PDA

عرض كامل الموضوع : تفجير طاقة التفكير..د. طه الدليمي



حنظلة بن ثعلبه العجلي
01-10-2014, 08:56 AM
تفجير طاقة التفكير/4

12. النظر المستديم في الواقع المعاناة الحقيقية للواقع، وممارسة المعاناة الفكرية من أجل فهم الظواهر الجارية فيه، والتمعن في عللها، والمحاولة المستديمة لوضع العلاج الناجع لها، مع وضع الأفكار المعتصرة موضع النقاش مستفيدين من التجارب السابقة ونتائجها الراهنة، يضع اليد على خلاصات فكرية رائعة، لا يظفر بها أولئك المنعزلون عن الواقع، أو أولئك الذين يعيشون فيه لكنهم يصرفون عقولهم عن النظر الحر في وقائعه، ويسيرون على أفكار نمطية كأنها مقدسات لا تقبل الاقتراب منها، تكرر نفسها مع آثارها السيئة في دورة لا تنتهي.ما زالت غالبية الزعامات التقليدية تحلم بإمكانية جمع أصحاب السياسة إلى حملة السلاح في منظومة واحدة. ويرددون عبارة (الجناح السياسي والجناح العسكري) وضرورة التحامهما معاً. وقد عملت أغلب الفصائل المقاومة على التعامل مع من يمتهنون السياسة وإسنادهم من أجل الفوز بمقاعد في مجلس النواب وتسنم قيادة بعض الوزارات والسفارات. ورغم أن الواقع يثبت ضعف جدوى هذه الطريقة؛ فإن هؤلاء ما إن يصلوا إلى هدفهم حتى يركلوا السلّم الذي تسلقوه وانفصلوا عن الفصيل الذي وقف وراءهم.. رغم ذلك ما زالت هذه الفصائل تكرر التجربة الفاشلة نفسها دون أن تفكر في بديل منتج يتجاوز بهم النفق الذي تدهوروا إليه؛ فهم يسيرون من سيئ إلى أسوأ. والنتائج السيئة التي حصلت عليها تلك الفصائل جراء المشاركة في (جبهة التوافق) سنة 2005 لم تمنعها من إعادة المحاولة في (القائمة العراقية) سنة 2010 ثم (قائمة متحدون) في 2014 دون التفكير في حل آخر!لقد فات هؤلاء أن الأجنحة لا تلصق بالغِراء لصقاً، وإنما تتفرع عن جسم نبتت فيه أصلاً. وإن اقترب هذان الجناحان من بعضهما يوماً، فلمصلحة عابرة سرعان ما تمر فيفترقان. وأن أصحاب المال والسياسة لا يؤتمنون؛ كلاهما تاجر يريد الاستثمار في مصرف السلاح. وأن القيادة لمن يملك المال. وفاتتهم قواعد كثيرة ومعقدة يحتاجون إلى استحضارها كي يبحثوا لهم عن خلاص. وفاتهم الشيء الأهم من هذا كله، ألا وهو أن الجسم المنبِت للجناحين الجامع لهما مفقود؛ فمن أين ينبت جناح فضلاً عن جناحين؟! ولو كانت لهم عقول حرة متحركة خصبة مشدودة النظر إلى الواقع لعرفوا، أو على الأقل لم يكرروا تجربة كل دلائل الواقع وشواهده تثبت أنها فاشلة! إن أصل النجاح في منظومة التغيير الشامل هو الجسم المدني. وفي هذا الجسم -بعد تكوينه - يستنبت الجناحان: السياسي والعسكري، ومنه يخرجان، وعنه يتفرعان، وفي حضنه ينموان، وبرعايته يمتدان في الفضاع الرحب وهما يخفقان براية النصر. وتحت قيادته يبقيان على الدوام.

13. الواقعية في التفكيرلا يتحول العلم إلى معرفة، أي لا يكون راسخاً مرناً منتجاً أقرب للصواب، ما لم يكن نتاج الواقع أولاً، ثم يعرض للتجريب في ذلك الواقع كي يتم تعديله وتحسينه وإخراجه في صورة أقرب ما تكون للصواب. ثم يترك مفتوح النهايات للتطوير والتغيير. من فوائد الواقعية في التفكير التفريق بين الحلم كحالة تزرع الأمل وتشيع التفاؤل ونكتشف في أجوائها الأهداف، وبين أن نتوهم أننا نعيشه واقعاً. فمن عاش الحلم كواقع تحول الواقع البائس الذي يحلم بتغييره إلى حلم يتمناه ولا يلقاه.الفكر القومي عاش حلم (الأمة العربية) كواقع فلم يزده العمل طبقاً إلى هذا الوهم إلا تردياً وبعداً عن الهدف، وصار الواقع القديم الذي كان يرفضه أمنية هيهات أن تعود، وحالة تبعث الحنين، وحلماً يتراءى للناس في يقظتهم يتمنون عودته يوماً من الأيام ويسمونه بـ(الزمن الجميل). الشيء نفسه حصل مع الفكر الإسلامي الذي يكرر كلمة "الأمة" و"أمة الإسلام" وكأنها واقع معاش، وعندما فتح الناس أعينهم وقد أفاقوا من ذلك الحلم الشفيف وجدوا العدو يستبيح بيوتهم وأعراضهم، ولا من أمة تقف معهم، أو تسمع نداءهم، أو تشعر بوجودهم!لهذا نقول: "إذا أردت فكن". التكوين يسبق الإرادة. فمن لم يكن له كيان لا إرادة له، ولا أحد يسمعه أو يتعامل معه. الجميع يرددون: نريد كذا ونريد كذا. لكن كم منهم أدرك هذا القانون فعمل لتحقيقه: "إذا أردت فلا بد أن تكون"؟ والواقعية تمنح الفكر القدرة على التلاؤم مع المحيط بأقل التكاليف. وهذا أحد أسرار سماحة الإسلام، وبعث النبي e "بالحنيفية السمحة". وتغير الفتوى بحسب الزمان والمكان والأعيان. الواقع هو الذي دفع شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من العلماء إلى إطالة النظر في نهي النبي e المرأة عن السفر إلا مع محرم، ليستنبطوا أن علة النهي الخوف على المرأة؛ فقالوا بجواز سفرها دون محرم عند توفر الأمن.والحاجة إلى تيسير حركة المرأة ماسة من أجل تمكينها من القيام بدورها في عملية التغيير والإنقاذ. واشتراط صحبة المحرم في كل سفر يقيد المرأة ويعيقها عن المشاركة الفاعلة في الإنقاذ، ويزيد من الحرج والتكاليف.

14. اتباع قاعدة " الطبيب وليس الخطيب "الطبيب بطبيعة مهنته إنسان عملي؛ يستمع إلى المريض ليكون فكرة عامة عن مرضه ويحصر التشخيص في احتمالات محددة، ثم يقوم بفحصه فتضيق دائرة الاحتمالات، ثم يجري له تحاليل مناسبة فتضيق الاحتمالات أكثر. وهكذا حتى يقع على العلة. فإذا تم له ذلك دخل في مرحلة العلاج توصيفاً، أو تطبيقاً بالإضافة إليه. فتجد الطبيب مشدود الانتباه إلى التشخيص أولاً، ثم وصف العلاج ثانياً، ثم قد يحتاج إلى مزاولته ثالثاً. وتأتي كلمات التطمين كمس على رأس، أو نقش على عرش.بينما تجد الخطيب مستغرق الهم في بعث حماس السامعين، يحلق بهم في الأعالي، لكنه لا يحسن النزول بهم إلى الأرض. يبني قصوره في السحاب، ويغرس وروده في الضباب. يرسم الأهداف الكبيرة، ولا يضع لهم خطة ولو صغيرة. يهدد ويوعد، لكن زبداً. ويرغي ويزبد لكن بدداً، ويبرق ويرعد ولكن خلباً. كم شهدت ساحات الاعتصام طوال سنة 2013 من خطبة عصماء وخطيب مِصقَع! تدوي تكبيراتهم في ذلك اليباب كأنها قذائف المدافع! يعدون الوعود وينثرون البشارات، حتى قال قائلهم: "والله لينصرنكم الله لأنكم على الحق" قلت: أعوذ بالله من سخط الله؛ ما هذا التألي على العليم الحكيم! وكررها في أكثر من منصة، في أكثر من جمعة. وما هي إلا قليل حتى هبت الرياح على تلك الخيام – وا أسفاه! – فأحالتها خراباً، ولم ينتصر لهم الله!وهكذا نحن منذ أكثر من مئة سنة! خطباؤنا أولى الناس بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) (الصف:2،3)! والسبب أنهم اقتسموا الدين وقسموه فولوا وجوههم شطر (الإيمان) وأداروا ظهورهم لشطر (النصرة). ثم كروا على ما تبقى فشطروه صنفين، أخذوا منهما ما لا يزعج الطرف الشيعي؛ فأخذوا من التوحيد – مثلاً – عمومياته، وتغاضوا عن إنكار شركهم وأباطيلهم، والنكير على طقوسهم وعباداتهم، وخرسوا فلم يتهموهم قط بكل ما حصل للسنة من فظائع، إنما رموا بذلك – عند الاضطرار إلى الكلام – على المليشيات وأمثالها.لقد كانوا – والاستثناء لا ينكر - أجهل الناس بقوله تعالى: (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ) (آل عمران:81). ومن لم يأخذ الدين (نصرة) لا يجد نفسه في حاجة إلى معاناة العمل الذي ينهض بالمجتمع، وذلك هو الشطر الأصعب من الدين، الذي يستدعي التفكير العميق لوضع الفكرة وتعيين الهوية وتحديد الأهداف ورسم الخطط وتهيئة الموارد وإعداد العاملين وتحشيد الأتباع وكسب المؤيدين. لهذا يجنح معظم المتدينين إلى الاهتمام بشطر (الإيمان)، من جانبه السهل المتيسر. وهذا في الأعم الأغلب لا يحتاج لأكثر من المواعظ والكلام. وعلى رأس هؤلاء هم الخطباء، فكانوا يقولون ما لا يفعلون! ومن كان كالخطيب في علاقته بقضيته جمد عقله وعقم فكره، فكان أبعد الناس عن تخليق الأفكار. إنما هذا شأن من نظر إلى المجتمع نظر الطبيب إلى المريض، فشخص المشكلة الكبرى، ووضع لها مقترحات الحل، وشمر عن ساعديه لتجربة أي المقترحات أنفع، وأي العلاجات أنجع.


http://www.hanein.info/vb/showthread.php?t=386021