PDA

عرض كامل الموضوع : بُـعدٌ من ثــلاثـة..!



نقــاء
30-06-2006, 07:30 PM
لم يكُن تعلُّمُ الكتابة صعبًا بالنسبة لي مثلَ تعلُّم قواعد الرياضيات. فلقد تعلمتُ الكتابةَ إثرَ جُهد جهيد بذَلَهُ أبي في البيت والمعلمةُ في المدرسة. ولكن قواعدَ الرياضيات - وبالأخص جدولَ الضرب- كانَ من الصعب على عقلي الذي كانَ صغيرًا آنذاكَ من أن يحفظهاَ ويخزنهاَ بملفاته. مع أنَّ المسألةَ تحتاجُ إلى بُعد منطقي كي يُستساغَ فهمها.. فمن أينَ لي أن أدركَ بأن القاموسَ العربي يحتوي بين طياته مفردةَ "المنطق" ؟؟

كانَ هذا مثالاً عثرتُ عليه أسفلَ كومة الأمثلة المتراكمة في سلة دماغي. ولازالت الأمثلةُ متتابعةً ومتوالدةً وكلهاَ تدورُ حولَ لفظ "المنطق". لفظٌ يبدوُ لحظةَ النطق قاسيًا رنَّانًا بعُمق, ذو أبعادَ خفية لا يمكنُ للكثيرينَ إدراكها والوصولُ إليها. وهذا ما جعلني أُبدّدُ وأبعثرُ كلَّ ما يربطني بقصص جدتي الخيالية وبأفلام "الفنتازيا" من أجل أن اُكّونَ في ذهني تربةً صالحةً لينموُ عليها كيانُ "المنطق" الشاهق.
كانت النتيجةُ التي بلغتُهاَ ذاتَ بُعدين مُتباعدين : ناجحةً تارةً وفاشلةً طوراً. ولكن استعمارُ "المنطق" لجزء لا بأسَ به من ذهني جعلني لا أخشىَ من التخيلات والأوهام, فلقد أصبحَت مُجرَّدَ حُلم إذا ظهرَ فإنه سينتهي مع انبلاج أول خيوط لشمس "المنطق" . ومع ذلكَ فإنَّ سيولَ الأوهام التي قد تهاجمُ سدَّ المنطق تصبحُ مُخيفةً ومُهدّدَة,خصوصاً إذا تسلحت تلكَ السيولُ بأحاسيس الشك والظن. فالمنطقُ إذا أرادَ شخصٌ ما أن يبنيَ أفكارهُ عليه, يجبُ أن يكونَ قائمًا على بُعد جَليّ من اليقيــن, وإلاَّ لكانَ المنطقُ المُدافَعُ عنهُ هشَّ العظام, فقيرًا من أية أدلة تُثبتُ صحّتَهُ.
مع ذلكَ يظلُّ الحفاظُ على نفس الدرجة من "المنطق" أمرًا عسيرًا على أيّ منَّا.خصوصًا وأنَّ الإنسانَ هوَ كُتلةٌ من المتناقضات التي إن اجتمعت في الآن نفسه تجعلهُ مثيرًا للسخرية مثلَ المجانين.
يمكنُ تقسيمُ طبيعة الأشياء إلى ثلاثة أصناف:
البديــهي , المنطــقــي, والوهمــي.
مع التنويه البسيط إلى أنّ البديهي لا يمكنُ أن يكونَ منطقيًّا دائمًا, والعكسُ بالعكس. ومن جهة أُخرىَ, يمكنُ ربطُ البديهي بالمنطقي عن طريق حبل لا ينقطع. فليسَ من البديهي والمنطقي في آن أنْ أكونَ جالسةً على الشرفة وأرىَ نفسي مارّةً من الشارع. وهذا مثالٌ مشابهٌ لمثال أوردهُ رينيه ديكارت. ومن المنطقي أن يكونَ الطقسُ حارّا في الصيف وباردًا في الشتاء. ولكن هذا المثالُ لا يكونُ دائمًا بديهيا, إذ تأتي أيامٌ تبردُ فيهاَ درجةُ الحرارة في الصيف وأخرى ترتفعُ فيها الدرجةُ في الشتاء. لهذا المثال الأخير تفسيرٌ آخرَ منطقي, وهوَ أنًَّ إعتيادَ أجسادناَ على طبيعة الطقس المتغيرة حسبَ الفصول, يجعلُ أي تغيير في الحرارة ولو كانَ طفيفاً ذا بُعد إستفهامي مُبهَم; فاعتيادناَ على حرارة الطقس التي قد تصلُ صيفًا إلى خمس وأربعينَ درجة في اليوم, يمكنُ أن يتبدّدَ لمجرد انخفاض الحرارة إلى الأربعينَ درجة. ومعَ أنَّ الفرقَ بينَ الدرجتين ليس بالشاسع جدًّا, إلاَّ أن الجلودَ البشريةَ يمكنُ أن تجعلهُ كبيرًا.
أمَّا البُعدُ الثالثُ لطبيعة الأشياء فهو "الوهمــي" . لا يربطُ بينَ هذا البُعد وما سبقهُ أيةُ علاقة لا من قريب ولا من بعيد. فلقد اختارت القصصُ الخياليةُ أن تنفيه في حُجرة ضيقة ومُعتمة في قصر العقل المعاصر الذي يتسمُ عادةً بالبُعد "المنطقــي" ..
فمنَ الوهمي أن نتخيلَ وجودَ أميرة نامت مائةَ سنة كاملة لتستيقظَ من قبلة أمير وتتزوجهُ بعدَ ذلك. فإذاَ تمَّ وزنُ القصة بالمنطق فإنَّ هذه الأميرةَ تزوَّجَت شابًّا بعُمر أحفادها, كماَ أنَّ بقاءهاَ على حالهاَ طوالَ هذه السنين دونَ تجاعيد تهاجمُ وجههاَ ودونَ وهَن يحتلُّ عظامهاَ جعلَ القصةَ وهميةً من بدايتهاَ إلى نهايتها.
ومعَ وهمية هذه القصة إلا أنَّهاَ بعثتْ في عقول مُصدّقيهاَ أملاً بأن يطولَ عمرُ الإنسان, حتى لو عاشَ أغلبَ هذا العُمر مُمدَّدًا على السرير مثلَ هذه الأميرة!. فتجدُ السّحَرَةَ والمشعوذينَ المُدّعينَ يستغلونَ شياطينهم ليقنعواُ ضعافَ الإيمان بأنَّ ظفرَ ميت وشعرةَ ذيل حصان أبيض وساقَ سحلية غير متزوجة يمكنُ أن يفي بالغرض ويُطيلَ العُمر!!... والغريبُ أن المُصدّقينَ بهذه الخُزعبلات كُثُر!!....
لذلكَ فإنَّ كُلَّ بُعد من هذه الأبعاد الثلاثة لهُ مُشجّعوهُ والمُؤمنونَ به. وهذا ما فرَّقَ الفرَقَ البشريةَ وجعلهاَ تتنازعُ, كُلٌّ على حَسَب ما يُؤمنُ به.
رُبماَ هذا ما "منطَقَ" العقلَ البشري, فالمنطقُ لا يعزلُ السالبَ على حساب الموجب بل يجمعهماَ معًا من أجل إحداث التوازن المنطقي بين كَفّة المعقول وكَفّة اللامعقول.
ولكن وبناءًا على النقطة التي أنَفَ ذكرها, هل يمكنُ لمُعتَبر أن يعتبرَ الحُلمَ ظاهرةً منطقيةً, خصوصًا وأنهُ قد يمزجُ بينَ البُعد الموجود والبُعد الوهمي؟؟
من وجهة نظري, فإن الحُلم لا يمكنُ أن يكونَ ظاهرةً منطقية ولو بأي شكل من الأشكال, فهوَ أقربُ إلى البُعد الوهمي منهُ إلى المنطقي لسببين:
الأولُ وهو احتواءهُ على مشاهدَ قد تبدوُ في البدء معقولةً لتستحيلَ بعدَ ذلكَ وحيًا خيالياًّ لا وجودَ له. فقد أرىَ نفسي - التي أعرفهاَ عن طريق المرآة- في الحُلم , ولكن أُفاجَأُ بأنني أطيرُ بشكل يشبهُ القفزَ وأتنقلُ بينَ الجبال ومباني المُدُن (هذا الحُلم انتابني مرات عديدة) ..
والبعدُ الوهمي للحُلم قد يُخفي بغطائه العجائبي السميك شتاتَ المنطق في الحلم.
وأمَّا السببُ الثاني فهوَ تعدُّدُ التفسيرات والتأويلات التي قد تدورُ حولَ نفس الحُلم, والحالُ أن الشيءَ المنطقي لا يحتملُ أكثرَ من تفسير واحد لأنه جَليٌّ وواضح وضوحَ قًرص الشمس في السماء.فتصادُمُ المفسرينَ حولَ مسألة تفسير الحُلم يجعلنَا نُشككُ في وجود البُعد المنطقي لهُ.
كماَ أنَّ سيقموند فرويد يَعتبرُ بأنَّ الحُلمَ هو عالَمُ "اللاشعــور" الذي يغيبُ فيه الوعيُ ويصوّرُ مشاهدَ تُمثلُ الرغبات التي يكبتُهاَ "الأنا الأعلى" الأخلاقي.

**

يظلُّ المنطقُ بالنسبة لي بحرًا غائرًا في عُمقه, غامضًا في سرّه, لا يمكنُ لقصير الكلام وطويله أن يختزلهُ لأنه أشسعُ من أن نُعرّفهُ على ورق محدود الزوايا. وما قدمتهُ في هذه الصفحة مثَّلَ جزءًا من كُل, وهذا الجزءُ في حدّ ذاته يحتملُ اختلافَ وجهات النظر.

كرزه
04-07-2006, 06:35 AM
الله لا يحرمنا من كتاباتك الرائعة
اسلوبك الجميل يشدني لقراءته
يعطيج العافية يا احلاهم

نقــاء
04-07-2006, 09:58 AM
أهلاً بكرزة

شكرًا لتعقيبكِ اللطيف ..

أسعدكِ الله

شمس المحبة
28-04-2009, 12:45 PM
كلام لطيف جدا
نعيده ليأخذ حظه مع الاعضاء الجدد

شكرا لك وتقبلي احترامي وتقديري