PDA

عرض كامل الموضوع : عش سعيداً ومت فانياً لـنادين البدير



مقالات اليوم
13-10-2015, 05:15 AM
عش سعيداً ومت فانياً



بقلم نادين البدير




فسر لى قانون توزيع السعادة. وهل سنكون سعداء بعد موتنا؟
مقالات متعلقة


سمعة الكرة أم سمعة مصر
(://:0/News/Details/825317)
نصيحة أخيرة لصديق قديم
(://:0/News/Details/825300)
لا تُحاكموا «السبكى»!
(://:0/News/Details/825299)



أجابنى:

- نامى وأجلى النقاش للصباح.

- كيف يتمدد حجم الكون ويضمر عمر الإنسان وتتقلص سعادته؟..

- ما أعلمه أن المقادير تتوزع بالتساوى.

- تقصد أن الفارق هو مكيالنا؟

- هذا تصور مريض. السعادة لا مكيال لها.. لا تسألى.

- كل خلاياى غارقة فى السؤال.

أجبنى: ماذا كنت تحلم وأنت صغير؟ بعالم محدود كبائع يلازم بقالته أو يكون عالمك الدنيا بأكملها؟

- الدنيا…

- لحظة. فكر قبل أن تجيب.

لى جار أسافر عنه طويلا. أعود فأجده فى شرفته صباحا وقبل المغيب، يخرج لمخبزه ويرجع بنفس الميعاد. ظننت أن حياته لا تتقدم. فابتعدت عن خطه خوفا من الجمود. إذ مستحيل أن تلقانى بذات المكان طوال العام. لم أحلم بحياة ضيقة كمخبزه، أردت الملكوت بأكمله.

فمن منا الأكثر سعادة؟

أنا التى اختارت الخط المستقيم للأمام دون تكرار للأفعال والمشاهد، أم هو بحياة الدوائر؟

- بالطبع نحن..

- لماذا؟

- لأننا أحرار.

- هل الحرية تقود للسعادة؟

- الخط المستقيم لا يتحدد بدوائر تحصر العقل بمكان واحد ووجوه لا تتغير. تقابلين أناساً مختلفين، تدخلين مدناً وقرى مختلفة. تقرئين كتباً مختلفة.

- أعرف، أنا أعيش اللامحدودية التى تحكى عنها. فمن منا الأكثر سعادة؟

- إن اخترت الطريق فستجدين به البهجة.

- ماذا لو كنت أقدر نفسى بطريقة خاطئة. وأنى كنت سأفرح داخل الدوائر المغلقة لكنى سلكت الخط المستقيم، لأنى وجدته خياراً منطقياً؟

- عيشى حياة الدوائر إذاً.

- لكن الخط المستقيم لا يعود أبداً.

- لِمَ ترهقين نفسك بالبحث عن السعادة؟ انسيها. السعادة كلمة اخترعناها لأننا نهوى الاضمحلال أمام البؤس. اسأليهم. كلهم سيجيبون بوجع: نسمع عن السعادة ولا نعرفها. أما المحافظون فسيخفون تعاستهم وراء إيمانهم بالقدر.

لأنها ببساطة تصور بشرى عن سعادة إلهية.

ما تسميه بؤساً اسمه الحقيقى حياة. فأن تختارى الحياة يعنى أن تتكبدى الأثقال وتتحملى المآسى كما الأفراح. ستصادفك ضحكات وبكاء. لا شىء ثابت سواك. الخير والشر متلازمان كما السعادة والحزن. هذه الحالة من التتابع قد تزعجك فتسميها تعاسة.

- هذا يؤكد حيرتى فى بخل الكون المتمدد.

- لست نداً للكون. أنت جزء من أجزائه. ويبقى هو الخالد.

لن تستوعبى قولى لأنك تعيشين المدن. لكن اذهبى للطبيعة، زورى الأنهر والسهول والغابات. تسلقى السفوح والقمم المغطاة بالثلوج. ادخلى الكهوف والأماكن العذراء، هناك ستقنعين بخلقك وتجيبين عن السؤال الحائر: لِمَ أنك الوحيدة التى تملكين الوعى الذى لا يريد أن يصمت على حقيقة فنائك السريع ويتمرد على هذه القسمة غير العادلة؟

فى المساحات بعيدة الأزمان. حيث الصمت إلا من موسيقى الخالق، ستكتشفين أن الطبيعة باردة لا تهتم. لا شىء هناك يكترث لكونك امرأة مضطهدة أو لكفاحك السياسى أو نضالك الاجتماعى، ولا شىء يكترث لانشراحك أو غضبك. الشلالات مستمرة منذ أن تقرر جريانها، وأشجار عمرها الألف عام تسكن بهدوء.. وجبال متعالية، على قناعة تامة أنها تملك الأرض وتحفظ استقرارها، أنك بدونها لا شىء. بحيرات وأنهار وضفاف لا تقدر مأساتك. حالة عجيبة من الجمال البارد والسلام البارد. لا تشردى بذهنك لعالم الشعر البشرى والرومانسيات المتعبة التى تعشق خلط المتعة بالألم. لا تصفيه بالجمال الحزين. افهميه جمالا وفقط. اللون الأخضر حقيقى والتراب حقيقى والسماء حقيقية وكل قطعة تبدو بشكلها الحقيقى. وينعدم التفكير بما سيؤول له المصير.

- لأنها لا تملك الوعى.

- لأنك تملكين الوعى توقفى عن العويل. أو اسألى الطبيعة عن سر الخلود. عيشى معها بعزلة. لعلها تدلك على وصفة التحول لغصن أو حيوان أو جبل صامد.

- لكنى لحظتها سأفقد ميزة الوعى بتحقيقى لحلم الخلود. ولن أملك شفاة لأبتسم أو أضحك. هذه قسوة أخرى من الطبيعة.

- لن تملى الشكوى.

-لأنى أملك الوعى.

- الوعى ليس بميزة. الوعى جلب لك الأسئلة الكئيبة. الوعى متمرد ويذكرك بعدم الرضا. لكن تابعى كل ما هو غير واعٍ. تأملى حالة الرضا بأوراقه وجذوره ومياهه وأسماكه وحيواناته وثماره.

- إذن الخباز الذى يدور ولا يعرف الضحك كما أعرفه أو البكاء كما أعرفه راضٍ لأنه غير واعٍ.

- هذه أيضا قسمة أخرى للوعى.

- أتمنى أحياناً أن أعيش كسائر النباتات والطيور والحيوانات. أن أحلم كالبقية. أن أستقر بين شرفتى وعملى مثل جارى. ربما آلمتنى حالة الوعى والطموح اللامحدود.

أريد مشاكل عادية. نهار عادى. حياة عادية.

nadinealbdear@gmail.com (nadinealbdear@gmail.com)