PDA

عرض كامل الموضوع : يااااااااااااحبي للبدوا



بــدوي
16-08-2003, 02:57 PM
_____________

....
:( :shock: :shock:

-----------------------------
مسائل أساسية حول الشعر العربي المعاصر

===
تذكرون طاب مساؤكم و أطال الله بقاءكم أننا خلصنا في ورقتنا الأولى إلى نظرية يحسن أن نستذكر منها كينونتها الحيوية في آلية ولادة الشعر وحياته وانه أشبه ما يكون بالكائن الحي في تكونه وتخلقه من جهة ثم في أثره وتأثيره من جهة أخرى ، وإذا كان هذا الكائن الحيوي قد ارتبط بالحيوية وشبه بالإنسان مثلا في تخلقه وولادته ، وقلنا انه ربما اعتل كما يعتل الإنسان أيضا ، فهل هو سائر إلى ذات المصير بالموت أيضا ؟ وهل يكون هذا الموت صفة ذاتية فيه كما الإنسان ، بمعنى أن اجله قد انتهى ؟ والحقيقة أن هذه نقطة يجب التوقف عندها . فالشعر يمتاز عن الكائن الحي ولا احسبها ميزة حميدة بنوعين اثنين من الموت الذي قد يعتريه ، أما أحدهما فيلد بها صفة ملازمة له أن كان معتلا لعلة من العلل التي فصلناها في ورقتنا الأولى وبالتالي ليس من جديد في هذا ، أما الأخرى فموت مرهون بالغير أي المتلقي في ظروف معينة ، ولكن لا يكون موتا تاما وإنما يكون موتا سريريا أن جاز القول أي يبقى في حجرة الإنعاش ما شاء الله له أن يبقى حتى تتوفر له ظروف العودة من جديد ولعل هذا أشبه إلى السبات في الطيور منه إلى الموت العام... وهذا جل أزمته في هذه الأيام كما كان يوم انحدرت الأمة في عصر التخلف المنصرم منذ أوائل القرن التاسع عشر وما وصلنا من نصوص تؤكد ذلك ...



وحتى لا نستطرد في مجرد وغير محدد نتجه إلى سؤالنا الذهبي في هذه الورقة ، ترى ما وظيفة الشعر بعامة ؟ و هل له من وظيفة محددة أم أن دوره الوظيفي يأتي تاليا لكينونته ؟

أما تفصيل ذلك فنراه قصدا على غايته أو بدقة اكثر على بابه الذي جاء فيه ، فان كان موجها في دعوة ما وقد تشوبه هنا شبهة الصنعة التي ذكرناها في الورقة الأولى والتي برأينا قد تفقده هالة الشعر وصولجانه ، فانه بذلك يكون مرهونا بما جاء لأجله من دعوة ولا نفصّل في نوعها هنا ، وبذلك لا بد أن يجزم بأنه من الفئة الموجهة كما الإعلام الموجه وان له دورا ووظيفة في ذلك وبذا يكون مرهونا بآليتها سلبا أم إيجابا ، حياة أم موتا وهو ما لا نعتقد بأهمية تتبعه لما في ذلك من وضوح شديد من جهة ولما له من مرتبة اقل من الناحية الفنية من جهة أخرى ، وربما أوردنا خلال هذه الورقة أمثلة على هذا النمط فيما سيلي من تفصيل ، وعلى أية حال( ولحسن الحظ) فان مثل هذه النصوص قليلة فيما وصل إلينا من تراث وتكاد تقتصر على دعوات شاذة دينية أم اجتماعية أم سياسية كانت فيما مضى ، مثل نفخات الشعوبية والقرامطة والإسماعيلية وغيرها مما أضافه بعضهم من شعر الزندقة وما شاكله .



أما الأغلب الأجل فدوره يأتي تاليا لكينونته ولا شبهة لصنعة فيه ، بل هو نقي نقاء البرد أو أن شئت بريء براءة الذئب من دم ابن يعقوب عليه السلام ، وهذا ما نحن بصدد الحديث عنه ، فما هي أنماط وظيفته التي يؤديها هذا الشعر تاليا لوجوده وولادته ؟

ونرى أن الشعر لا يلبث أن يصنف من هذا الباب إلى ثلاثة أدوار اجتهدنا في رصدها ونراها في أحد هذه التالية :



1- دور فني جمالي 2- دور إعلامي 3- دور مؤسسي



أما الدور الأول ، فهو لا يلبث أن يلتقي مع دعوة الفن للفن التي أطلقها بعضهم فيما هو معروف وتقترب من هذه السمة بقليل أو كثير بعض أبواب التصنيفات القديمة وبخاصة فيما عرف من شعر الوصف .وربما قابل ذلك في عصرنا هذا عدد من المتسميات والمصطلحات اللاتينية كمااوردهاالغربيون ، ولكنه لن يكون بأية حال بعيدا عن هذا المجال ، وهذا الدور الفني الجمالي الذي ربما أسميناه الفوتوغرافية أن شئت هو في حد ذاته غير فاقد لقيمته الجمالية ولكنه ربما فقد من يطمع فيه في عصر كعصرنا لم تترك المدنية الحديثة ولا الاختراعات المتلاحقة ربما له فرصة ليحيي ، بل انه حتى و للعيون المادية أي عيوننا نحن ليس بمقدورها أن تلحق بما ينثر بين يديها من أدوات ووسائل جديدة لجذبها والتأثير فيها مباشرة دون ما حاجة لنص ينقلك إلى صورة ، بل أن بعضا من برامج الشبكة وأدواتها اصبح يمكن المستخدم من تغيير ملامح الصور الفعلية مطلقا لخياله أو ربما لرغباته العنان فيما هو عامد إليه من تغيير وتحوير . ولكن ذلك بالتأكيد لن يعدم من أصحاب الاختصاص من يلوذ به لدراسة أو لدراية . وهنا لا بد أن نشير إلى حيوية اختيار نصوص ذات جمال فني للمناهج المدرسية على الأقل لتؤدي دورا ما في إثراء خيال أبنائنا ولكن من غير ما تعقيد ولا مغالاة لان واحدهم لا يلبث أن يمل وينصرف عنها غير آسف عليها إلى ما يمتع به ناظريه حقيقة لا خيالا ، وبذا نكون قد أصبنا عكس ما قصدنا من غير أن نحقق هدفا ولا يعود لنا بعدها أملا لا في هذا النمط ولا في غيره ونكون كمن قضى على تقبل النشء للشعر بعامة فيما سيلي من عمر هذا الجيل أو ذاك ، ولذا احسب أننا ندق ناقوس الخطر هنا ولذا فلواضعي المناهج دور وعليهم مسؤولية خطيرة في هذا الشان . وعليه فان وصف البحتري للربيع أو وصف بشار بن برد أو المتنبي للبحيرة والأسد وغيرها مما شاع في هذا الباب لا بد وان يعاد النظر فيه من جديد .



إذن فالنمط الجمالي بذلك يكون قد ضاق عليه الحال إلى أن اصبح ربما في آخر سلم الأولويات والاهتمامات العديدة حتى من الدارسين والنقاد المخلصين المهنيين أن وجدوا إلا من رحم ربك ، وربما أن مثل هذا النمط الممعن في الذاتية وليد لدعة يحسد عليها من يستمتع بها في كل عصر واوان ولكن بالتأكيد لا اعلم له كبير شان خاصة في معاصرتنا منذ فترة ليست بالقليلة بل أن نماذج كهذه ربما هي الآن في ندرة اللوحات الشهيرة في متاحف الكتب القديمة ولا احسب عليها من الغبار قليل ، وأنه لا بد من التنبيه فان هذا ليس تقليلا من شانها ولا من فنيتها ولا هو ظني بها من حيث هو شعر ولكن لأنها على ما اعتقد لا يصاحب فيها المقال المقام للامة وما تمر به .





2- أما الدور الثاني فإنني سابدء بالدور الإعلاني منه فهو ولا شك كسابقه من حيث هو مختص بحالات انقضى عصرها في شكلها القديم وعادت إلينا في شكل مداح البلاط من غير ما نية لله أو قصد يراد به خير الأمة من خلال تقديم نصح أو تشجيع على خير أو حب زلال وإنما تكسبا في المراد وغاية في شهرة أو مراد من نحو ذلك وهو أيضا بلا شك قد ربما أحاطت ببعضه شبهة الصنعة في بعض النصوص ، إلا أن نصوصا أخرى لا يمكن أن ينفى عنها صفة الشعر لسبب ما ومن هنا تظهر الصفة الإعلانية والدور الإعلاني لهذا النمط . ولشديد الحسرة فان شعرا من هذا القبيل يتصدر كثيرا من وسائل الإعلام والإشهار من غير ما عناء يذكر . وبمثل شعر المدح الذي لا يذكر إلا وذكر ضده أي شعر الهجاء والقدح وان اختلفت المسميات العصرية فهو لا يعدو كونه البحث عن قلنسوة جديدة لهما للتخفيف من ظلهما الفج والجاف ، ولربما قال قائل بان كثيرا من أبيات الحكمة بل و حتى عدد من التشبيهات الفنية البديعة لربما احتواها هذان النوعان وان على ذلك اكثر من دليل ، ونقول نعم لا باس في هذا إلا أن ذلك كله لا يعدو تطرية لهما ويسقط بسقوطهما عامة ولا يمنع الاستفادة مما ورد منها بخاصة ، أي انه يؤخذ ما فيهما من فائدة ويطرحان موضوعا لسقوط همتهما ومقامهما على الأغلب إلا ما رحم ربك ، كان تكون مدائحا نبوية أو هجاء في أعداء الأمة والملة ، فهما ما يمكن أن يؤخذا بعامة وخاصة أيضا . بل لعلي اكمل فأقول أن مثل هذه النصوص تنتقل من هذا المقام إلى مقام خاص سيأتي الحديث عنه لاحقا . وفي هذين النمطين أي المديح والهجاء يصح فيهما ما يصح في شعر الوصف من حيث البقاء والفناء ، فهما محكومان لغرضهما ينتفيان بزوال الغرض وزوال الداعي لهما والمشجع عليهما ، ونراهما يكثران في غير ما قاعدة تتعلق بالرخاء والشدة ، بل هما يزدادان حينما يزداد إقبال المحرض عليهما من ساسة وقّادة وحكام وحتى أمراء وخلفاء فيما مضى ، وعندما يرفضهما المعني بهما لا يلبثا أن يموتا كمدا وحسرة ، ولعلي أورد هنا الحادثة المشهورة لورود الشعراء على الخليفة الراشد الخامس الأموي عمر بن عبد العزيز ورفضه السماح لهم جميعا بالدخول عليه اللهم إلا جريرا الذي وقف أمامه ليقول :



كم باليمامة من شعثاء أرملة ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر

ممن بعدلك تكفي فقد والده كالفرخ في العش لم يدرج ولم يطر

انا لنرجو إذا ما الغيث أبطأنا من الخليفة ما نرجو من المطر



ليكون ثمن ذلك درهم واحد دفعه إليه مزاحم مما بقي معه من مال الخليفة ومزاحم هذا خادم عمر وحاجبه ، ليخرج إلى مجمع الشعراء الواقفين أمام الباب ليصيح بهم أمام إلحاحهم لمعرفة ما جرى معه ،" جئتكم من عند من لا رغبة له ببضاعتكم ووالله إن هذا الدرهم عندي لأغلى من كنوز الأرض."



وننتقل إلى النمط الثاني وهو شعر المراثي وهو بلا شك على الأغلب شعر إنساني خالص ولديه حيويته الخاصة ونمطه الذي لا بد أن يؤثر في نفس المتلقي مهما كان العصر الذي يعيش فيه ، بل إن بعضا من شعر المراثي كان من الفرادة بمكان أن أدى ترجمته إلى غير العربية ليكون محتفظا بذات الأثر البليغ والقيمة الإنسانية الخالدة أورد هنا مثالا مشهورا لأبيات مالك بن الريب في رثاء نفسه كما في مقدمته المشهورة كما لمسته بنفسي عن قرب من أحد الاصدقاء الغربيين ومطلع قصيدته :



ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بوادي الغضا أزجى القلاص النواجيا



وهنالك ما تعدى الشان الخاص والغنائية المباشرة في الرثاء كما في قصص عديدة أمام أنظارنا من مراثي الخنساء التي ما فتأت الدهر كله في أخيها راثية إلى ابن الرومي من شعر العرب إلى العديد من الشعر الحديث ، وقد يكون المفقود أكثر من مجرد قريب للشاعر قرابة الدم ، بل ربما كانت قرابة ملة وعقيدة كما هو حال شاعر الأمة حافظ إبراهيم راثيا الإمام محمد عبده في قصيدته الشهيرة الميمية يوم رثاه قائلا :



سلام على الإسلام بعد محمد سلام على أيامه النضرات



او كما رثى العديد من شعراء العربية زعماء كبار من وزن الراحل جمال عبد الناصر أو غيره من زعماء العرب الراحلين ، وهذا النمط من الشعر ربما حتى تعدى إلى ما هو اكبر من ذلك إلى رثاء مدن بأكملها وحضارة تامة كوقوف أمير الشعر العربي شوقي بالأندلس راثيا الحاضر في الماضي وهو ما عد جديدا في مذهبه تخطى الوقوف على الأطلال التي كانت لازمة الشعر الجاهلي في غير ما هو غرض للرثاء ، وبهذا نرى أن هذه القيمة الإنسانية البارزة لهذا النمط من الشعر مرهونة بنبلها وقيمتها الإنسانية كلما علت ومن هذا الباب نرى أنها غرض ودور باق لا محالة تفريجا لهم الشاعر والمتلقي معا وتقديرا لحس إنساني رائع يصل أحيانا كثيرة إلى توحد المتلقي مع الشاعر لدى سماعه أو قراءته لهذه النصوص توحدا تاما من غير ريب . ولعل ارتباط هذا المقصود من هذا الشعر أي رثاء المرثي بالموت والحياة التي هي صفة البشر تجعل من تكرار الجنوح إليه والركون إليه عملية مستمرة وتحصيلا للحدث المدرك المتكرر بكل ما فيه من تشابه أكيد قاسمه الأعظم هو الموت وفقدان الأحبة بفعل هذا المتجبر الذي لا يفر منه أحد لحكم اله الكون الأعظم ولذا لا احسب من يمكن له أن ينكر على الشعر أهميته في التخفيف وممارسة دوره الكبير كلما طرأت إليه حاجة ألح على النفس ملح .





أما النمط الآخر هنا فهو جملة من الأغراض الجزئية كشعر الحكمة والشعر التعليمي والشعر التوثيقي وشعر الاخوانيات وهي كلها في مجملها يحكمها الدور الذي هو منوط بها معلوم بها بالضرورة ، أما شعر الحكمة فلا احسبه فاقدا لقيمته البتة لأنه إذا كان شعر المراثي لازمة للموت فان شعر الحكمة لازمة الحياة وهو لا بد وان يركن إليه العامة كما يركن إليه الأديب في نثره وروايته كلما اقتضى الحال ذلك ، وتجرى أبيات الحكمة على لسان العامة استدلالا وتوجيها مجرى الماء في الساقية إذ انك تسمعها تتردد كثيرا بينهم حتى وان لم يعلموا قائلها ومناسبتها وترى أبياتا أو حتى أشطارا من أبيات أحيانا لازمة لهذا وذاك في معرض حديثه الخاص والعام من نوع " تجرى الرياح بما لا تشتهي السفن " إلى " ما الحب إلا للحبيب الأول " إلى اخر ذلك مما يتكدس في شعرنا العربي القديم بل وحتى الجديد من نمط " إذا الشعب يوما أراد الحياة " أو من نمط "ألام مدرسة إذا أعددتها " وهذا دليل على حيويته وبقائه ، ولربما اعترض من يدفع بان الحكمة ليست بغرض مستقل في الشعر وإنما تأتى ضمن القصائد ، ولا ننكر هذا وهو لا يمنع ما نحن بصدده من مقال .





أما الشعر التعليمي والتوثيقي والتربوي فان غرضه قائم لا شك بديمومة الحاجة إليه وان كان حصرا لفئة ولو محدودة من الناس إلا انه باق بلا شك وتمتلئ به الكتب الدراسية تلك وقد يظن ظان أننا بصدد ألفية ابن مالك في اللغة واعتقد أن ذلك وان صح فإنما هو غير مقتصر على اللغويات بل قد يتجاوز إلى غيرها أيضا كما في بعض الدراسات الإسلامية . ويبقى من ذلك كله شعر الاخوانيات واحسب انه قليل لم يتجاوز في كثير من الأحيان من قيل له ومن سمعه في ذلك المجلس إلا قليل منه اصبح مادة للتندر والطرف فيما يشبه الكوميديا المبكرة والسخرية المقننة في أحيان أخرى بل ربما كان هذا بمثابة إرهاصات مبكرة لنشوء فن النقد والسخرية أو ما عرف لاحقا بشعر الفكاهة أو الشعر الساخر. وقد يوجد أصناف أخرى لم يرد ذكرها لعدم شهرتها من ناحية ولعدم فائدة الحديث عنها من ناحية أخرى واحسب أننا تعرضنا لمعظم الدور الإعلامي للشعر وهذا يكفينا في هذا المقام.



ولا يغيب عن ذهننا أن ننبه إلى انه لربما وردت نصوص بعينها مشتملة على غير ما نوع من الأنواع معا ولكن المعول عليه دائما هو غرض الشعر الأساس حين إطلاقه وإنشائه وبذلك فقط يمكن الركون إلى قاعدة صلبة يمكن الاتكاء عليها حال النظر التفصيلي في أنواع وأنماط الشعر من حيث أدواره .



3-أما الدور الثالث وهو الأهم في جميعها قطعا كما نرى فهو الدور المؤسسي ويمكن أولا أن نعمد إليه فنحصره في ثلاث مؤسسات كبيرة قبل أن نبدأ حديثنا عن كل منها ونراها لا تعدو التالية من المؤسسات :



مؤسسة الحب أي المؤسسة الغزلية ومؤسسة الأرض أو المؤسسة الوطنية ومؤسسة الرسالة أي المؤسسة العقائدية



ولعلنا نبدأ فنوضح حقيقة ماثلة تقررها هذه الأنماط الثلاث الخالدة من الشعر والتي نراها ابدا مقيمة مع حركة الإنسان أينما حل والام اتجه ، فالأولى أي مؤسسة الحب تتناول علاقة الرجل بالمرأة تلك العلاقة الأبدية الخالدة التي بدأت بآدم وحواء عند الخليقة وستستمر إلى ما شاء الله ، والثانية مؤسسة تربط الإنسان بأرضه ووطنه وهي أيضا خالدة بقاء الأرض وسكانها ، أما الأخيرة منها فهي أعلاها شانا وانطلاقا منها يتم توجيه الأوليتين من هذه المؤسسات أي علاقة الإنسان بعقيدته وفكره أعلاها شانا بالتأكيد تلك الناجمة عن علاقته بربه الواحد القهار .



إما مؤسسة الحب فقد شهدت تنوعا هائلا منذ مختلف العصور الشعرية وحتى يومنا هذا إلا أنها لازالت في جوانبها الأساسية محتفظة ببريقها المعهود وأساسها الجميل ،( وننبه هنا الى اننا لسنا بصدد تتبع تاريخي بل انما بصدد استعراض لتواجد هذه الانماط وتفصيل انتماءتها) ، ولعلنا لا زلنا نذكر الحب العذري وقصائده الجميلة وشعره المثالي البديع وهو ما بقي حتى عصرنا هذا كما لا زلنا نذكر أبطال هذه القصص الإنسانية الرائعة من الشعراء ومعشوقاتهم اللواتي خلد الشعر أسماءهن كقيس بن الملوح وصاحبته ليلى بل لقد اصبح واحدهم يعرف بصاحبته كان يقال كثير عزة وقيس ليلى وجميل بثينة وهكذا ، وفي ناحية مضادة تماما ورد إلينا نصوصا كثيرة من الشعر الخليع وما امتزج به من فسق عريض بل ومن ذكر للخمر وأدوات هذا الفسق حتى لقد ذهب بعضهم إلى فصل شعر الخمر ككائن منفصل في الشعر دعوه الخمريات وهو ما قد بدا في العصر العباسي الثاني على يد أبى نواس وتطور لاحقا على يد الحسين الضحاك وغيرهم وصاحباتهم المعروفات سواء من الجواري والقيان بل وحتى في أحيان أخرى من بعض الحرائر كالشاعرة ليلى الاخيلية .



وهنالك من وقف بين هذين الاثنين وتوسط في هذا الأمر وهم النسبة الأعم والأكبر وكان عشقهم أيضا مضرب المثل أيضا كالشريف الرضي ولا باس في أحيان إن وجدتهم يميلون إلى هذا النسق الأول أو الثاني أحيانا إلا انهم في المعظم قد توسطوا بلا شك ولن نعدم مثالا على شططهم إلى النوع الآخر الذي احتوى مداعبات وشقاوة بالغة في أحيان كثيرة كفعل عمر بن أبى ربيعة وترصده النساء إلا انه لم يمل كل الميل بل التزم جانبا حذرا في قصيده على الأغلب ، ونجد أيضا من نزع إلى العذريين قليلا بالمقابل كما فعل أبو فراس الحمداني وان قال قائل أن غرضه الأساس كان العتاب لابن عمه سيف الدولة الحمداني على تركه أسيرا لدى الروم فترة من الوقت مما أسس لفرع شعر العتاب من باب الاخوانيات لاحقا ولم يكن طالب غزل في الأساس ، وإنما ذلك قد تعرض له أثناء عتابه وشكواه كما قد فعل كثيرا أبو الطيب المتنبي في بعض من قصائده وهو الذي لم يطرق الحب قلبه ولم يشغله كثيرا وإلا لكان وصل إلينا المبدع البكر من الصور والمعاني الجميلة .



ولعل شعر الغزل المتجرد أو مناجاة المحبوب الأول كما بدا قديما أوصلته رابعة العدوية إلى قمة مجده ثم توالى على العناية به المتصوفة الذين جاءوا من بعدها لا يمكن لنا أن نضمه إلا الى المؤسسة الثالثة كأحد الفروع والأشكال منه وان طرأ على الذهن انه يشبه شعر الحب والعشق إلا أن الموضوع هنا كما بدأنا تصنيفنا به هو علاقة الرجل بالمرأة ولا يتسق بذلك هذا النمط الشعري مع قاعدتنا بل انه يبدو اكثر التصاقا بالمؤسسة الثالثة منه إلى شعر الغزل .



ولو ترصدنا التغيرات والإضافات والتحولات على شعر الحب من حيث الشكل والتنفيذ لاحقا لوجدناه أساسا لكل إبداع في مجال الأغنية والأصوات ، فقد بدا بالقصيد ومر بالموشحات والأدوار وانتهى بالأغنية الحديثة التي لا زالت تستند إلى الفكرة الأم في شعر الغزل والحب .



وهنا نسأل سؤالنا الأساس هل غاب دور هذا النمط من الشعر وهل ما عاد له من وظيفة في حياتنا المعاصرة ؟ واترك الجواب لكم مع يقيني بما سيكون عليه .!



والآن ما دور مؤسسة الأرض والوطن ؟ والجواب لديكم سادتي ، إذ أن عصرنا بالذات يدلل على عمق قيمة هذا الدور وأهميته البالغة في الحياة العربية فلنا قضايا لا زالت جرحا مفتوحا عميقا منذ قرن من الزمان على تراب فلسطين ، حتى أنها شكلت دالة لعدد كبير ليس فقط من شعراء فلسطين بل ومن الشعراء العرب والناطقين بالعربية ثم امتد إلى ما ترجم من العربية إلى غيرها من اللغات أو العكس . فالشعر المناضل بدا أيضا قديما قدم الأرض وعلاقة الإنسان بوطنه و أرضه وأهله ولربما كانت النصوص التي وصلتنا لم تعالج هذا الموضوع مباشرة كما نعهده اليوم بل اتصلت إليه من أبواب أخرى تودي إليه لاحقا وضمنا ، ولعلنا نعني بذلك مدح القبيلة والتغني لديارها وديار المحبوبة والثار لحربها مع الأعداء بل والبكاء على جروحها وأطلالها إن درست ، وان معظم المعلقات بدأت بالديار والوقوف على المنازل أولا من نمط :



قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل

و

هل غادر الشعراء من متردم أم هل عرفت الدار بعد توهم

و

عوجا على الطلل المحيل لعلنا نبكِ الديار كما بكى ابن حذام



ولعل منطق ذلك أن العرب في الجزيرة العربية عاشوا دهرا بدوا رحل وطنهم حيث القبيلة والأهل والأحباب وليست أرضا بعينها في جزيرة العرب ، ولما اتسعت الديار الإسلامية أصبحت دار الخلافة كلها الأرض والوطن واصبح أعداؤها هم الذين يجب أن يحاربوا للذود عن الوطن وهكذا وصلتنا الحماسيات على يد ملكها المتوج أبى تمام ولربما كانت فتح عمورية أعلاها شانا في هذا الباب :



السيف اصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد و اللعب

فتح الفتوح تعالى أن يحيط به نظم من الشعر أو نثر من الخطب

أبقت بني الأصفر الممراض كاسمهمو صفر الوجوه وجلت اوجه العرب



والأمثلة كثر على ذلك ، أما في بعض محطات هذا النوع من الشعر فقد كان له باب آخر كما في حالة الشاعر الأمير امرؤ القيس الذي كان له ملك يطلبه وتعلق به تعبيرا عن وطنه وقضيته و انشا القصيد تلو القصيد بعد قولته المشهورة "اليوم خمر وغدا أمر " ، ولعل من علم سر حياة أبى الطيب المتنبي أدرك أن له طلبا ومرادا في الولاية والملك مما جعله يتصل بكافور طلبا لنصرته ويركن إلى سيف الدولة دهرا أملا في النصرة من دون ما جدوى ، ثم امتد الأمر إلى زمن صلاح الدين الأيوبي ليرده ذلك الشاعر الفلسطيني العربي يتلو بين يديه قصيدته " يا أيها الملك " طمعا منه في نصرة الأقصى والقدس ليهب صلاح الدين وقد اغرورقت عيناه بالدموع نجدة وحمية ، ولعل هذه كانت من أوائل النماذج الوطنية المباشرة التي تحدثت عن ارض وقضية في الشعر العربي ، ثم لا يجب أن نغفل عددا من القطع الأندلسية التي بكت الأندلس ردحا من الزمن ولكن دونما جدوى منها ، وحتى إذا ما امتدت الخلافة لتصل إلى الأتراك العثمانيين وجدت أيضا في مصر شوقي يصدح وضمن هذا الباب مهللا لحروب السلطان العثماني وانتصاراته :



الله اكبر كم في الفتح من عجب يا خالد الترك جدد خالد العرب



ولعلنا ندرك أن العصر الحديث هو أهم شاهد على دور الشعر في مؤسسة النضال المباشرة وتحفيز الجماهير على الالتحام بقضيتها الوطنية والنصرة لها والتغني بالأوطان وأمجادها وتوثيق أيامها وكفاحاتها وهذا ليس فيما اعتقد حكرا على العرب بل انه في شعر الآخرين أيضا ويكفي أن ندلل على أهمية هذا الشعر وشعرائه بمثال من فيتنام مباشرة إذ أن القائد الموهوب هوشي منه كان اعظم شعراء الفيتنام وأكثرهم تغنيا بوطنه وقضيته .



إذن فهذه المؤسسة في تعبيرها المكثف المباشر إنما كانت ثمرة لعصر قريب حينما كانت معظم الشعوب وبضمنها الشعوب العربية والإسلامية تخوض معاركها الخالدة ضد الاستعمار الخارجي والاستغلال الداخلي والأمثلة كثر ولا شك إلا أن أكثرها بروزا إلى الان كما الشعر العربي الذي تناول قضية العرب والمسلمين الأولى في العصر الحديث فلسطين.



أما آخر هذه المؤسسات فالشعر العقائدي الفكري الذي يدعو إلى قضية بعينها ولربما كان هذا النمط من الشعر أكثرها وضوحا منذ أن بدا وذلك لان قضيته محددة ، والنظر لن يدعنا طويلا حيارى حتى يدلنا على عدد من النصوص القديمة والحديثة التي تدلل على هذا النوع وتصلح له أمثلة جيدة ، وكما أسلفنا فان القضية الخالدة أي قضية علاقة الإنسان بربه كانت منذ الأزل هاجسا له في فكره وحياته ، ولعل أول النماذج الدعوية الإسلامية هي تلك التي تقابلك على لسان حسان بن ثابت شاعر الدعوة الإسلامية ، ثم لا تفتا تريك شعر عبد الله بن رواحة وغيرهم من الصحابة في حياتهم المجاهدة ، ولعلك لم تنس شعر الزهد والمتصوفة وغيرهم من المتأخرين ، ثم لن تلبث أن تقرا في مختلف العصور نماذج دعوية إسلامية واضحة تتعدى الزهد إلى فلسفة الدين الإسلامي الحياتية ، ولربما اعترضتك قصائد لجماعات إسلامية كانت إفرازا تاريخيا ذا صبغة دينية اشتطت عن الجماعة كالرافضة وغيرها من الجماعات ، وفي عصرنا هذا نجد أن الحركات الإسلامية قد أفرزت شعرا دعويا خاصا بها وشعراء كثر قاموا بالمهمة المحددة من جديد خير قيام .



وكما أن هنالك شعرا اهتدى شاعره إلى القضية الأساس برؤية واضحة فان هنالك من اتخذ له فكرا شاذا من وجودية أو الحادية ومهما تعددت الأسماء فالنتيجة واحدة وقام ينتصر لهذه الفكرة شعرا ويطعم شعره بها عاكسا هذه القناعات ومحاولا أن يكون لها حلفا من المتلقين أيضا . ولربما ألبست مثل هذه الأفكار لباسا وطنيا أو سياسيا لإحالة اسمها إلى الشعر السياسي ولكن جوهرها لا يزال على حاله ومن السهل الوصول إليه في اغلب الأحيان ، وهذا لن يعدم أن يستفاد من القيمة الفنية والوطنية إن وجدت في مثل هذا النمط إلا انه لا يؤخذ جملة على الإطلاق.



ولعلنا قبل أن نختم هذه الورقة نشير إلى أن أبا تمام في الحماسة قد صنف الشعر إلى عشرة أبواب فيما ذهب عبد العزيز بن أبى الإصبع إلى قسمتها إلى ثمانية عشر وذكرها على النحو التالي " غزل-وصف-فخر-مدح-هجاء-عتاب-اعتذار-ملح-ادب-زهد-خمريات-مراثي-بشارة-تهاني-وعيد-تحذير-تحريض-باب السؤال والجواب" ، وهو تقسيم على ظاهر النص ويختلف عن قاعدتنا التي اعتمدناها هنا على أية حال.



إذن تحدثنا هنا في هذه الورقة عن وظائف الشعر وأدواره المختلفة من حيث هو مقصود بأداء وظيفة معبر عن علاقة ما اجتماعية أم فكرية أم إنسانية وهو ما ننبه عليه إذ أن ما تحدثنا عنه يبدو من حيث هو دور شعري كصنف محدد بذاته وسنأتي على الحديث لاحقا حول المشكلات التي تواجه الشعر والشعراء العرب في العصر الحديث سواء من داخل البيت الشعري أم من خارجه ونحاول الإجابة على السؤال هل فقد الشعر وظيفته ؟ ، فإلى الورقة التالية لاحقا إن شاء الله .







الشاعر/ايمن اللبدي

1/1/2001