PDA

عرض كامل الموضوع : الأمانة الغبية لـمشعل السديري



مقالات اليوم
25-03-2015, 05:15 AM
الأمانة الغبية


http://www.aawsat.com/01common/teamimages/339-alsudairy.gif
بقلم مشعل السديري




أحد أصحاب الدكاكين الصغيرة في بلده بجنوب اسبانيا، ويبيع فيها كل ما هب ودب من (الإنتيكات)، ابتداء من الأبواب الخشبية العتيقة، وانتهاء بالحلي والمجوهرات (الفالصو)، بل وحتى الأحذية التي أكل الدهر عليها وشرب قبل أكثر من ثلاثة قرون اجدها عنده.
وبحكم انني رجل عتيق ومعتق، وشغوف بكل ما هو قديم ما عدا النساء، لهذا نشأت بيننا ما يشبه الاستلطاف، لهذا وكلما وصلت إلى تلك البلدة اول ما افعله هو ان اتوجه إلى دكانه، وهذا ما حصل بعد غياب ثلاثة أعوام، وعندما وصلت الى دكانه، صدمت عندما شاهدته مغلقا، وأول ما خطر على بالي انه مات.
وسألت من كان بجواره في الموقع: متى مات (باكو) ؟!
استغرب من سؤالي قائلا لي بما معناه: لقد فتح الله عليه، ولديه الآن (بوتيك) في ارقى شارع في البلدة، وتعجبت من كلامه، ولكنني اخذت العنوان وذهبت اليه مشيا.
وما ان دخلت عليه حتى قفز من كرسيه فرحا واخذني بالأحضان قائلا لي بما معناه: الحمد لله انني شاهدتك، لأنني ظننت انك مت، فلقد مرت علينا ثلاثة اعوام لم نر بعضنا بعضا.
ذهلت من (بوتيكه) الرائع، الذي مساحته تزيد من مساحة دكانه التعيس ذاك بعشر مرات، ولاحظ هو مدى دهشتي من تغير حاله، وله الحق بأن يدهش، فإيجار المحلات في ذلك الشارع هي (بالشيء الفلاني).
احضر لي كرسيا وهدأ من روعي وطلب مني ان اجلس، وسألني ماذا اشرب، فقلت له: (سفن اب) مع قليل من مكعبات الثلج، ونادى على موظفته الحسناء، واحضرت لي طلبي وهي تترقوص على صوت الموسيقى المنبعثة من آلة التسجيل.
وقبل أن أسأله قال لي: أكيد انت تريد ان تعرف عن هذا الانقلاب الذي حصل بحياتي.
رددت عليه بهزة من رأسي دون ان اتكلم.
فقال لا فض فوه: الحكاية وما فيها: ان سائحة امريكية اشترت عقدا قديما مغبرا من دكاني القديم الذي انت تعرفه، وبعتها اياه بألف وثلاثمائة يورو، وفرحت يومها فرحا عظيما إلى درجة انني عزمت ليلتها كل اصحابي في احد المرابع على حسابي وسهرنا الى ساعة متأخرة من الليل.
وكدت أن أقول له: يا ليتني كنت معاكم، ولكنني سألته عن الأهم الذي غير حياته.
فقال: انني لم اجد هناك اكثر امانة وغباء من تلك السائحة التي اشترته، سألته: كيف ؟!
قال: انها بعد ثمانية اشهر تقريبا، اعادته لي قائلة: انني بعد ان فحصت عليه اكتشفت ان فصوصه من الألماس الحقيقي، وانبني ضميري وها انذا اعيده لك، وارجوك رد علي ما دفعته لك.
وختم كلامه معي قائلا: هل تصدق ان ذلك العقد قد بعته فيما بعد (بمليون يورو) الا قليلا ــ انتهى
قد يعتقد البعض ممن يقرأ كلامي هذا انني اسرح بهم، غير ان هذه هي الحقيقة بدون حلفان.
ولكن هل يوجد في هذا الزمن أمانة غبية مثل تلك الأمانة ؟!
يا بعدها عني.
رابط مختصر :