PDA

عرض كامل الموضوع : إنني لا أزور الموتى لـمشعل السديري



مقالات اليوم
20-01-2015, 06:15 AM
إنني لا أزور الموتى


http://www.aawsat.com/01common/teamimages/339-alsudairy.gif
بقلم مشعل السديري




هل جرب أحدكم الموت غرقا؟!
أنا شخصيا لم أجربه بعد، وأظن – والله أعلم – أن ميتة الغرق هي أسوأ ميتة-، ولا ينافسها في ذلك السوء، غير ميتة العشق غراما – خصوصا إذا كانت من تهواها هي امرأة (مفلطحة) وأسنانها تشبه أسنان الممثل (إسماعيل يس) – المهم أن صديقا طيارا سعوديا، كان قاب قوسين أو أدنى من الموت غرقا لا عشقا، وقد حكى لي عن تجربته (الرومنتيكية) تلك.
عندما قال لي: كنت مدمنا على هواية صيد السمك، وقدر لي يوما أن أذهب وحيدا في أحد القوارب، وعندما كنت في عرض البحر، أوقفت القارب ورميت (صنارتي) وأخذت اصطاد بما قدرني الله عليه، وما إن شارفت الشمس على المغيب حتى قررت الرجوع، خصوصا وقد امتلأت ثلاجتي بالأسماك، فما كان مني إلا أن أشغل المحرك دون أن أفطن أن عياره كان موضوعا على السرعة القصوى، (فنتع) نتعة قوية جعلتني أنقذف على ظهري في الماء، ونظرت مذهولا للقارب وهو يبتعد عني، ويبدو أن (الدركسون) كان ملفوفا، لأن القارب دار دورة واسعة واتجه نحوي، ورغبة مني بالتشبث بالحياة، حاولت الإمساك والصعود عليه وهو بهذه السرعة الهائلة، ففشلت محاولتي ولم أحصل منها إلا على قطع غائر في فخذي جعل الدماء تغطي كل جسدي، ولا يمكن أن أنسى منظر القارب وهو يتجه غربا نحو السودان إلى أن غاب في الأفق عن عيني وعرفت ساعتها أنني وقعت في ورطة ما بعدها من ورطة، وتذكرت مقولة (طارق بن زياد) وحورتها قائلا لنفسي: البحر وراءك (يا بن الناس) والحياة أمامك. أطبق الليل المظلم علي، وكنت أشاهد في الأفق أنوار جدة التي تبعد عني ما لا يقل عن عشرة كيلو مترات، وكلما تعبت ويئست وقررت الاستسلام تذكرت ملامح زوجتي وبنتي التي لا يزيد عمرها على سنة ونصف، وأخذت أسبح وأتخبط كالمعتوه، ولا أدري كم من الوقت مر علي وأنا في هذه الحالة المزرية، والغريب أنه رغم نزف دمائي الغريزة لم يصادفني أي قرش مفترس وهذا هو ما كنت أخشاه، ومن حسن حظي أن هناك صيادين كانوا راجعين لتوهم وشاهدوني في هذا الليل البهيم، وعندما اقتربوا مني وسمعت أصواتهم ظننت أنني (أخذرف) وأحلم، وبعدها أغمي علي، وقالوا لي هم فيما بعد: إننا ظنناك في البداية جنيا، وكدنا أن نهرب ونبتعد عنك، ولكن أحدنا حلف وأقسم بالله أنك إنسي، وهذا هو ما شجعنا على إنقاذك.
المهم لا أريد أن أطيل عليكم، فقد قدر له، مع الأسف، أن يعيش، ولم يمت بعد لا في الجو ولا في البحر، ومكث ثلاثة أسابيع في العناية المركزة، ولم أزره إلا بعد ما تأكدت أنه لا زال (يرعص) وعلى قيد الحياة، فأنا بطبيعتي لا أزور الموتى، أو حتى من كان منهم على مشارف الموت، أنا يا سادتي لا أزور إلا الأصحاء، وتحديدا الصحيحات جسديا وعاطفيا – (ومش مهم) عقليا –.

رابط مختصر :