنك تفضلت عليه وأنعمت، لا العكس، لتتغشاك مشاعر فرح إزاء تهليله وترحيبه بك، وكلمة "ارحبوا" تصك مسمعك، بأهزوجة جنوبية، تحكي قصة الكرم والحب والحفاوة عند هؤلاء القوم.
ورغم سعادتي بتلكم الأجواء الباريسية حقا، إلا أن غصة لمّا تزل تخنقني، وأبنائي يصخبون فرحا حولي، ونحن نتجول في متنزه "ناصر"، و "المطل"، أو بطريقنا للمدينة الساحرة الأخرى "تنومة"، ويتسابقون لالتقاط الصور البديعة التي سيدلّون بها عند أصدقائهم في "جدة"، فخرا وأنسا ولحظات سعادة لا تنسى بالنسبة لهم، وهم يتسربلون الغيم، ويتقافزون من خلال صخور الجبال التي تحكي كبرياء وشموخ هذه المنطقة العزيزة من بلادنا.
سبب الغصّة –أيها السادة- شبه خلوها من بعض ملامح التنمية التي تشعر سائحا غريبا مثلي بوجودها، فرغم كل مميزاتها التي وهبها الله، والطبيعة البكر التي هي عليها، كأنها خرّيدة حسناء بين مدن الجنوب، لتشعر أن الخدمات بها، متأخرة نوعا ما.
عندما فاتحت بعض كبار وجهاء "بني شهر" بملاحظتي هذه، هبّوا عليّ هبة رجل واحد، ولكأنني مسست جرحا غائرا لديهم، وهم يقولون: "لكم اشتكى السياح الذين أتوا قبلك من سوء خدمات "الاتصالات" و"الإنترنت" هنا، وبعضهم آلى على نفسه عدم المجيء أخرى بعد أن امتعض أبناؤه من هذه الخدمة، وقد غدت حاجة أساسية في حياتهم".
في مجلس كريم آخر دعيت له، وقد غصّ بأبناء المنطقة من الألوية والعمداء المتقاعدين، فضلا عن مشايخ "بني بكر"، استرسل الحديث بينهم عن مدينتهم الأحبّ، وأنا أرخي السمع كأيّ ضيف أتى من خارج المنطقة، عليه الالتزام باللياقة وأدب المجالس، وكان الحديث ساخنا عن "النماص"، والكل مهموم بكيفية الارتقاء بخدماتها. همست لمضيفي العميد عثمان البكري، بأنني سعيد بهذا التفاعل منهم، فالعام الماضي، لمت أهل "النماص" في مجلس الشيخ محمد الصقلّي، وقلت بشعوري كزائر أتى من خارج المنطقة، وزار مناطق عديدة جدا في بلادنا؛ بأن أهالي "النماص" غير آبهين بتطوير مدينتهم، وأنني لم ألمس غيرة ولا تحركا إيجابيا للارتقاء بها، ربما لأن معظمهم يعيش خارجها، ولا يأتيها إلا لماما.
ثمة صوت غيور تناهى لمسمعي في المجلس، وهو يتحدث عن دور الأهالي في مطالبة مسؤولي المنطقة، وأنه من الضروري القيام بتحرك إيجابي. همست أخرى للعميد عثمان، أسأل عن صاحب هذه المداخلة الرائعة، وقلت بأن صاحبها الذي لم أعرفه ولم ألتقه بحياتي؛ رجل وطني حقيقي، ومحب صادق لمدينته. ابتسم صديقي وقال: "هذا الرجل كان عميدا في القوات البحرية، وكان يسكن في المنطقة الشرقية وغادرها، حبّا في "النماص" التي أتاها برؤية تقول؛ بأن من واجبه –وأمثاله ممن ينتمون للمدينة- العودة، لإحيائها وتطويرها. الرجل يقوم بخدمات جليلة، ومطالبات لحوحة للمسؤولين في الوزارات الخدمية، من سألت عنه –أبا أسامة- هو العميد عبدالله البكري".
لأهل المنطقة من بني شهر ـ وقبائل الجنوب عموما ـ طقوسهم في المجالس، عبر السلام الخاص بالأنوف، والجلوس على الأكل والقيام منه، وخشيت ـ وأنا الآتي من الحجاز ـ أن أخدشها، فاستأذنت بالحديث في ذلك المجلس الغاص بشيوخ القبيلة ووجهائها، وقلت لهم: "اليوم عرفت أننا مدينون لكم كمواطنين ووطن يا "بني شهر" في حمايتنا، فكل الذين التقيتهم في فترة إقامتي في مدينتكم هم من سلك العسكرية، والبعض القليل في "التربية والتعليم"، بالطبع هاذرتهم ابتداء، وقد انفجروا ضحكا واستمزاجا، وأردفت قائلا: "ما قاله العميد أبو ماجد، وما يفعله ويقوم به من مطالبات بطريقة مشروعة، هو الطريق الوحيد والأصحّ في هذه الفترة، وعندما يدرك المحافظ أو مدير الاتصالات، أو المواصلات، أو أمين البلدية، بل كل مسؤولي الوزارات بأن وجهاء المنطقة وأبناءها يطالبون بحقهم بالتطوير والتنمية لمدينتهم، فإنهم سيعملون ويتفاعلون".
في مقالتي عن "النماص"، العام الماضي، وجهت رسالة لسمو أمير منطقة عسير، الأمير الشاب فيصل بن خالد، وقلت بأن الاستثمار في مدن جديدة كـ"النماص" و"تنومة" و"بلسمر"، والتركيز عليها، تخفيف على "أبها". و"النماص" وغيرها، تحتاج لبنى تحتية كبيرة كي يؤمها السياح، والوقت مناسب جدا، في هذه الطفرة الكبيرة التي نعيشها في وطننا، ولربما أمثال أبنائي سيكونون شهودا محايدين، وهم الذين كانوا في "دبي" قبل أسابيع فقط، وأتوا لـ"النماص" الساحرة، وأغرموا بها، حتى أنهم رفضوا جميعا الذهاب لـ"أبها" افتتانا بهذه المدينة، متذرعين أمامي بأن "أبها" مدينة مزدحمة.
ثمة رجال في "النماص" لا بدّ من التعريج عليهم، فكم أكبرت العام الماضي سعادة العميد محمد المقرّ، الذي وهب حياته وكل ماله، ليصنع ما يشبه المعجزة عبر ذلك القصر التاريخي بالمدينة، وفعلا ألححت على زيارته ـ رغم ضيق الوقت ـ لأرى ما أنجزه خلال عام واحد، وفعلا أبهرني بهمته وفكره وطموحه، ما يدعوني هنا إلى توجيه نداء لسمو الأمير سلطان بن سلمان بزيارة هذا المشروع وتبنّيه، ودعوة أخرى لكل وجهاء منطقة "النماص" بدعم ما يفعله الرجل والمساهمة معه، لأن القصر واجهة حضارية ثقافية يفخر به أي منتم للمدينة، غير ناس دعوة المثقفين لزيارة هذا الصرح الثقافي البديع، الذي قام به فرد واحد بما يشبه المعجزة.
هناك اللواء الخلوق فايز البكري، الذي كرس وقته للمشروعات الخيرية بالمنطقة، والطريف أنني بوغت بهذه الزيارة، والعادة أنني ألبس الزيّ الرياضي أثناء تجوالي، وذهابي لأماكن السياحة، فالزيّ السعودي الرسمي، يعيقك في التحرك بحرية كاملة، وإذا بالعميد عثمان البكري يباغتني لأذهب لوجهاء ومشايخ في قبيلة "بني شهر" بالزي الرياضي، وقد زاحمنا الوقت، وتصوروا الحرج الذي وقعت فيه، أمام هذا النفر الكريم من الوجهاء!! وسرعان ما تبدد، عبر طلاقة الأوجه السمحاء تلك، بل أبعد من ذلك، عبّروا ـ بصدق ـ عن شكرهم بأنني أعدهم إخوة وأهل بيت، وأتيتهم بلا تكلف ولا رسمية..فهل ألام بعدها في حبّ "النماص" وأهلها؟
أجبت الإعلامي الكبير أستاذنا عبدالرحمن الأنصاري:" تلك الصور التي رأيتها وظننتها من "سويسرا"، هي بحقّ صور من "باريس الجنوب" مدينة "النماص"، ولن تندم أيها الأستاذ إن زرتها مع أم ياسر وأبنائك، فستلقى جمالا في الطبيعة، وأصالة فطرية عند أهلها، وسيعانقك الغيم، وتلتحف الضباب، وستغسل كل همومك عبر ذلك الهتان الذي يلذعك ببرودة لذيذة في وجناتك، هلّم أستاذنا واكتب كما الشعر عنها، وانضم لي وسجل اسمك في حبّ هذه المدينة الساحرة.. وحبّ أهلها".