PDA

عرض كامل الموضوع : فكرة وسط الطوفان لـسامي الفليح



مقالات اليوم
31-08-2015, 05:15 AM
فكرة وسط الطوفان



بقلم سامي الفليح




تلاشى الحس التحريضي ذو الطبيعة الثورية بشقيه القومي العلماني الممانع والإسلامي الحزبوي الحركي الصاعد مع "الربيع العربي"، أعاد نجومه تموضعهم بذات الشعارات، عاد الفريق الأول للحديث عن دراسة التجربة واستخلاص السلبيات، وكون الخطأ في الممارسات لا الأفكار، وأن صعود الحركات المتطرفة بطابعها العنيف مرحلة أولية ونتائج مباشرة مؤقتة، يليها تبلور الديموقراطية كممارسة، وتجذرها لاحقا كثقافة في المجتمعات العربية، ومن ثم الانتقال إلى مرحلة المجتمعات المتعددة المؤمنة بأفكار الشراكة والنقد.
الغريب أن الفريق عينه يتباكى الآن على ما كان ينتقده سابقا حول أفكار كالمواجهة والوحدة في المصير واستقلالية القرار. أصبحت الدولة القطرية التي كان يراها من عوامل الانتكاس والتخلف والديكتاتورية ماضيا مقابل التشظي والتجزئة والتقسيم وسيادة العنف، سورية والعراق وليبيا والسودان ولبنان مجرد ذكريات في قواميس الجغرافيا والسياسة بسبب أشياء كثيرة وممارسات خاطئة أكثر. كل الذين يكتبون ويتحدثون ويحاولون التأصيل لما هو مقبل يعجزون عن تفسير ما هو قائم الآن، يطلبون تدخل الدول الكبرى في ملفات المنطقة المشتعلة في حين أنهم كانوا قد أنكروا ذات الطلب على الآخرين في ما مضى وهذه تناقضات فاخرة.
أما الفريق الثاني فكمن للظروف وتقبل الهزيمة، ويحاول البحث عن مظلات إقليمية جديدة تعيد تأهيله، بعد يقينه أن الفرصة ضاعت، وأن الأوراق كشفت وأن هناك قوى مؤثرة إقليمية ودولية تتحكم في مفاصل المسائل لا يمكن أن تسمح بسيادة المزاج الفوضوي بشعاراتها الشعبوية التي ساقتها خلال صعودها الصاروخي؛ مجددة تبريرات قديمة حول مؤامرات خارجية وخيانات داخلية أدت إلى انتكاسات وتراجعات فيما تظنه قدر مجتمعات المنطقة والذي ادعت أنها تمثله بكل أدبياتها وأفكارها، حيث كشفت التجربة وبالبرهان فشلها وطفولتها الفكرية والسياسية، وغياب بوصلة حقيقية لإدارة الدول والاستجابة للعصرية، وأن صناعة وإدارة مؤسسات الدولة ليست كتوجيه الكوادر الحزبية والنشاطات الاجتماعية والتنظيمية المحدودة على مناصريها، لكنها في المقابل تحاول استثمار مزاج طائفي متزايد وحاد لدى الناس، ترى في الأمر فرصة للتكسب.
وسط هذا كله تظل فكرة التنمية والبناء والحفاظ على استقرار المجتمعات عبر ترسيخ مؤسسات الدولة وتطوير أداء الهياكل الحكومية مشروعا يتنامى ويحقق مكاسب أدركناها وسط هذا الطوفان الكبير الذي اجتاح المنطقة، وعبث بدولها محيلا إياها مزقا وشظايا سياسية وجغرافية وإنسانية.