PDA

عرض كامل الموضوع : السيرة الفنية لسعادٍ حسني سندريلا مصر



moody
13-06-2005, 07:35 PM
لا يزال صناع السينما العربية يبحثون عن عيني أخت القمر التي أغمضت جفنيها في التاسعة مساء الخميس الموافق 21 يونيو (حزيران) من عام 2001 وبتوقيت جرينتش وسط ليل «لندن» الغامض الذي يزداد عتمة بغياب القمر عن سمائه وكأنه كان ينذر بنهاية حياة أخت القمر «سعاد حسني».
ومن الشقة رقم 6A بالطابق السادس ببناية «ستيوارت تاور» ذات الـ16 طابقاً، والشهيرة ببرج الانتحار، ينظر صبي في العاشرة من عمره من أصل مغربي من النافذة في البناية المقابلة لبناية «ستيوارت تاور»، ليرى بعينيه سقوط القمر من سمائه العالية، ليهرع مذعوراً إلى حضن أمه، وتبدأ أحداث القصة الدامية التي لم تنته حتى يومنا هذا «ليلة غياب القمر عن سماء السينما العربية» أو انهيار أحد حوائط المجد في الفن.

ونظل كل عام في هذا اليوم نسأل نفس السؤال هل يمكن لصاحبه هاتين العينين اللتين تحدثتا إلينا دون أن تنطق بكلمة واحدة أن تنتحر؟ هل يمكن لهذا البريق وهذا الإغراء الذي يحتضن البراءة ليحافظ عليها من تدنيس الآخرين لها أن يسقط بهذه السهولة؟ بعد كل هذا الصمود وهذا الحزن الذي يدخل الى القلب الابتسامة! ليعطي قسمات وجهها سحراً يجبر المسحورين بها على الإصغاء لصمتها.

لا نريد الدخول في تفاصيل النهاية الغامضة والبحث عن أجوبة لأسئلة لا تزال مفقودة، لكن نريد أن نتذكر جميعاً «أخت القمر» كما تغنت بنفسها ولنفسها في بداية مشوارها الفني في برنامج الأطفال الإذاعي «بابا شارو»، الذي كان يقدمه الإذاعي محمد محمود شعبان الذي شجعها على الغناء وهي في الثالثة من عمرها، بصوتها الجميل قالت «أنا سعاد أخت القمر بين العباد حسني اشتهر» وكأنها كانت تعرف ما سيحدث لها مستقبلاً.

فبالفعل حسنها اشتهر بين العباد من خلال 82 فيلماً سينمائياً، ومن بينها 4 أفلام أجنبية من انتاج لبناني وعراقي وأفغاني وروسي وبدأت «بنعيمة» عام 1959 وهي لم تتجاوز الـ17 من عمرها، وكانت بالفعل نعيمة التلقائية البسيطة هذه الفلاحة البريئة التي أحبت «حسن» وأحبها لتطل علينا في الأغنية الأولى في الفيلم، من النافذة العالية بابتسامة تسحر القلوب وكأنها تطل من نافذة منزلها رقم 43 بشارع الجمهورية في حي الفوالة بالقاهرة القديمة بين أخوة وأخوات كثيرين، من بينهم حنونة الغناء العربي نجاة الصغيرة لأب ترجع أصوله لبلاد الشام، يقول البعض من سوريا والبعض الآخر يقول إنه من فلسطين، لكن اسمه ومهنته واحدة فهو محمد حسني البابا من أمهر الخطاطين في حي الفوالة، وكأن الفن والموهبة ترجعان للأب الذي كان يشجع ابنته الأخرى نجاة على الغناء لسيدة الغناء العربي أم كلثوم، وسط اعجاب الآخرين بها، وهو أول من استجاب لنصيحة الكاتب والشاعر والفنان الراحل عبد الرحمن الخميسي صديق العائلة بأن تبدأ سعاد رحلتها في عالم الفن الذي خلقت من أجله، حين رآها تكبر وتنضج أمامه ويزداد البريق في عينيها فأصر على أن يراه كل الناس، وذهب هنري بركات ليرشح له سعاد لتؤدي دور نعيمة، ولكن وبرغم اعجابه بها رشحها لدور آخر لأن دور نعيمة ستؤديه الفنانة فاتن حمامة، ودور حسن سيؤديه الراحل عبد الحليم حافظ ولكن تنقلب الأمور فجأة، ليقرر منتج الفيلم الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب أن يؤدي دوري حسن ونعيمة وجوه جديدة لم تظهر قبل ذلك على الشاشة، ويبدأ اللمعان الأول لسعاد حسني على شاشة السينما ويقوم بإخراج الفيلم حسن الإمام.

كانت حياة سعاد حسني تشبه حياة السندريلا بالفعل فهي نشأت في عائلة كبيرة مكونة من 17 أخا وأختا لأكثر من زوجة وأب واحد، ولم تلق الرعاية الكافية بل كانت أحد مصادر الدخل لعائلتها منذ طفولتها، ولم تلق حظها من التعليم لذا قام بتعليمها القراءة والكتابة الفنان الراحل ابراهيم سعفان، ودربتها على الأداء التمثيلي الفنانة انعام سالوسة لتنطلق في عالم الفن، وتدخل بنا في عالم الاستعراض والسياسة والقضايا الهامة والحب والعاطفة، من خلال أدوار مركبة وصعبة، وأفلام اعتبرت من أهم المحطات الفاصلة في السينما المصرية والعربية، وأيضاً لتصبح هي بذاتها أفضل فنانة مصرية في مائة عام من السينما في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عام 1996 وسندريلا الشاشة العربية، بدءاً من نشأتها الفقيرة وصعودها وبحثها عن فارس أحلامها المنتظر بين زيجاتها التي كان من بينها المخرج علي بدرخان، الذي قالت عنه إنه كان حبها الكبير واحترامها الذي كانت لا تعطيه إلا لمن يستحقه، وآخر زيجاتها كانت من السيناريست ماهر عواد، أما عن الـ6 سنوات التي اختلف الناس عليها إذا ما كانت حملت لقب حرم العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، وينكرها البعض فيما يؤكدها المقربون منها ولكن الأهم من ذلك أنها أحبته وهو أحبها بالفعل، فكيف لا وهما يحملان نفس الروح الشفافة والحزن المغلف بفرحة يعطيانها لمن حولهما.

كانت سعاد حسني تحب الأطفال حباً شديداً وبالرغم من ذلك لم تتحقق أمنيتها، وفقدت جنينها أثناء تصويرها لأحداث فيلم «شفيقة ومتولي» من زوجها ومخرج الفيلم علي بدرخان، لتكمل صفحات تضحيتها من أجل الفن ويشاركها في أحداثها المؤلمة والمفرحة الشاعر الراحل واستاذها الذي أثر في حياتها كثيراً صلاح جاهين، الذي كان يمثل بالنسبة إليها دور الساحر الطيب الذي ساعد السندريلا في حياتها وبرحيله بدأت أولى مراحل الاكتئاب لديها.

تأتي مرحلة الستينات بالنسبة لسعاد حسني لتكون مرحلة الانتشار الحقيقية، حيث عملت مع أفضل وأكبر مخرجي السينما المصرية، وبعد حسن ونعيمة شاركت في أفلام البنات والصيف وغراميات امرأة وامرأة وثلاثة رجال والسبع بنات لتبدأ مرحلة البطولة الكاملة، وتحمل مسؤولية فيلم في أفلام «اشاعة حب» و«مال ونساء» و«لماذا أعيش» و«السفيرة عزيزة» و«حواء والقرد» و«الأشقياء الثلاثة» و«بابا عايز كده» و«الطريق» و«الثلاثة يحبونها» و«ليلة الزفاف».

ووسط هذه الأفلام تقوم سعاد حسني بأنضج أدوارها، تحديداً في النصف الثاني من مرحلة الستينات تشبه في ذلك المراهق الذي يخرج إلى مرحلة النضج والشباب وتقدم عام 1966 فيلم «القاهرة 30» وهو عملها الأول مع المخرج صلاح أبو سيف، وتؤدي دوراً صعباً ومعقداً فهي تلك الفتاة المتناقضة عشيقة رجل السلطة وزوجة الرجل الضعيف الانتهازي والمتسلق والتي تركت قلبها مع حبيبها الشاب الاشتراكي الثوري، ومنه إلى دورها في فيلم «الزوجة الثانية» عام 1967 والذي كانت تقف فيه أمام عمالقة السينما المصرية صلاح منصور وشكري سرحان وسناء جميل، ولفتاتها المعبرة ومكر الفلاحة التي توقع العمدة في شر أعماله، لتعود إلى زوجها مرة أخرى بعد أن انتزعها العمدة منه، ويأتي فيلما «نادية» و«بئر الحرمان» عام 1968 لتكون قمة الأدوار المركبة في فيلم «نادية» مع المخرج أحمد بدرخان، الذي تقوم فيه بأداء دورين لشقيقتين متناقضتين تماماً في التفكير والسلوك، فنادية هادئة حالمة وتحب في صمت وخجل وتصاب في حادث منزلي بتشوه في وجهها يعزلها عن الناس، والشقيقة الصغرى المرحة والمنطلقة في حياتها والمحددة لأهدافها، انهما النقيض تماماً وتشعر بالفعل أنك أمام شقيقتين وليس شخصية واحدة فقط.

أما في فيلم «بئر الحرمان»، فنرى هذه الفتاة المصابة بحالة انفصام في الشخصية، والتي أوصلتنا لحالة الشفقة عليها، هذا الابداع الذي يتجسد في صورة آدمية كونت لنا سعاد حسني، التي شهدت فترة السبعينات نضوجها الفني، واختيارها لأدوارها وتألقها في الفيلم السياسي والاستعراضي، هي من قالت خلال أحد أحاديثها التلفزيونية «أشعر أن من واجبي أن أمسح آلام الناس، وأراه واجباً انسانياً كما هو واجب وطني، فأنا من هذا الشعب أتعب مثله وأتعذب مثله، وأعيش مع الأمل». وتقدم لنا صاحبة هذه الكلمات برشاقتها وخفتها المعهودة أفلاما «صغيرة عن الحب» و«فتاة الاستعراض»، لكن نجاحها الحقيقي في الاستعراض كان في فيلم «خللي بالك من زوزو» عام 1972 لتغني لنا «يا واد يا تقيل» و«احنا الطلبة» وفيلم «أميرة حبي أنا» عام 1974 لتغني للدنيا بربيعها، الدنيا ربيع ولحبيبها بمبي ويأتي هذان الفيلمان في بداية السبعينات، بعد أفلام «غروب وشروق» عام 1971 و«الكرنك» و«على من نطلق الرصاص» عام 1975 ويكفي ذكر أسماء هذه الأفلام لتعرف أنها قامت وشاركت في أفلام تعد علامات في تاريخ السينما المصرية، ليأتي عام 1978 وتقوم بدور شفيقة في فيلم «شفيقة ومتولي» أمام النجم الصاعد في ذلك الوقت المبدع الراحل أحمد زكي.

وخلال مشوارها الفني تأتي الكثير من العلامات المضيئة، ولا ننسى «زوجتي والكلب» و«موعد على العشاء» و«المشبوه» و«المتوحشة» و«حب في الزنزانة» وتتوج فترة الثمانينات بمسلسل «هو وهي» وغنائها لخالها البيه والشوكولاته والبنات التي طالبت فيها بحقوق البنات على طريقة سعاد حسني.

وفي بداية التسعينات رأت سعاد حسني أنها يجب أن تتوقف نهائياً، ورغم نضجها الفني إلا أنها كانت في أوج مراحل الاكتئاب أثناء بطولتها لأفلام «الدرجة الثالثة» و«الراعي والنساء». ويحكي مدير التصوير طارق التلمساني أنها في فيلم «الراعي والنساء»: «كانت قد وصلت لمراحل متقدمة من الاكتئاب يصعب فيها التعامل معها، ولكن ما أن تقف أمام الكاميرا، نراها قد تحولت إلى سعاد حسني التي نعرفها جميعاً بتألقها وابداعها وعطائها الغزير، وبعيدا عن الكاميرا كانت تدخل في نوبة بكاء ونحاول تهدئتها بالساعات، وبعد انتهاء مشهد واحد تطلب منا أن تبكي!».

هذه العملاقة كانت حياتها بعيداً عن الشاشة والاستوديو بسيطة، يحبها كل من اقترب منها. تبدأ يومها بتمرينات رياضية على أنغام الموسيقى، وتتناول قطعة الجبن الأبيض وكوب الشاي باللبن والذي كانت تفضل اعداده بنفسها، والذي لا يعرفه الكثيرون انها كانت تحيك بعض ملابسها التي تضع تصميمها بنفسها فكانت خياطة ماهرة صبورة لأبعد الحدود، ولا تحب اقتناء الذهب بل كانت تفضل عليه الاكسسوار، كانت بسيطة متواضعة مرحة وأقرب إليك من نفسك عندما تطل عليك بعينيها.