PDA

عرض كامل الموضوع : قصة أداة الكتابة من الريشة إلى الكمبيوتر



moody
10-09-2005, 02:10 AM
القلم، مثله مثل السيف والرمح والقرطاس، واحد من أقدم الأدوات التي اخترعها الإنسان وللناس فيما يعشقون حقاً مذاهب، فبعضهم يعشق الكتابة بالقلم الرصاص على ورق أبيض، ومن هؤلاء الكاتب أنيس منصور، وبعضهم الآخر ما زال يهوى الكتابة بالقلم الحبر رغم أنه أصبح بمقاييس العصر موضة قديمة أكل عليها الدهر وشرب، الأمر الذى ينفيه أديبنا الكبير نجيب محفوظ، وهو أحد عشاق القلم الحبر، مؤكداً أنه يفضل أن يرى بعينه (عصير الفكر) قبل ان يشربه الورق!
لو عدنا إلى الوراء، في سالف الدهر والأوان، لوجدنا أن السومريين وهم سكان بلاد ما بين النهرين القدامى، هم أول من اخترع قلم الكتابة في مطلع الألف الرابع قبل الميلاد، وكان القلم السومري عبارة عن عود من الخشب يكتب به على ألواح من الطين اللزج، ثم يجري تجفيف هذه الكتابة الطينية بوضع الألواح في الشمس، وأطلق العلماء على هذه الكتابة اسم (الخط المسماري) رغم أنها كانت مكتوبة بالخشب.
بكاء القلم

وكان العرب القدامى يستعملون قلم البوص المصنوع من القصب، قبل ظهور الريشة بأزمان طويلة، وقد اهتم العرب بالقلم اهتماماً كبيراً، خاصة بعدما أقسم به الله سبحانه وتعالى في سورة القلم {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} (القلم الآية 1) وجاء ذكر أداة الكتابة في القرآن الكريم في سورة العلق أيضاً، قال تعالى {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ}.

ولهذا وضع العرب والمسلمون القلم في مرتبة القداسة، وقالوا فيه الكثير شعراً ونثراً.
قال الأصمعي: (القلم عود من العيدان ينوب عن اللسان إذا ما تباعدت الأوطان، وافترق الأحبة والخلان) أما الجاحظ فكان أكثر تفاؤلاً وظرفاً في وصفه للقلم، يقول صاحب (البيان والتبيين): (ببكاء القلم.. تبتسم الكتب)! وكان ابن العميد من كبار هواة اقتناء ريش الكتابة في عصره، ويقال إنه كان لديه ريشة مصنوعة بالهند وفيها فصوص من الالماس كانت تساوي (ضيعة) في عصره، كذلك كان الصاحب بن عباد من محبي اقتناء أدوات الكتابة، ومن مأثور أقواله على لسان الأقلام: (سبحان بادئ القلم ومُشرفه بالقسم).

أما أبو تمام فيقول هاجياً أحد الشعراء من معاصريه، كان يتكسب من هجاء الناس:
لك القلم الأعلى الذي بثباته
يصاب من الأمر الكلى والمفاصل
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه
وأرى الجنى أشتات أيدٍ عواسل
فصيح إذا استنطقته وهو راكب
وأعجم إن خاطبته وهو راجل
ومن أشهر ما قيل شعراً في الفخر بالقلم قول أبو الطيب المتنبي، ذلك البيت الشهير الذي أورده موارد الهلاك وكان سبباً في مقتله:
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم
وفي مدح القلم يقول الشاعر زهير بن أبي سلمى:
وأخرس ينطق بالمحكمات
وباطنه صامت أجوفُ
بمكة ينطق في خفيه
وبالشام منطقه يُعرفُ!

ومن الطريف أن بعض الحكام في العصور القديمة كانوا يخصصون الأقلام ويصنفونها حسب غايتها، فعندما يريد الحاكم أن يكتب لأعدائه كتاب تهديد ووعيد كان يستعمل قلماً مصنوعاً من غصن شجر الرمان، أما القلم المصنوع من خشب الورد فهو للكتابة إلى الأصدقاء والأحبة.
أما للمعاهدات والاتفاقات فكان الحكام يكتبون بقلم مصنوع من الذهب الخالص، المثبت في نهايته قطعة صغيرة من القصب يتوسطها سن رفيع من العظم.

واستمرت الريشة أداة للكتابة زمناً طويلاً حتى ابتكر البريطانيون الريشة المعدنية عام 1830، وكان ذلك في مدينة برمنجهام التي عرفت لفترة طويلة فيما بعد كمهد لأدوات الكتابة، وكان اقتصاد المدينة قائماً على صناعة الورق والأقلام بأنواعها المختلفة، حتى وصل الأمر إلى صناعته نحو 4 آلاف موديل من ريشة الكتابة في منتصف القرن التاسع عشر.

وشهدت صناعة الأقلام قفزة جديدة عندما اكتشف (الجرافيت) في مقاطعة يوركشاير البريطانية، وعرف العالم لأول مرة ما سُمي باسم (القلم الرصاص) رغم أن عنصر الرصاص لا يدخل في تركيبه على الإطلاق، وربما يكون الاسم مرتبطاً بلون الجرافيت أو الكربون المصنوع منه هذا القلم والمغلف بغلاف خشبي يتم (بريه) بآلة حادة ثم باستعمال (البراية) وهي كلمة عربية فصيحة 100% مأخوذة من قولهم (اعط القوس باريها) والطريف أن مادة القلم تدخل حالياً في صناعات بالغة التقدم ومنها صناعة الأسلحة النووية!

وكانت القفزة الحقيقية في صناعة الأقلام من نصيب البريطانيين أيضاً، عندما تم ابتكار القلم الحبر بشكله التقليدي المعروف حاليا، أي القلم الذي به خزان يملأ بالحبر السائل، وكان ذلك عام 1864 وهو العام الذي يؤرخ به للثورة في عالم الكتابة، حيث بدأت شركات كبرى تدخل مجال تصنيع الأقلام ومنها شركة (باركر) و(شيفر) و(وترمان) وغيرها من كبريات الشركات عابرة القارات.


ويقال إن العلامة والكيميائي العربي جابر بن حيان هو صاحب فكرة اختراع القلم الحبر ذي الخزان، ولكن الفكرة لم يكتب لها التحقيق في عصر ابن حيان، وكانت هناك تجارب بدائية لصناعة مثل هذا القلم في الأندلس، غير أنها باءت بالفشل لعدم دقة التصنيع حتى وضعها البريطانيون في القرن التاسع عشر موضع التنفيذ دون أن يشير أحدهم ولو مجرد إشارة إلى أنه اختراع عربي قديم.
انقلاب جاف!

وفي بداية معرفة العالم بالحبر كانت هناك، حتى عهد قريب، ما يسمى (بالنشافة) لتجفيف الحبر بعد الكتابة، غير أن تجارب أمريكية أجريت في الخمسينات من القرن الماضي توصلت إلى اختراع الحبر الذي يجف بمجرد كتابته، وفي عام 1951 ظهر في أمريكا قلم شهير باسم (باركر آيه) فكان التطور التقني الأخير في صناعة أقلام الحبر السائل التي سرعان ما تحولت بدورها إلى متحف التاريخ الحديث!

فقد ظهر القلم الأكثر انتشاراً على مر العصور، وهو قلم الحبر الجاف الذي ابتكره عالم أمريكي من أصل فرنسي وبدأت شركة (رينولدز) تصنيعه على نطاق عالمي واسع في عام 1953، فأحدث على الفور انقلاباً في صناعة أدوات الكتابة، وتفوق هذا القلم الجاف على أقلام الحبر السائل، لدرجة أنه ضرب صناعتها المزدهرة في مقتل، واحتل المرتبة الأولى في قائمة مبيعات الأدوات الكتابية، فباعت شركة (رينولدز) نحو 7 ملايين قلم جاف من موديل واحد عام 1957، وكان هذا رقماً قياسياً في مبيعات الأقلام على مستوى العالم.

عبقرية القلم

وتكمن عبقرية القلم الجاف في كونه أول أداة للكتابة لا تحتاج إلى مكونات أخرى من خارجها، فقد كان لزاماً على الكاتب في كل العصور السابقة أن يحتفظ بالقلم والحبر معاً..

ويعتمد هذا النوع من الأقلام على فكرة ميكانيكية غاية في البساطة، فرأس سن القلم عبارة عن (بلية) أو جسم كروي صغير جداً من الحديد الدوار، وفي هذا الجسم أخاديد متناهية الصغر من الممرات الدقيقة، وعندما يتحرك الرأس ينساب الحبر الجاف في سن القلم، مثل هذه الفكرة البسيطة ربحت من ورائها شركة (رينولدز) نحو 120 مليون دولار بأسعار الخمسينات من القرن العشرين.

ولكن اليابانيين استطاعوا أن يقدموا للعالم في السبعينات من القرن الماضي نوعاً مبتكراً من الأقلام، وهو القلم (الفلوماستر) الذي يعتبر التطور الأخير في صناعة الكتابة، فهو آخر ما توصل إليه العقل الإنساني في هذه الصناعة العريقة والضاربة بجذورها وكلماتها في أعماق التاريخ، وإن كان البعض في عصرنا يؤمن بأن صناعة أقلام الكتابة ستدخل (المتحف) يوماً وتصبح من مخلفات التاريخ، بعد أن أصبحت الكتابة على الكمبيوتر لا تحتاج إلى الأقلام.. ولا الأوراق