PDA

عرض كامل الموضوع : اليهود والهويه الضائعه



الشاغول
01-06-2006, 02:20 PM
قنبلة أشهر أديب إسرائيلي تواصل الانفجار


القدس: أسامة العيسة

لم يكن أي شيء في قاعة مكتبة الكونغرس، يوم الأول من مايو (أيار) الجاري، يوحي بأن انفجارا مزلزلا سيحدث. فالأجواء احتفالية، واللجنة اليهودية ـ الأميركية، حشدت رموزا يهودية من مختلف أنحاء العالم، لحضور ندوة، ضمن فعالية تستمر أياما، بمناسبة مرور قرن بالتمام والكمال على إنشائها، وهو ما يعتبر فخرا كبيرا لها ولدورها في دعم إسرائيل واليهود.

لم يخطر بالبال، ان دعوة الأديب الإسرائيلي الشهير أ.ب. يهوشواع ليحاضر في الندوة، ستتحول من مثار اعتزاز المنظمين إلى سخطهم، وذلك بعد أن القى الأديب الإسرائيلي الذي يحظى بشهرة عالمية، بقنبلته محركا البرك الراكدة التي تتعلق بتعريف الهوية اليهودية وعلاقتها بإسرائيل. وهي قضايا شائكة، مرتبطة بما كان سماه مفكر إسرائيلي بوطأة 3 آلاف عام من تاريخ اليهودية.

عندما جاء دور يهوشواع، ليتحدث عن «مستقبل الشعب اليهودي» قال إن هذا المستقبل، يعتمد على «الهوية الإسرائيلية» وحدها، وليس على اليهودية بشكل عام، وان «الهوية الإسرائيلية» تفوق في اهميتها كثيرا أية هوية يهودية أخرى، وأن أية «يهودية حقيقية لا تتشكل إلا في ارض إسرائيل»، مشددا على أن اللغة والأرض هما اللتان تخلقان الهوية.

ووسط غضب الجمهور قال يهوشواع «هوية المرء مزيج من الأرض والبيئة التي يعيش فيها اليهودي الإسرائيلي، وهذه تختلف مثلا عن هوية اليهودي الفرنسي، أو اليهودي الأميركي». وأضاف «كل يهودي له علاقة بهوية الإقليم الذي يعيش فيه».

لا يقدر مدى التأثير الذي أثارته القنبلة التي قذف بها يهوشواع في وجه المحتفلين في مكتبة الكونغرس، إلا من يعرف مدى حساسية التعريفات في منظومة إسرائيلية ـ يهودية ـ صهيونية معقدة وشائكة.

وفي رد أولي وسريع، هاج الجمهور واغتاظ حسب التعبير الذي استخدمته صحيفة «يديعوت احرنوت» في تقرير لمراسلها من واشنطن.

ورفض ليون ويسلتييه، وهو محرر أدبي، آراء يهوشواع، قائلا إن مفهوم الأخير للهوية اليهودية، ضيق، ومقصور على إسرائيل، في حين أن مفهوم اليهودية، موجود قبل وقت طويل من وجود إسرائيل. وقال المحرر «هناك الديانة اليهودية والثقافة اليهودية والعبرية، والأدب والنصوص التي شكلتنا طوال 3 آلاف سنة».

وهاجمت شخصيات من الحضور آراء يهوشواع، وأشار الناشط تيد كوبل إلى ما سماها «إسهامات كبيرة لا يمكن إغفالها ليهود الشتات أدت إلى استمرارية اليهود كشعب». وقال آخر «ثمة أمر خاص جدا وشامل ويمكن تميزه بسهولة يجمع بين جميع اليهود.. انه شيء نشارك فيه جميعا».

وانتقد ديفيد هاريس، المدير التنفيذي للجنة اليهودية ـ الأميركية أقوال يهوشواع، قائلا بخطأ الرأي الذي يرى مشاركة يهود الشتات في مستقبل الشعب اليهودي، مسألة هامشية. وقال أيضاً إن يهوشواع يعبر عن موقف صهيوني كلاسيكي، يرى في الشتات مسألة سلبية، وهذا مهين ليهود الشتات وهم يرون يهوشواع يلغي دورهم في تشكيل مستقبل شعبهم.

وساهم في المنتدى يهود من اكثر من 52 بلدا، وانتهى بمهرجان، حضره الرئيس الأميركي جورج بوش والمستشارة الألمانية إنجيلا ميركيل والأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان.

الأمر لم ينته هنا، وما قاله يهوشواع تحول إلى كرة ثلج واصلت التدحرج. وخصصت الصحف الإسرائيلية المرموقة ملاحق لعشرات الآراء من رموز سياسية وثقافية واجتماعية ترد على يهوشواع، الذي اضطر إلى كتابة توضيح حمل «الاعتذار العميق» مشيرا إلى أن آراءه ليست جديدة، وانه لم يكن يعلم أنها ستسبب كل هذه الضجة والضيق لدى البعض.

وفي حوار قال د. ديفيد ميكلبرغ المحاضر في الجامعة الإسرائيلية المفتوحة عن تفسير كل هذه الضجة التي لم تنته: «لمس يهوشواع وترا حساسا جدا، وسط إشكالية من المفاهيم. ففي وثيقة استقلال إسرائيل هناك نص على أن إسرائيل هي دولة الشعب اليهودي، وفي الوقت ذاته نصت على المساواة الكاملة لمواطنيها. وفي حين أن اليهود في إسرائيل ليسوا هم أكثرية يهود العالم، لتكون إسرائيل دولتهم، فإنه يوجد أيضا في إسرائيل اقليات غير يهودية».

واضاف ميكلبرغ «النقاش لم يتوقف حول مسائل الهوية. والمشكلة الأساسية التي تواجه أمثالي مثلا، هو وجهة نظر العالم حول دولة إسرائيل وتعريفهم لها. فمثلا أنا قضيت فترات من عمري في بريطانيا، وعندما كنت التقي مع أي شخص، يسألني عن المكان الذي جئت منه، فأقول له إسرائيل، وعندها يبادر بالقول يعني أنت يهودي، أجيبه مشددا أنا إسرائيلي. هناك فرق في التعريفات، واعتقد أن جزءا كبيرا من الجمهور الإسرائيلي يعتبر دولة إسرائيل أساسا دولة الإسرائيليين، أو يعرفها كذلك، أما اليهودية فأمر آخر».

ولا يعرف بالضبط نسبة الجزء الذي يشير إليه ميكلبرغ، ويعيش في إسرائيل ويحمل تعريفا لها يقترب من آراء يهوشواع.

ووصف الكاتب والصحافي اليعازر ياري أقوال يهوشواع بأنها «هزة كبيرة»، وقال «أكثر سكان إسرائيل، يحلمون بلغات مختلفة أثناء نومهم، ويعيشون في قلق دائم، وخوف من أن يميز الشتات في اللاشعور بين واقعهم وماضيهم، أو يجدون أنفسهم أمام خيار الرحيل من جديد». وخاطب الكاتب يهوشواع بالقول: «أنت لا تشعر بهذه الأصوات وعليك أن تعلم اننا نحن يهود أميركا، عشنا مرحلة معقدة جعلت إسرائيل جزءا من هويتنا».

وقال توني كارون كبير محرري time.com «إذا سلمنا بمطالبة يهوشواع بأن إسرائيل هي مصدر الهوية اليهودية اليوم، وان الشتات ليس شرطاً أساسياً لليهودية، فإن إسرائيل مطالبة بتوضيح هويتها اليهودية أيضا». وقارن كارن بين مفهوم إسرائيل في المخيلة اليهودية وارتباطها بالعالم الذي رسمه الكتاب المقدس، وواقعها اليوم كدولة تعيش في صراع دائم ومتهمة بالعنصرية، وقال «الهوية اليهودية في تغير مستمر وتنافسية، والصهيونية لحظة مقتضبة نسبيا في تيار التاريخ اليهودي، واعتقد بأن بقاء اليهودية واستمرارها يعتمد على قدرتها على تقديم دعم معنوي وأخلاقي في عالم ينخفض فيه مفهوم الأمة والقومية».

أما رئيس الكنيست السابق أبراهام بورغ فقال «إذا كان ثمة حاجة في الماضي، إلى الفصل بين اليهودية والصهيونية من اجل صياغة الهوية الحقيقية والمساواة، فنحن اليوم بحاجة لحجج مختلفة تماما، في المناقشات التي تجري في أنحاء الولايات المتحدة، علي مسألة الهوية اليهودية الحديثة». وأضاف «إن الشعب اليهودي لم يبق على قيد الحياة لمدة آلاف السنين من اجل رواد الأسلحة الجديدة والبرامج المضادة للصواريخ، وتبين أن 2000 عام من النضال من اجل بقاء اليهود، انتهى إلى دولة مستوطنات، وهو أمر غير أخلاقي لدولة تديرها عصابة من الفاسدين منتهكي القانون. والدولة التي تفتقر إلى العدالة لا يمكنها البقاء، وغالبية الإسرائيليين يسألون أبناءهم أين يتوقعون أن يعيشوا خلال 25 سنة المقبلة، ويصاب الآباء بالصدمة عندما يجيبهم الأبناء بصدق انهم لا يعرفون».

واختار الناشط اليهودي عميرام غوراد أن يرد على يهوشواع بالكتابة عن «أعضاء القبيلة المزدهرة في الصين»، ويقصد اليهود في الصين، مشيرا إلى أن الطائفة اليهودية تحقق نجاحات في هونغ كونغ المزدهرة، وانه يوجد ما لا يقل عن 3 آلاف يهودي يعيشون بشكل دائم في بكين، وأن الوجود اليهودي في الصين مستمر منذ 200 عام، والذي بدأ بالتجار الشرقيين الذين وصلوا إلى هناك مع البريطانيين، ومن الروس اليهود المهاجرين، وحققوا نجاحات هائلة في حين أن يهوشواع لا يعترف بيهود الشتات ـ حسب رأيه، ذاكرا تفاصيل مفاجئة عن دور لليهود هناك يخرج عن طبيعة هذا التقرير.

وقالت شولاميت الوني المفكرة والناشطة اليسارية السابقة «ليس هناك «منفي»، هناك «شتات». وكل يهودي يستطيع ان يغادر بلده، ويهاجر إلى مكان آخر، أو يأتي إلى إسرائيل بمقتضى قانون العودة ويصبح مواطنا إسرائيليا، وكذلك يحق له أن يبقي حيث هو، ويحتفظ بجنسيته، وطالما انه يعيش في الولايات المتحدة أو في أي بلد ذي سيادة، فهو مواطن في هذا البلد، وعليه التزامات المواطن تجاه بلده، وتجاه قوانين المجتمع الذي يعيش فيه، مثل التزامات كل مواطن إسرائيلي تجاه دولته». ورأت الوني أن «سيادة الشعب وعلاقته بماضيه وأرضه وثقافته ذات أهمية فائقة. وفي إسرائيل لا توجد ازدواجية في الهوية كحال اليهود في الخارج. وهنا العرب أقلية، والعربي الإسرائيلي يعيش الثنائية مثل اليهود في الخارج».

وسخرت ألوني من «القيم اليهودية» التي تتباهى بها إسرائيل قائلة بأن ما تمارسه من «دمار وقتل وسلب وإذلال وعقوبات جماعية على السكان الفلسطينيين يتنافى مع المواثيق الدولية، و(القيم اليهودية) التي تباهي بها».

وأدلى السياسي اليساري يوسي بيلين بدلوه في النقاش الذي يتوسع ويزداد ويتخذ في أحيان كثيرة حدة كبيرة واصفا إياها بالعاصفة. وقال بيلين «أرى أولا وقبل كل شيء بأنني يهودي وبعد ذلك إسرائيلي. ولا بد لي أن اعترف بأن هذا التمييز ليس له أية أهمية عملية، واعتقد انه لن تكون هناك حاجه إلى الاختيار بين الأمرين».

وقال «أفخر بالأسرة اليهودية الكبيرة الممتدة التي ولدت فيها وانتمي إليها، ودائما اشعر بالسعادة عندما أسافر واستمع إلى العبرية في أماكن غير متوقعة، وتسرح الدموع من عيني لدى سماع النصوص العبرية في أبعد مكان من العالم. فالدين والتقاليد وكثير من النصوص العبرية، كلها جزء من تعريف الذات».

وأضاف بيلين «الميزة الكبرى في إسرائيل أن غالبية سكانها من اليهود، وبالتالي فإن المخاطر على اليهودية غير موجودة، كما هو الحال في الشتات. وفي إسرائيل، يمكنك الابتعاد عن الطقوس الدينية ولا يزال أولادك يعرفون أنفسهم كيهود، يتكلمون العبرية من الحضانة إلى المرحلة الجامعية ودراسة مواضيع تتعلق بالتراث اليهودي».

أما السياسي اليساري المعتزل يوسي سريد، فوصف أقوال يهوشواع بالزوبعة، مستغربا بعض ردود الفعل عليها، قائلا بأن التساؤل «من هو اليهودي؟» ليس شتيمة متهما ممثلي الجالية اليهودية في أميركا بالغطرسة، وأنهم يعتبرون أنفسهم «اكثر يهودية من اليهود في إسرائيل، وهذا يعني انهم يعانون من مركب نقص». وأضاف ساخرا «يمكن في نيويورك أو بوسطن أخذ نسيج من عينة عبقرية، وإرسالها إلى المختبر فمن الممكن أن تنتج شيئا اكثر يهودية من الموجود».

ويذكر بأن أ.ب. يهوشواع، من اشهر الكتاب الإسرائيليين، ويحظى بشهرة عالمية، وهو من مواليد القدس عام 1936، تخرج من «الجامعة العبرية» في القدس، وهو حائز جائزة إسرائيل.