نقــاء
04-05-2006, 04:14 PM
قررتُ اليومَ أن أذهبَ للمكتبة العمومية كي أدرسَ وأجهز نفسي ورأسي لكَم المعلومات الهائل قبلَ أن تدُق الإمتحاناتُ أجراسها في الجامعة....
ذهبتُ إلى المكتبة ولكن إحساساً بالملل كانَ يمنعُني من التركيز على الأوراق التي كانت مُلقاةً أمامي على الطاولة والتي كانتْ تنتظرُ من عيني أن تمُر عليها لتقرأَها....
آآه كم مللتُ هذه الدراسةَ وروتينهاَ المُضني....
...
قررتُ أن أتُركَ تلكَ الأوراقَ وأنتقلَ إلى رفوف المكتبة حيثُ الكُتبُ والمراجعُ تصطف هناك...
أُقلب أوراقَ كتاب وأقرأُ بعضَ مقتطفات من ذاك... حتى وقعَت عيني على كتاب لميخائيل نعيمة عنوانه " في الغربال الجديد" ....
فتَحتُهُ كما فتَحتُ أي كتاب آخرَ وقعَ بينَ يدَي... ثم بدأتُ أقرأُ أولىَ الأسطُر التي وردتْ فيه....
أعجبني الأسلوب المُتبع... كمَا أن ميخائيل نعيمة مشهورٌ بتمكنه البارع والفريد من القلم ...
لم أقرأ الكثيرَ منه وذلكَ لضيق الوقت ولكن أكثرُ فصول الكتاب لفتًا للإنتباه بالنسبة لي هو ثانيها ,والذي تحدثَ فيه عن فردريك نيتشه عظيمُ الفلاسفة أو ما يُسمى ب"خالق السوبرمان" ....
درستُ مادةَ الفلسفة قبلَ سنتين عندما كنتُ تلميذةً في الباكالوريا .... لم أكُن متمكنةً جدا من هذه المادة مع حبي واحترامي الشديدين لها , لقدْ أحسستُ أن رأسي الذي كانَ صغيراً حينها لم يكُن قادرًا على أن يفهمَ بشكل جيد وجلي كبارَ الفلاسفة وفلسفاتهم التي درستُ عنهم وعنها حينها ,أمثالَ بول ريكور (وهو الفيلسوف الذي يعشقه أستاذي حتى الجنون) وأمثالَ فلاسفة الرجة : سيقموند فرويد وماركس ونيتشه.
كنتُ أحضرُ حصصَ الفلسفة فقط لأستمتعَ بفلسفة هؤلاء ولأكتشفَ ولو نسبياً سبباً واحدًا يعطي لوجودي معنًى وأهمية...
ولكني أمثالَ زملائي في تلكَ السنة لم نعشق فيلسوفاً أكثرَ من عشقنا لنيتشه الذي أعجبتنا أفكارهُ التي ناهضَ من أجلها ودافعَ عنها وسط كوكبة من الناقدينَ والمعارضين الذينَ لعنوا فلسفتهُ وقاوموها بالقلم واللسان إلى آخر رمق في حياة نيتشه,إلى أن ماتَ هذا الفيلسوف بعدَ صراع مرير مع المرض و"الجنون" . المؤكد أنه بموته استكانتْ لعناتُ أولئكَ المعارضين ...أولئكَ "العقلانيين" الذينَ لم يولوا السوبرمان الذي خلقهُ نيتشه أيةَ أهمية ...
كانت سنةً "نيتشويةً" بجدارة ....
ولكني بعدَ ذلك, لم أختَرْ الفلسفةَ كشُعبة دراسية لأدرسها وأتخصص بهاَ في الجامعة.فضلتُ لو حُبي لهاَ يكونُ من "بعيد لبعيد" ... فأحيانًا كثيرةً نكرهُ الأشياءَ الجميلةَ كلما اقتربنا منها وعرفنا أسرارها الخفية.
أردتُ أن يكونَ عشقي للفلسفة عشقًا جاهلاً بدلَ أن يتحولَ إلى كُره عن معرفة.
....
أخذَني كتابُ ميخائيل نعيمة إلى عالم آخرَ ليسَ ببعيد ولاَ هوَ بقريب ... بل ربما هوَ بعيدٌ كآخر مجرة في الكون وقريب كأول نَفَس صدَرَ مني....
لمْ أعلمْ لمَ تذكرتُ طفولتي حينها , بل لأكونَ صادقةً أكثرْ فإن طفولتي لمْ تغبْ عنْ ذهني دقيقةً واحدة... ولكنها في تلكَ اللحظة اهتاجت في داخلي كهيجان العاصفة حتى كادت تقتلعُ أقدامي من ذلكَ الجماد لتجعلها تجري نحوَ مكان آخر ... نحوَ درب آخرَ سلكَتهُ قبلَ سنوات...
جمعتُ كُتُبي وأغراضي وغادرتُ المكتبةَ لأتوجهَ رأسًا إلى مكان كانَ يُسمى سابقًا بمدينة الألعاب ... ولكنهُ الآنَ صارَ مجردَ حُطام لا أكثر....
كل تلكَ الألعاب التي أمضيتُ طفولتي وأنا أصادقها,صارتْ مُجردَ بقاياَ من البلاستيك المُقوى ينفخُ فيها الريحُ أصداءَ جنونه.... فتتهادىَ لعبةٌ ضخمةُ الحجم في الظاهر ولكن أعجَزهاَ الزمانُ فأرْداهاَ مُجردَ جسم مقسوم إلى شطرين وذو لون شاحب قذر....
لُعبةٌ شهدتُ يومَ أقاموها على ذلكَ المكان ويومَ ثبتوها في التراب ... وثبتوا معهاَ ذكريات طفولة جامحة تصرخُ وتضحك وتقهقه....
ولكنها لما تهادتْ وسقطت على الأرض سقطت معها كل تلك القهقهات... لتصبحَ صدًى حملتهُ الرياحُ بعيدًا حيثُ الجبال والسحاب... حيثُ الجنةُ تنتظرُ في العالم الآخر....
...
تجولتُ في مدينة الألعاب "سابقا" ,مقبرةُ الطفولة "اليوم" ... تنقلتُ بناظري في كل رُكن ناء ... في كل لعبة محطمة... في كل ثقب من ثقوب السياج المُهدم....
ثم تنهدتُ....
وخرجتُ... بــاكية..
كانت تلكَ مُجردَ ورقة صدئة ... ستحتفظُ بها ذاكرتي "الراشدة" إلى الأبد...
ذهبتُ إلى المكتبة ولكن إحساساً بالملل كانَ يمنعُني من التركيز على الأوراق التي كانت مُلقاةً أمامي على الطاولة والتي كانتْ تنتظرُ من عيني أن تمُر عليها لتقرأَها....
آآه كم مللتُ هذه الدراسةَ وروتينهاَ المُضني....
...
قررتُ أن أتُركَ تلكَ الأوراقَ وأنتقلَ إلى رفوف المكتبة حيثُ الكُتبُ والمراجعُ تصطف هناك...
أُقلب أوراقَ كتاب وأقرأُ بعضَ مقتطفات من ذاك... حتى وقعَت عيني على كتاب لميخائيل نعيمة عنوانه " في الغربال الجديد" ....
فتَحتُهُ كما فتَحتُ أي كتاب آخرَ وقعَ بينَ يدَي... ثم بدأتُ أقرأُ أولىَ الأسطُر التي وردتْ فيه....
أعجبني الأسلوب المُتبع... كمَا أن ميخائيل نعيمة مشهورٌ بتمكنه البارع والفريد من القلم ...
لم أقرأ الكثيرَ منه وذلكَ لضيق الوقت ولكن أكثرُ فصول الكتاب لفتًا للإنتباه بالنسبة لي هو ثانيها ,والذي تحدثَ فيه عن فردريك نيتشه عظيمُ الفلاسفة أو ما يُسمى ب"خالق السوبرمان" ....
درستُ مادةَ الفلسفة قبلَ سنتين عندما كنتُ تلميذةً في الباكالوريا .... لم أكُن متمكنةً جدا من هذه المادة مع حبي واحترامي الشديدين لها , لقدْ أحسستُ أن رأسي الذي كانَ صغيراً حينها لم يكُن قادرًا على أن يفهمَ بشكل جيد وجلي كبارَ الفلاسفة وفلسفاتهم التي درستُ عنهم وعنها حينها ,أمثالَ بول ريكور (وهو الفيلسوف الذي يعشقه أستاذي حتى الجنون) وأمثالَ فلاسفة الرجة : سيقموند فرويد وماركس ونيتشه.
كنتُ أحضرُ حصصَ الفلسفة فقط لأستمتعَ بفلسفة هؤلاء ولأكتشفَ ولو نسبياً سبباً واحدًا يعطي لوجودي معنًى وأهمية...
ولكني أمثالَ زملائي في تلكَ السنة لم نعشق فيلسوفاً أكثرَ من عشقنا لنيتشه الذي أعجبتنا أفكارهُ التي ناهضَ من أجلها ودافعَ عنها وسط كوكبة من الناقدينَ والمعارضين الذينَ لعنوا فلسفتهُ وقاوموها بالقلم واللسان إلى آخر رمق في حياة نيتشه,إلى أن ماتَ هذا الفيلسوف بعدَ صراع مرير مع المرض و"الجنون" . المؤكد أنه بموته استكانتْ لعناتُ أولئكَ المعارضين ...أولئكَ "العقلانيين" الذينَ لم يولوا السوبرمان الذي خلقهُ نيتشه أيةَ أهمية ...
كانت سنةً "نيتشويةً" بجدارة ....
ولكني بعدَ ذلك, لم أختَرْ الفلسفةَ كشُعبة دراسية لأدرسها وأتخصص بهاَ في الجامعة.فضلتُ لو حُبي لهاَ يكونُ من "بعيد لبعيد" ... فأحيانًا كثيرةً نكرهُ الأشياءَ الجميلةَ كلما اقتربنا منها وعرفنا أسرارها الخفية.
أردتُ أن يكونَ عشقي للفلسفة عشقًا جاهلاً بدلَ أن يتحولَ إلى كُره عن معرفة.
....
أخذَني كتابُ ميخائيل نعيمة إلى عالم آخرَ ليسَ ببعيد ولاَ هوَ بقريب ... بل ربما هوَ بعيدٌ كآخر مجرة في الكون وقريب كأول نَفَس صدَرَ مني....
لمْ أعلمْ لمَ تذكرتُ طفولتي حينها , بل لأكونَ صادقةً أكثرْ فإن طفولتي لمْ تغبْ عنْ ذهني دقيقةً واحدة... ولكنها في تلكَ اللحظة اهتاجت في داخلي كهيجان العاصفة حتى كادت تقتلعُ أقدامي من ذلكَ الجماد لتجعلها تجري نحوَ مكان آخر ... نحوَ درب آخرَ سلكَتهُ قبلَ سنوات...
جمعتُ كُتُبي وأغراضي وغادرتُ المكتبةَ لأتوجهَ رأسًا إلى مكان كانَ يُسمى سابقًا بمدينة الألعاب ... ولكنهُ الآنَ صارَ مجردَ حُطام لا أكثر....
كل تلكَ الألعاب التي أمضيتُ طفولتي وأنا أصادقها,صارتْ مُجردَ بقاياَ من البلاستيك المُقوى ينفخُ فيها الريحُ أصداءَ جنونه.... فتتهادىَ لعبةٌ ضخمةُ الحجم في الظاهر ولكن أعجَزهاَ الزمانُ فأرْداهاَ مُجردَ جسم مقسوم إلى شطرين وذو لون شاحب قذر....
لُعبةٌ شهدتُ يومَ أقاموها على ذلكَ المكان ويومَ ثبتوها في التراب ... وثبتوا معهاَ ذكريات طفولة جامحة تصرخُ وتضحك وتقهقه....
ولكنها لما تهادتْ وسقطت على الأرض سقطت معها كل تلك القهقهات... لتصبحَ صدًى حملتهُ الرياحُ بعيدًا حيثُ الجبال والسحاب... حيثُ الجنةُ تنتظرُ في العالم الآخر....
...
تجولتُ في مدينة الألعاب "سابقا" ,مقبرةُ الطفولة "اليوم" ... تنقلتُ بناظري في كل رُكن ناء ... في كل لعبة محطمة... في كل ثقب من ثقوب السياج المُهدم....
ثم تنهدتُ....
وخرجتُ... بــاكية..
كانت تلكَ مُجردَ ورقة صدئة ... ستحتفظُ بها ذاكرتي "الراشدة" إلى الأبد...