PDA

عرض كامل الموضوع : الليلة الكبيرة لم تبدأ بعد لـنادين البدير



مقالات اليوم
16-03-2015, 05:15 AM
الليلة الكبيرة لم تبدأ بعد



بقلم نادين البدير




(الليلة الكبيرة لم تبدأ بعد) هكذا أرعبنا فاضل الربيعى، المؤرخ الكاسر للتابو، وهو يختم مقالته عن حفلة الجنون المستقبلية بالشرق الأوسط، كما يتوقعها، على ضوء مجريات ما يحدث من مجازر وتقطيع أوصال بشرية وجغرافية وأحاديث لا تنتهى عن تقسيمات وإعادة رسم خرائط.

«الربيعى» الذى أدهشنا بكتب تقول إن كثيرا من التاريخ المتداول باطل. المؤرخ الذى تصدمك صفحاته، ويجبرك على إعادة قراءة كل صفحة قبل الانتقال للصفحة التى تليها، محطم الكلاسيكيات وتقاليد المؤرخين الجامدة، وواحد من أكثر العرب دراية بأصلنا وفصلنا، يخبرنا اليوم أن الليلة الكبيرة لم تبدأ بعد.

فماذا نفهم منه؟ وصولنا لمرحلة اللاعودة؟ هل يتوفر لنا خيار آخر عدا أن نشد الرحال أو نمسك معولاً ونشارك بالهدم؟

أحاول تخيل الربيعى (الذى اعتمد بكثير من مستنداته على منحوتات الحضارات القديمة) متسمراً بألم أمام مشهد الآثار، أو الأصنام كما سماها الهادمون، وهى تتمايل وتطعن وتقطع وتكسر وتمسح أى أمل بزيارة المؤرخ لها وتحليل الأسطورة من خلال النحت. وفيما كان المعول يهدم آثار الحضارات فى الموصل، كان المعول الفكرى نفسه يستخدم بمعرض الكتاب بالرياض ليدافع عن هدم آثار العراق.

قبل سنوات كتبت مقالات عن هدم الثقافة إحداها عنوانه (فى معرض الحرام) لأن معرض الكتاب بالنسبة لفئات هو معرض للحرام، تباع فيه كل المنكرات وتتجسد به الهرطقة والكفر بعينهما. وكثيرا ما خصصت حلقات تليفزيونية لمناقشة قصة معرض الكتاب، وظاهرة المحتسبين الذين يدخلون إليه آمرين ناهين بدون أن تكون لهم صفة رسمية. لكن مع السنوات تبين لى أننا ندور فى دوامة، إذ نناقش نفس الأمر سنويا ولا يتغير شىء، لا المحتسبين توقفوا عن تشنيعهم ولا النظام اتخذ إجراء حاسماً. يدخل المحتسب أى مناسبة فيجول ويصول صارخا مخرباً لذة المعرفة بكل حدث ثقافى، لأن الثقافة برؤيته تكوين معاد للأديان. ولا يكتفى الكون بتسليط المحتسبين على المجتمع ليضمن قطيعته مع الثقافة، بل يتكالب مع يد الرقيب الرسمى الذى يمنع أى كتاب لا يتوافق وهواه الشخصى.

الربيعى كتب عناوين صادمة كثيرة منها (المسيح العربى) و(القدس ليست أورشليم) فكيف يمكنه صياغة مجريات الأحداث الحالية إذا قرر بعد خمسين أو مائة سنة أن يصدم جمهور المستقبل.

ستعاد القصص نفسها.. الصراع الفارسى مع العرب، الفتن الطائفية والمذهبية والاتهام بالهرطقة وجدالات مؤسفة حول قيم الحداثة. ذات القصص لم تتغير بذات المنطقة منذ قبل الميلاد.

كل الدول الغربية نجت من احتلال الجمود ونحن لم ننجُ. ورغم الادعاء بالتمسك بالأصول فليس لدينا نية العودة للوراء ولآلاف من سنوات الرقى القديم، بل ننحو منحى بشرية عدماء جديدة، اللاشىء هو أساسها، اللاشىء هو التكوين واللاشىء هو التطلعات واللاشىء هو القراءات والاهتمامات.

ادخلوا مواقع التواصل وراقبوا كيف يدور الجميع فى فلك اللاشىء..