PDA

عرض كامل الموضوع : الهزيمة التاريخية لـعبده خال



مقالات اليوم
19-02-2015, 06:15 AM
الهزيمة التاريخية


http://www.okaz.com.sa/new/myfiles/authors/abdo_khal.jpg
بقلم عبده خال




دائما أقول إن المرأة تحارب التاريخ، وبسبب هذه الحروب الدائمة والمتكررة تقف المجتمعات لاهثة، كونها تتجزأ أثناء مسيرتها وسياط التجزئة يجعلها مشتتة التركيز باحثة عن الفرقة وإن لم تقصد. وما نشهده من تجزئة طائفية ومذهبية وعرقية ما هو إلا شذرات من نتائج تلك التجزئة الأولى.. ولهذا تنشأ التحزبات كصورة لخلق التباين المجتمعي، ومع أول فرقة حدثت بين عنصري الحياة (الذكر والأنثى) نشأ التميز واكتساب أحقية اتخاذ القرار، وعلى سبيل المثال، فإن الحركة النسائية في العالم نشأت من وقت مبكر ضد الهيمنة الذكورية، وهو انتقام لسلطويتها حينما (حكمت) وعلى ذمة الباحث الكبير فراس السواح أن سبب عودة المرأة إلى المنزل وعدم مشاركتها في الحياة العامة يعود إلى فترة متقدمة تاريخيا، حينما صوت البرلمان اليوناني على تسمية مدينة يونانية. وفي ذلك البرلمان، كان الرجال يردون اسما (مطابقا لاسم نهر يمر بالقرب من المدينة)، وكانت النساء يردن اسم (اثنا)، ولكون غالبية البرلمان من النساء، سميت المدينة بـ(اثنا).. وفي فترة زمنية لاحقة انقلب الرجال على سلطة المرأة وأصدروا (فرمانا) يتكون من أربعة بنود هي: أن تلزم المرأة بيتها ولا تغادره، وأن لا تشارك في الحياة العامة، ولا يحق لها التصويت، وتمنع من الحكم.. وظلت هذه البنود سارية عبر التاريخ.. وفي كل رقعة من العالم سادت تلك البنود، ومع مرور الأيام تحللت وفق نمو المجتمع، أي أن الأمر ليس له علاقة بالدين، وإنما له علاقة بالسياسة وحكم المنتصر، ولأن الرجل انتصر في تلك الفترة، فقد اكتسب السلطة وأحقية تسيير الحياة (هذا ما تقوله المثولوجيا). وفي بلادنا تنهض المؤتمرات والفعاليات النسوية باحثة لها عن دور اجتماعي، وهو البحث الذي يشبه الدوران داخل متاهة علي بابا، أي أن الباب الذي يدخلونه يعودون إليه ويعبرونه مرات ومرات. وحينما أقرأ عن فعاليات أي ملتقى للسيدات السعوديات أجد تكرار أهداف بعينها يتم التأكيد عليها؛ كتعزيز ونشر ثقافة الإنجاز في المجتمع النسائي السعودي لتمكين المرأة من المشاركة بفعالية في خطة التنمية الوطنية.. وهذا ما يذكرني دائما بالصراع البرلماني اليوناني الذي أورد نصوصه فراس السواح، والتي تحورت فيها بنود (الانتصار الذكوري) إلى ثقافة اجتماعية تطبق بنود انتصار الرجال على سلطة المرأة. وكل المؤتمرات المؤيدة للمرأة في استرداد حقوقها هي لعبة اجتماعية تكتسب من وسائل مختلفة، مرة كقرار سياسي (بسبب الاحتياج)، ومرة بالمطالبة، ومرة بالحجة. وقد مرت بلادنا بمثل هذا، فقرار تعليم المرأة جاء بقرار سياسي، ومزاولتها للطب جاء بسبب الاحتياج، ومزاولتها للكتابة جاء من باب الحجة. لكن التصلب الاجتماعي يختلف من جهة إلى أخرى، ويعود ذلك إلى ثقافة وخبرة أي مجتمع تدور به تلك الحروب النسوية المطالبة بحقوقها.. وغالبا ما يكون القرار السياسي داعما لمناشط المرأة في المجتمعات الأقل خبرة، كون السياسي بحاجة ماسة لإحداث حركة تنموية حقيقية تقوم على جميع أفراد المجتمع.وأكاد أجزم أن فرقة المجتمع التي بدأت بالتميز ما بين الذكر والأنثى هي التي أودت بالمجتمعات النامية إلى التقهقر، كونها ظلت تسير عرجاء ولم تحسم أمر عودة اللحمة بين طرفي الحياة والاتفاق على السير جنبا إلى جنب.
رابط مختصر :