PDA

عرض كامل الموضوع : من الحداثة إلى الإجتهاد



نقــاء
25-01-2006, 08:18 PM
مفهوم الحداثة ابتكره الغرب ويعبر من خلاله عن تجربته الفكرية والتاريخية، التي هي بلا شك تعتبر من أضخم التجارب الفكرية في التاريخ الحديث والمعاصر، ويعبر كذلك عن رؤيته للتقدم والحضارة. هذا المفهوم حاول الغرب أن يحتكره لنفسه، ويربطه بتاريخه وجغرافيته، ويلحقه بمنظومته الفكرية والفلسفية. وبطريقة تصور الحداثة هي الغرب، والغرب هو الحداثة، وليست هناك حداثة خارجة عنه، لأن الغرب حسب (فوكوياما) هو نهاية التاريخ، وهو الذي يقود حضارة العصر، وما بعد الغرب هوبربرية ووحشية وتخلف، أو حسب الزعم الذي يرفضه (راينهارد) بأن الحداثة شأن غربي، والتقليد شأن شرقي. والغربيون يسجلون تاريخ الحداثة في تحولاتها ونهضاتها وخطاباتها بحيث لا تتجاوز حدود أوروبا، وكن البشرية لم تشهد حضارة وتقدماً في تاريخها إلا في الغرب. فالحداثة تبدأ من الغرب وإليه تنتهي.
والفكرة التي أود لفت النظر إليها باهتمام، هو أن مفهوم الحداثة الذي ابتكره الغرب قد عبرت عنه كل التجارب الحضارية التي مرت على التاريخ الانساني، من حيث مضمونه وجوهره، فكل تجربة حضارية ينبثق عنها مفهوم يعبر عن تلك التجربة، وإن كان يختلف في تركيبه اللغوي والبياني واللساني، عن تركيب لفظ الحداثة عند الغرب، بسبب اختلاف المنظومات الفكرية واللغوية نفسها. لأن كل حضارة في زمن صعودها وتقدمها تبتكر لها، بكفاءة عالية، منظومة من المفاهيم تكون على درجة من الفاعلية والدينامية لارتباطها الشديد بالروح العامة لتلك الحضارة في انبعاثها ونهوضها.
ولقد وجدت أن المفهوم الذي يقارب مفهوم الحداثة عند الغرب في تجربة المسلمين الحضارية هو مفهوم الاجتهاد، والذي يقارب مفهوم التقدم في التجربة الاسلامية هو مفهوم العمران. ويعد (ابن خلدون) في طليعة الذين عرفوا بمفهوم العمران، حيث قدمه كعلم له نسقه المعرفي وحقله الدلالي وتجربته التاريخية والحضارية، وأطلق عليه علم العمران البشري في كتابه المعروف بالمقدمة، واكتسب هذا المفهوم شهرة وتداولاً على نطاقات واسعة، الأمر الذي يبرهن على حقيقة قصدت التأكيد عليها، وهي ان مقدمة (ابن خلدون) التي عدت فتحاً مهماً في تكوينات العلوم الاجتماعية، وقدمت أكثر الأفكار والمفاهيم تطوراً وتقدماً في وقتها، واحتلت موقعاً مرجعياً نادراً، ما وصل إليه كتاب آخر. هذه المحاولة المتقدمة في الكشف والتحليل المعرفي والمنهجي هي التي تبلور فيها مفهوم العمران واكتسب منها نضجاً وعمقاً وتماسكاً.
أما مفهوم الاجتهاد فيمكن اعتبار أحد أهم المفاهيم الذي ابتكرته المنظومة الاسلامية، وانفردت به الحضارة الاسلامية. فقد نشأ وتطور في الإطار الزمني والتاريخي لهذه الحضارة، وترك تأثيراً مهماً في منظومة الثقافة الاسلامية، وفي تكويناتها وتشكيلاتها، وعلى حركتها ومساراتها. هذا المفهوم بحاجة إلى حفريات معرفية جديدة لاستظهار مدلولاته ومكوناته ومفاعيله، فهو من المفاهيم العميقة والمتجددة والفاعلة.
وكنت أتصور إنني أنفرد بهذا الرأي الذي سعيت إلى الإشهار به، وفتح مجال التفكير والنظر حوله، إلى أن وجدت من يتبنى مثل هذا الرأي، وهو الدكتور (حسن حنفي)، إذ يرى أن (الاسلام عن طريق الاجتهاد هو أكبر دين حداثي، لأنه يعطي الفرع شرعية الأصل، ويعترف بالزمان والمكان وبالتطور، وإن إجماع كل عصر غير ملزم للعصر القادم.. لدينا الاجتهاد وهو اللفظ الذي أفضله، ولا أفصل لفظ الحداثة، فحداثتي من الداخل).
الاجتهاد مبدأ الحركة في الاسلام
لقد أطلق الدكتور (محمد إقبال) مقولة في كتابه الشهير (تجديد التفكير الديني في الاسلام) الصادر سنة 1929م، اعتبر فيه أن الاجتها
هو مبدأ الحركة في الاسلام. هه المقولة توقف عندها العديد من الباحثين والمفكرين، والذين رجعوا إليها وجدوا فيها مضموناً ودلالات مهمة، فالمستشرق البريطاني المعروف في حقل الاسلاميات (هاملتون جيب) يرى في كتابه (6عوة تجديد الاسلام) إن إغلاق باب الاجتهاد وضع حداً فعالاً لمبدأ الحركة في الاسلام.
أما محاولة (محمد أركون) في كتابه (من الاجتهاد إلى نقد العقل الاسلامي) فهي تندرج في سياق نقده الحاد والصارم للفكر الديني والتراث الفكري الاسلامي بالطريقة السجالية المعهودة في الغرب. فأركون غالباً ما يصور حله وكأنه في نزاع وصدام مع الفقهاء والعلماء الدينيين، الذين يشتغل على تراثهم ومقولاتهم واجتهاداتهم، ولعله يريد أن يتمثل دور المثقف الأوروبي في نزاعه مع سلطة رجال الكنيسة الدينيين في كسب الشرعية لصالحه، هكذا في الدفاع عن العلمانية التي يريد أن يبحث لها عن مخرج تتوافق فيه مع الدين، فحين يريد تفسير لماذا لم يشهد الوعي الجماعي الاسلامي المعاصر تلك القطيعة النفسية والثقافية بالدرجة نفسها التي شهدها الغرب المعلن منذ القرن التاسع عشر على الأقل، فإنه لا يريد أن يعزو هذا الاختلاف إلى مقدرة الاسلام على مقاومة حركة العلمنة بفعالية أكثر من المسيحية، لذلك فهو يدعو إلى تصفية ما يصفه بالمواقع التبجيلية والافتخارية التي تزعم أن الاسلام قادر على مقاومة العلمنة بفضل تعاليه الإلهي وحده. ويعلن (أركون) عن هذه السجالية في أول ما يفتتح به كتابه إذ يرى (أن مسألة الاجتهاد معتبرة داخل تراث الفكر الاسلامي بصفتها امتيازاً يحتكره الفقهاء) لذلك فهو يدعو إلى تجاوز المفهوم التقليدي للاجتهاد والممارسة العقلية المحدودة والمرتبطة به، وذلك عن طريق النقد الحديث للعقل. لأنه كما يضيف، لم يعد ممكناً للفكر الاسلامي أن ينغلق على نفسه وينعزل داخل إطار العقل الأصولي والاطلاقي الذي يلم يتح له أن يشهد حتى أصولية النقد الكانتي وإطلاقية الديالكتيك الهيغلي.
مع ذلك لم يكن العنوان الذي اختاره (أركون) لكتابه بتلك الدقة، حيث يوحي بتجاوز مفهوم الاجتهاد إلى اللا مفهوم أو ما قبل المفهوم، لأن عبارة (نقد العقل الاسلامي) لا تعبر عن مفهوم محدد ومنضبط، بقدر ما تعبر عن وصف للعملية الفكرية التي يفترض أن ينبثق عنها مفهوماً. وبعبارة أخرى فإنها تعني ممارسة النقد الذي يفترض أن يولد مفهوماً، لكن ما هو هذا المفهوم؟ فهذا الذي لم يتضح أو يتحدد.
لذلك فنحن نتمسك بمقولة (إقبال) ونجد أنها تعبر عن جوهر وروح الحداثة، ونتحفظ من جهة أخرى على مقولة (أركون) لغربتها ومغالاتها.
الاجتهاد، دلالات ومكونات
الاجتهاد إذن هو المفهوم الذي ينتسب إلى الحضارة الاسلامية، ويقارب مفهوم الحداثة الذي ينتسب إلى الحضارة الغربية. وهو بحاجة إلى إعادة اعتبار وإحياء جديد لينهض بوظيفته النقدية والتأصيلية والتجديدية. ومن مكونات هذا المفهوم ودلالاته وعناصره:
أولاً: إعطاء العقل أقصى درجات الفاعلية باستفراغ الوسع وبذل أرفع مستويات الجهد الفكري والعلمي والبحثي في مجال دراسة الأفكار والمفاهيم والنظريات والأحكام، وبالشكل الذي من المفترض أن يحقق قدراً من الاكتشاف والابتكار والتجديد. وهذا ما يدل عليه أو ما نستيده من المعنى اللغوي والاصطلاحي لكلمة الاجتهاد. فالاجتهاد لا يصدق دلالة ومضموناً إلا بعد استكمال شرائط البحث وأعمال النظر بالطرائق والأدوات المنهجية بما يوفر الإحاطة التامة قدر الإمكان، وبما يوفر الاطمئنان النفسي والعلمي والمنهجي.
والحداثة إنما بدأت في الغرب من مقولة الانتصار للعقل وإعلاء شأنه والتمحور حوله، وعلى أساس القطيعة مع الدين أو الوحي أو الغيب أو الميتافيزيقا كما يصطلحون، وحسب رأي (آلان تورين) كان المفهوم الغربي الأشد وقعاً والأكثر تأثيراً للحداثة، قد أكد بصفة خاصة على أن التحديث يفرض تحطيم العلاقات الاجتماعية والمشاعر والعادات والاعتقادات المسماة بالتقليدية، وإن فاعل التحديث ليس فئة أو طبقة اجتماعية معينة وإنما هو العقل نفسه، والضرورة التاريخية التي مهدت لانتصاره.. وترتبط فكرة الحداثة إذن ارتباطا وثيقاً بالعقلية والتخلي عن إحداهما يعني رفض الأخرى.
من هنا يتحدد الفارق الجوهري بين العقلانية الغربية التي نهضت وانتصرت لنفسها بإقضاء الدين وكل ما يرتبط بالغيب، وبين العقلانية الاسلامية التي أسست العلاقة التواصلية والتكاملية بين الدين والعقل، ومن أكثر المقولات دلالة على ذلك هي تلك التي تبلورت وتحددت في أصول الفقه الذي هو منظومة الاجتهاد، مثل مقولة ما حكم به العقل حكم به الشرع، واعتبار الشرع سيد العقلاء، إلى غير ذلك من مقولات.
ثانياً: التحريض المستمر والدؤوب على البحث العلمي والمعرفي، فالاجتهاد هو دعوة نحو مضاعفة الجهد العلمي بلا انقطاع أو توقف وإنما بتواصل وتراكم. وهو صياغة ذهنية يتولد منها فعل الاجتهاد صورة مستدامة لا تتهاون في تحصيل العلم والمعرفة والتقدم ما هو إلا حصيلة تراكمات العلم واستخداماته في مجالات الحياة المختلفة.
والحداثة التي ربطت العلم بالتقدم، هذا الربط نتوصل إليه من خلال مفهوم الاجتهاد الذي هو انتصار للعلم بما يحقق التمدن والعمران الانساني من غير تصادم أو تعارض مع القيم والأخلاق. وقد جسد علماء المسلمين هذا النشاط الدؤوب في تعاملهم مع العلم والبحث العلمي في التعليم والتحصيل وفي الكتابة والتأليف وفي البحث والتحقيق، في ظل ظروف شاقة وصعبة تحملوا فيها التعب والسهر والمرض والفقر والسفر، لقد أخلصوا للعلم ونذروا أنفسهم له وانقطعوا إليه فكانوا قدوة في العلم.
ثالثاً: مقاومة عناصر الجمود والتفكير السطحي والنظر القشري والإعوجاج والشلل الفكري. فهذه الحالات هي من أشد ما يناقض ويعارض مفهوم الاجتهاد. وما ظهرت هذه الحالات وتفشت إلا في زمن التراجع الحضاري الذي أصاب حركة الاجتهاد بالجمود والانغلاق والتوقف لحد ما.
من جهة أخرى إن الاجتهاد يفترض تعاملاً مع النص يتصف بشدة الفحص وتعمق النظر وبصورة دائمة ومستمرة، مما يعجل النص مفتوحاً للمعنى في كل زمان ومكان وحال، بشكل يتعارض مع احتكار الفهم على طبقة أو جيل من الناس، أو أن يتحدد الفهم في زمان أو مكان ما، فليس في الاسلام كهنوتية أو ارثذوكسية تفرض فهماً أو معرفة جامدة أو نمطية أو أحادية الاتجاه. وحسب التشريعات الفقهية والعلمية في الفكر الاسلامي الشيعي أن المجتهد لا يجوز له أن يكون مقلداً لمجتهد آخر وإلا سلبت منه صفة الاجتهاد، بل يتوجب عليه أن يكون صاحب قدرة على الاكتشاف والابتكار.
رابعاً: مواكبة تجددات الحياة ومتغيرات العصر وتحولات الزمن ومقتضيات التقدم وشرائط المستقبل. فالاجتهاد مجالاته القضايا والموضوعات الجديدة والمعاصرة. وفي نظر بعض الفقهاء المعاصرين لا معنى للاجتهاد بالانشغال بالقضايا والموضوعات التي ترتبط بالماضي وقد أشبعها السلف بحثاً ونظراً أو استقر عليها رأي السلف. ينقل الشيخ (مرتضى مهري) كلاماً للسيد )محمد باقر حجة الاسلام) يصفه بالجيد، إذ يعتبر أن الاجتهاد الواقعي هو انه لو عرضت مسألة جديدة على شخص لم تكن له سابقة ذهنية عنها، ولم تطرح في أي كتاب لاستطاع أن يطبق عليها الأصول بشكل صحيح ويستنتج على ضوء ذلك. أما إذا تعلم الطرائق كلها من كتاب (جواهر الكلام) ثم أخ5 يردد: أنا أعلم أن صاحب الجواهر يرى كذا في هذه المسألة، وأنا أوافقه على رأيه، فإن هذا ليس اجتهاداً فالاجتهاد ابتكار، بحيث يرجع الانسان بنفسه الفرع إلى الأصل، وهذا هو المجتهد الواقعي في كل علم.. سواء كان في الأدب أم الفلسفة أم المنطق والفقه والأصول وحتى الفيزياء والرياضيات.
ويتفق مع هذه الرؤية للاجتهاد ما تحدد في الفقه الاسلامي الشيعي من أحكام وتشريعات، مثل عدم جواز تقليد الميت ابتداء، على رأي المشهور، وشرطية جواز البقاء على تقليد الميت برخصة من مجتهد حي، وإذا عدل عن المجتهد الميت إلى الحي لا يجوز له الرجوع بعد ذلك إلى الميت. ذلك لأن الاجتهاد هو منهج الاسلام العلمي في تطبيق الشريعة على واقع الحياة، وتنزيل الثوابت على المتغيرات، وربط المتغيرات بالثوابت، وتطبيق الأصول على الفروع، وإرجاع الفروع إلى الأصول في علاقة منهجية منضبطة ومتوازنة من جهة المنهج، وفي علاقة دائمة ومتحركة من جهة الواقع. والمقولة التي اشتهرت في الأدبيات الاسلامية المعاصرة، بأن الشريعة الاسلامية صالحة لكل زمان ومكان، هذه المقولة الصادقة والبالغة الأهمية هي التي جاء الاجتهاد كمنهج علمي لتحقيقها. كما إنها المقولة التي تدافع عن فكرة المعاصرة في الفكر الاسلامي. المعاصرة التي تعني أن الشريعة لها من القدرة المعرفية والمنهجية ما يؤهلها لأن تطبق في كل عصر بحسب شروطه ومقتضياته، ووفق منهج الاجتهاد الذي يحمي الشريعة من أن تصاب بالجمود والتوقف.
لا شك أن هذه الدلالات تعطي قيمة متعاظمة لمفهوم الاجتهاد، تؤكد الحاجة إليه في هذا العصر، فالاجتهاد هو ثورة في التفكير ودعوة للتقدم.
وأخيراً لست بصدد خلق ثنائية جديدة إلى جانب الثنائيات القلقة والسجالية في الخطابات العربية والاسلامية المعاصرة، وهي ثنائية الحداثة والاجتهاد، وإنما قصدت إعادة الاعتبار لمفهوم لا يقل قيمة وفاعلية عن مفهوم الحداثة. ووجه العلاقة المفترضة بينهما في اتجاهها العام، هو النظر إلى الحداثة باعتبارها تمثل تجربة الغرب في التقدم والتمدن، والاجتهاد يمثل منهج للنظر للتجربة الاسلامية في التقدم والتمدن.


المصدر: رسالة التقريب / 34 و 35 / خريف 1423

كرزه
30-01-2006, 11:36 PM
شكرا ع الموضوع <<<<<<< عجبني








مع تحيات كرزه

نقــاء
31-01-2006, 04:24 PM
منوره أختي كرزه

والموضوع يستحق الاعجاب والقراءه المتمعنه بالفعل