PDA

عرض كامل الموضوع : لماذا البهائيه دين؟



سلطان المجايري
17-12-2006, 08:29 PM
لماذا البهائيه دين ؟

البهائيه دين



لا خلاف أن غاية الدين هي الوفاق والوداد بين البشر,ومع ذلك جعله الناس منذ بداية الخليقة مصدرا للشقاق والجدال والقتال,علي الرغم من تناقض ذلك مع الطبيعة الروحانية لجميع الأديان التي يركز جوهرها علي التراحم والبر والإحسان,فالدين يفرض حسن معاملة الغير.وقد يكون السبب وراء التحيز والتعصب ما تلقيه قداسة الدين في روع أتباعه من امتناع البحث الحر في معتقداته,إلي جانب ما يفرضه التقليد المتوارث من أخذ تعاليم الدين عن رجال متخصصين دون تحليل أو تمحيص,وكلا الأمرين معدوم الأساس,ومؤداهما ضعف نفوذ الدين ذاته,وتسلط التعصب علي أفكار الناس.ولو واجه كل فرد نفسه اليوم باحثا عما حمله علي اعتناق دين دون غيره,وعما يثبت صدق الدين الذي اعتنقه لأدهشه الجواب.وقبل أن يفيق من دهشته يأتيه سؤال آخر وهو:إن كان هذا الدين الذي اعتنقه حقا فلماذا لم يؤمن به الآخرون؟ ولماذا يعترض عليه أصحاب الديانات الأخري؟.
إن الناظر في تاريخ الأديان,والمدقق في تسلسلها يري أن التاريخ يعيد نفسه,وأن الاعتراض علي الأديان يسير علي نفس المنوال والنسق,ويدرك أن رؤساء الدين السابق في كل زمان هم أول من يقومون بالاعتراض,ولا يسعهم إلا تكفير كل من يؤمن بهذا الدين,فهم يؤمنون فقط بما سبقهم من رسالات,لأنها جاءت صريحة في كتابهم,أما ما يأتي من بعدها فيعتبرونه ضلالا وافتراء,هذا علي الرغم مما في كتبهم المقدسة من تحذير بأن لا يسلكوا مسالك التكذيب والعصيان,وأن لا يكونوا حائلا بين الله وعباده,كما امتلأت الكتب السماوية بقصص الأقوام الغابرة,وكيف كانت عاقبة تكذيبهم لرسلهم واعتراضهم عليهم,مع التلميح إلي الكوارث التي حاقت بهم لرفضهم الدين الجديد من دون بينة ولا كتاب منير.ولكن مازالت المأساة تتكرر في كل ظهور فيقيسون الرسالة التالية بما تهوي أنفسهم ويسعون للقضاء عليها.
وهكذا نري أن ما دأبت عليه الأوساط الدينية هو نبذ معتقدات الغير دون ترو في بحثها,وذلك نتيجة لعدم تطبيق معايير موضوعية لتعريف الدين علي نحو علمي,ولتمييزه عن غيره من الحركات الفكرية,والمذاهب الفلسفية.فغياب المقاييس العقلية المجردة يسهل سيطرة العواطف والميول الشخصية في الحكم علي ما يدور في وجدان الآخرين.ومن هذه الأحكام ما خرجت به بعض الصحف مؤخرا عن البهائية,وعلاقتها بالأديان الأخري في أعقاب حكم القضاء الإداري باستلزام القانون إثبات الدين البهائي كغيره من الأديان في شهادات الميلاد والبطاقات الشخصية للتعرف علي حقيقة الانتماء الديني لصاحب البطاقة.فأثار هذا الرأي القانوني التساؤل عما إذا كانت البهائية دينا,أم مذهبا,أم حركة فكرية؟ ولذلك نبادر بعرض بعض المعايير التي يمكن الاعتماد عليها في التعرف علي الطبيعة الروحانية لهذا الدين,مع الإقرار سلفا بصعوبة الاعتماد علي الأدلة العقلية وحدها في مجال يختص به الفؤاد,ويحكم عليه الضمير,وتطوف حوله مشاعر الحب والولاء:
1- أهم ما يميز الدين -أي دين- هو الإيمان بوجود خالق مدبر للكون فوق عالم الطبيعة,مسيطر علي العالم المشهود,إله لا شريك له ولا نظير,وجوده المهيمن عزيز علي الوصف,ومستعص علي الإدراك,وجود فريد ممتنع علي العقل البشري المحدود,لأن البون الفاصل بين علو الواجد ودنو الموجود مانع للإدراك,وهذا في صلب ما يعتقده البهائيون,وقد أوجزه عبد البهاء -المبين لرسالة بهاء الله- بشكل مبسط في مقتطف نشرته مجلة وادي النيل في الثاني من محرم سنة 1330:
فإذا كانت حقيقة الجماد والنبات والحيوان والإنسان حال كونها كلها من حيز الإمكان,ولكن تفاوت المراتب مانع أن يدرك الجماد كمال النبات,والنبات قوي الحيوان,والحيوان فضائل الإنسان,فهل من الممكن أن يدرك الحادث حقيقة القديم ويعرف الصنع هوية الصانع العظيم؟
2- ومع ذلك التفاوت بين الغيب والشهود يركز الدين علي دوام الرابطة الوثيقة بين الله والخلق,فمنه تستمد الكائنات نشوءها وبقاءها ومنتهاها بتبعية لا تعرف الاستقلال,ومن عليائه يتنزل الهدي للإنسان,وعليه اعتماده,وبه رجاؤه,وله مآله,ولكن التلقي المباشر ممتنع,والواسطة بينهما رسل مرسلة تحكي عن الحقيقة الخافية,وتظهر مشيئتها وتفرض عبادتها,وتحذر من عاقبة العصيان في الآخرة والأولي.فهل يوجد في البهائية خلاف هذا؟ يقول بهاء الله:
إن جميع الأنبياء هم هياكل أمر الله الذين ظهروا في أقمصة مختلفة,وإذا ما نظرت إليهم بنظر لطيف لتراهم جميعا ساكنين في رضوان واحد,وطائرين في هواء واحد,وجالسين علي بساط واحد,وناطقين بكلام واحد,وآمرين بأمر واحد.وهذا هو اتحاد جواهر الوجود والشموس غير المحدودة والمعدودة.
3- وعبودية الإنسان لخالقه واعتماده عليه تستلزم ذكره وعبادته وتقواه فيجعل الدين مواقيت لها وشروطا,ومناسك لأدائها,فهي جوهر علاقة العبد بربه,لذا نجد للعبادات في كل دين أركانا أساسية يقوم عليها,مثل الصلاة ولكنها تختلف من دين إلي دين,والصوم أيضا يختلف في كل دين عن الآخر,وهكذا في الزكاة والحج,فهذه الأركان مع أنها من الثوابت,ولكن طريقة أدائها تختلف من دين إلي آخر وتغيير أسلوبها من دين إلي دين رغم ثبوتها هو تأكيد لاستقلاله,حيث إن لكل دين أماكنه المقدسة,ومناسباته الخاصة به.
لقد جاء في الكتاب الأقدس:قد فرض عليكم الصلاة والصوم من أول البلوغ أمرا من لدي الله ربكم ورب آبائكم الأولين.
4- ويشرع الدين -فضلا عن العبادات والأوامر والنواهي- أحكاما للأحوال الشخصية وما يتبعها من روابط ضرورية لبناء الأسرة,التي هي الوحدة الأساسية في كل المجتمعات,وعلي قدر قوة بنائها وتماسكها يتوقف البناء الاجتماعي للأمة بأسرها.والمطلع علي الأحكام التي جاء بها الدين البهائي بخصوص الزواج والأسرة يجد أنها لا تختلف كثيرا عن المعمول به في معظم الشرائع,فهي تشترط رضاء الطرفين,ووالديهما,ولكن تفرض الاكتفاء بزوجة واحدة,وإبعاد احتمالات الطلاق وإتاحة الفرص للتوفيق بين الزوجين وذلك بإرجاء الطلاق لمدة سنة كاملة.
5- ويشترط الدين أن يكون الانتماء إليه عن رضا حر دون إكراه أو إغراء أو تأثير,بعد البحث والاستقصاء بالقدر الذي يجلب الاطمئنان لقلب كل فرد.ولو أن حقيقة الدين لا تقاس بتعداد أتباعه,إلا أن انتشار الدين البهائي خلال قرن ونصف القرن في أقصر بقاع الأرض,وتأثير كلمته الخلاقة وقدرتها علي اقتلاع جذور الشحناء والبغضاء من بين الذين آمنوا به,وبعثهم في خلق جديد تسوده إخوة صادقة,هو خير شاهد علي تأثير الكلمة الإلهية الموحدة,وعلي نفوذ القدرة الكامنة في تعاليم هذا الدين,وهو خير مذكر لحاجة عالم يئن من تفتت وحدته وتشتت أفكاره إلي الهداية التي جاء بها هذا الدين,والتي هي في حقيقتها الدرياق الشافي لما يعتريه من أمراض.
6- ومن أسس الدين أن الإنسان مسئول عن أعماله خيرا كانت أم شرا,ولو أنه قد يلقي بعض الثواب أو العقاب في الحياة الدنيا,ولكن حسابه الكامل يكون بعد الموت.فلنتأمل ما تفضل به حضرة بهاء الله في الكلمات المكنونة:حاسب نفسك في كل يوم من قبل أن تحاسب لأن الموت يأتيك بغتة وتقوم علي الحساب في نفسك.
7- ومن خصائص الدين أيضا إخباره عن أحداث الماضي والإفصاح عن رؤاه للمستقبل مخبرا بيقين راسخ عن نبوءات تزداد بتحقيقها قلوب المؤمنين اطمئنانا,ويري فيها المتشككون بينة قاطعة.وقد أنبأ بهاء الله في ألواحه المرسلة إلي ملوك الأرض ورؤسائها في عام 1868 وهو في سجن عكا بما ستؤول إليه أحوالهم والانقلابات التي ستقع في العالم سواء بضياع الملك من أيدي أولئك الملوك الذين لم يستجيبوا للنداء الإلهي,أو بانقضاء عهد الكهنوت الذي حال بين الناس وبين التوجه إلي الله.ولنأخذ علي سبيل المثال إنذاره لنابليون الثالث بأن عزه زائل وأن الذلة تسعي عن ورائه,إلا أن يتمسك بحبل الله المتين,وقد تحقق هذا قبل مضي عامين علي هذا التحذير,حيث خسر نابليون الحرب البروسية واستسلم لبسمارك في أوائل سبتمبر 1870 وثارت باريس عليه بعد ذلك بيومين وخلعته,وبقي سجينا حتي عام 1871 ثم قضي نحبه في منفاه,ومن بعده فقد بيوس التاسع السلطة لنفسه ولخلفائه وانحسر سلطانه في مدينة الفاتيكان,كما فقد السلطان عبد الحميد الخلافة والملك,وقتل ناصر الدين شاه علي يد واحد من أنصار الأفغاني,وهكذا هتكت حرمة سلاطين ذلك الزمان واجتث ملكهم وزال إلي غير رجعة.
خلاصة القول إن أحداث العالم وأحواله سارت في الوجهة التي عينها بهاء الله فتحررت الشعوب واستقلت,وفقدت أوربا منزلتها القديمة,وتشكلت المنظمات الدولية,وتأسست محاكم لحل المنازعات بين الدول بالطرق السلمية,والتزمت الحكومات دوليا باحترام حقوق الأفراد الموجودين علي أراضيها,وانقضي عهد الرق ونظام الإقطاع والسخرة والاستعمار,وبدت في الآفاق نواة لنظام عالمي علي النحو الذي رسمته رؤية حضرة بهاء الله.ومازالت أمور العالم توالي هذه المسيرة بخطي حثيثة حتي تستكمل الشوط وتؤول إلي ما أنبأ به.ولكن حذار من أن يظن الناس أن هذا البناء المادي مهما بلغ من الدقة والإتقان أنه ما جاء الدين البهائي لتحقيقه فقط,وإنما هو هيكله الخارجي وأداته المادية,أما جوهره الذي أسماه بهاء الله الصلح الأعظم فلا يتحقق إلا بإقبال أهل العالم طواعية إلي إسلام الوجه لله والاستجابة إلي ندائه والسلوك في سبيله علي النحو الذي أنزله علي لسان مبعوثه إلي العالم في هذا العصر.
هذه أساسيات أية رسالة سماوية,ولكن لا يعني ذلك تسليم السلطات بحقيقتها في وقت ظهورها,سواء أكانت تلك السلطة دينية أم سياسية,فقد رفض فرعون رسالة موسي محذرا قومه بأن موسي جاء ليبدل دينهم,وحرض علي قتله مدعيا أن يوسف عليه السلام هو خاتم المرسلين,فهل أوقف اعتراض فرعون وحكمائه انتشار الشريعة الموسوية وشيوعها؟ ولكن ما لبث قوم موسي أن كرروا الخطأ نفسه عند ظهور المسيح فهاج علماؤهم وماجوا,ورفضوا قبوله وحكموا عليه بالكفر,وعلي رسالته بالبطلان.وبالنظر إلي الرسالة المحمدية,من الذي رفضها ولايزال يحكم بعدم سماويتها حتي الآن؟.ونخرج من ذلك بأن الديانة اليهودية تأسست بناء علي قول موسي وحده إلي أن شهد لها المسيح,كما تأسست المسيحية بقول المسيح وحده إلي إن شهد الإسلام بصدقها كديانة سماوية,لذا فإن الديانة البهائية لا تتوقع أن يشهد لها الرؤساء ورجال الدين,لأنهم يعترفون بما سبق دينهم من أديان,ويرفضون كل ما يأتي من بعد,وهذه سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا.
هذه هي جملة العناصر التي توفرت في الأديان السماوية السابقة علي نحو منتظم وبها تميزت الأديان عن غيرها من الحركات والمذاهب الفكرية,ومن ثم يمكن اتخاذها قسطاسا للحكم وتمييزا للدين عن غيره بطريقة موضوعية لا مكان فيها للميول الشخصية,وقد أوردنا ما يؤيد وجود كل عنصر من هذه العناصر في الديانة البهائية مما يحسم الخلاف حول طبيعتها ويؤيد أنها شاملة لكل العناصر التي احتوت عليها الأديان السماوية الأخري.وهذا ما دفع أكثر من مائة وستين دولة إلي الاعتراف بالدين البهائي,وقبول هيئاته الإدارية علي أنها هيئات دينية كما اعترف العديد من المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني في أطراف المعمورة بأن الدين البهائي دين مستقل عن غيره من الأديان.
فإذا استبعدنا الفتاوي التي تستند إلي الميول الشخصية واعتمدنا في أحكامنا علي المقاييس الموضوعية انتهينا إلي أن البهائية تشترك مع غيرها من الأديان فيما حوته من عبادات ومعتقدات وحدود وأحكام,ويتحتم بناء علي ذلك الإقرار بأنها ديانة قائمة علي ما تقوم عليه الأديان من أركان .
ولا يجرمنكم شنآن قوم علي ألا تعدلوا,اعدلوا هو أقرب للتقوي.



لمزيد من المعلومات]
http://www.bahai.com/arabic/[/COLOR][/SIZE]