PDA

عرض كامل الموضوع : انهيار مخجل لمؤسسة القمة



wadei2005
31-03-2004, 09:23 PM
انهيار مخجل لمؤسسة القمة

2004/03/29

عبد الباري عطوان

نحمد الله ان قمة تونس العربية انهارت قبل ساعات من بدء اعمالها، حتي تري الشعوب العربية انظمتها الحاكمة علي حقيقتها، ضعيفة، مفككة، عاجزة، وفاقدة زمام المبادرة، وفوق هذا وذاك تعيش حالة من الارتباك الكامل.

نحن لسنا من الذين يبحثـون عن اسباب المهزلة العربية الاحدث في تونس، والعوامل التي ادت الي اتخاذ قرار التأجيل، فهذه مجرد تفاصيل، لأن السبب الحقيقي في رأينا هو تعفن النظام الرسمي العربي، ودخوله مرحلة الاحتضار، او بالاحري الموت السريري منذ فترة طويلة.

جميع القمم العربية التي انعقدت في السنوات الثلاثين الماضية انتهت الي الفشل، والقرارات الانشائية السقيمة، كانت مهرجانات للنفاق والبذخ، وخداع الشعوب، والابتعاد عن القضايا الحقيقية، وهي قضايا الاصلاح الديمقراطي، والقـضاء علي الفساد، واطلاق الحريات، ولهذا فقدت هذه القمم اهميتها وقوبلت باللامبالاة من قبل الشعوب العربية.

فشل قمة تونس كان متوقعا، لسببين رئيسيين، الأول ان قمة شرم الشيخ السابقة انحدرت بالنظام الرسمي العربي الي ادني مستوياته لما تخللها من ردح علني وتبادل للشتائم بين زعماء من المفترض انهم قادة للامة، وقدوة لاجيالها، واسست بهذا المسلك لتقويض العمل العربي المشترك وتدمير مؤسساته، ومؤسسة القمة علي وجه الخصوص.

اما السبب الثـاني فتمثل في المقاطعة الرسمية الخليجية للقمة، وانخفاض تمثيل المملكة العربية السعودية فيها علي وجه الخصوص.

فقبل انعقاد هذه القمة كانت هناك اتصالات مكثفة بين زعامات المثلث السعودي ـ المصري ـ السوري من اجل بلورة مشاريع الاصلاح الشاملة للجامعة العربية والوضع العربي كرد علي مشاريع الاصلاح الامريكية، لنكتشف ان كل الاحاديث عن الاصلاح كانت بهدف امتصاص النقمة الشعبية، وكسب المزيد من الوقت في مواجهة الضغوط الشعبية الداخلية، والامريكية الخارجية.

شاهدنا الرئيس حسني مبارك يطوف بالعواصم الاوروبية مستنجدا بزعاماتها لاقناع امريكا بتأجيل عرض اصلاحاتها علي قمة الثمانية، لأن الديمقراطية ستؤدي الي فوز الاسلاميين، وضاربا مثلا بالجزائر، وما حدث فيها اثناء انتخابات عام 1991، وهو مثل كشف عن جهل كبير بهذه الحادثة، فالجزائريون صوتوا للاسلاميين باغلبية ساحقة احتجاجا علي الفساد ودولة العسكر والمخابرات ومصادرة الحريات، والحرب الاهلية انفجرت في الجزائر بسبب الغاء الانتخابات ومصادرة الاختيار الشعبي الحر، وليس بسبب حدوث الاصلاحات.

والاخطر من هذا وذاك ان القيادات العربية تعارض مشروع الاصلاحات الامريكي لأنه لم يقدم حلا للقضية الفلسطينية، وكأن هذه القيادات تحشد الدبابات علي حدود فلسطين استعدادا لتحريرها، وتتبني المقاومة فيها، تماما مثلما تبنت الدول الافريقية مقاومة النظام العنصري في بريتوريا.

الانظمة العربية تستخدم قـضية فلسطين من اجل السمسرة، والمقايضة بها مقابل بقائها في السلطة، والا ما معني المشروع المقدم من ضلعي المثلث المذكور اي مصر والسعودية لاحياء مبادرة السلام العربية وتطعيمها بمبادرة جنيف، اي التنازل عن حق العودة وثلاثة ارباع فلسطين التاريخية لليهود؟

رد القمة العربية الذي كشفت عنه اجتماعات وزراء الخارجية علي اغتيال شيخ الشهداء احمد ياسين، كان التقدم بتنازلات جديدة لشارون من خلال المزج بين مبادرة الامير عبد الله ولي العهد السعودي ومبادرة جنيف، فقد كان مؤسفا ان نري السيد عمرو موسي امين عام الجامعة العربية يدين علي استحياء شديد جريمة اغتيال الشيخ ياسين، دون ان يسمي الضحية، وحتي عندما ادان بهذه الطريقة المغمغمة جاء من يطالبه بسحب ادانته هذه، والقول بأنه كان يتحدث نيابة عن نفسه، وليس نيابة عن مؤسسة القمة والوزراء العرب، فهل هناك هوان اكثر من هذا!

وكان مؤسفا اكثر ان لا نشاهد وزير خارجية عربيا واحدا، او حتي الامين العام نفسه، يقف وقفة رجولة وشجاعة في مؤتمر صحافي، ويعلن علي الملأ اسباب هذه المهزلة، ويقول لنا ما حدث بالضبط داخل الكواليس، فهؤلاء لا يملكون الشجاعة، لأنهم يمثلون انظمة ظلامية تعودت تزوير الحقائق، مثلما احترفت النفاق، والكذب.
الذين افشلوا القمة، هم الذين قرروا التغيب عنها، او اولئك الذين ارادوا تحويلها بوقا لامريكا وشرق اوسطها الكبير لقتل الاصلاحات الحقيقية التي تطالب بها القوي الشعبية في الديمقراطية وحقوق الانسان، بحيث تكون ارضية لتعزيز الوحدة الوطنية، والتضامن العربي الحقيقي في مواجهة الهيمنة الامريكية والاسرائيلية علي المنطقة.

الذين افشلوا القمة، هم الذين افسدوا كل شيء في منطقتنا، واوصلوها الي هذه المرحلة من الانهيار والتفكك، واهدار المال العام، والمجاعة، والفقر المدقع في كل مجالات الانتاج والابداع.

المشكلة لم تكن ابدا في القمة، او مكان انعقادها، وانما في الزعماء ، الذين يشاركون فيها، واجنداتهم الخاصة جدا في البقاء، وتوريث الحكم لنسلهم، وكل ما يتفرع عنه من قمع واضطهاد ومصادرة الحريات، ونقلها من تونس الي القاهرة او الرياض او الجزائر، لن يغير من واقع الحال شيئا.

التغيير قادم، وبقوة، قادم من الشارع العربي، قادم من المقاومة المشرفة وقنابلها البشرية في فلسطين، وقادم من المقاومة المتصاعدة في عراق الصمود، وهو تغيير ضد الانظمة، مثلما هو ضد اسرائيل وامريكا، ولهذا تتعاون كل هذه الاطراف ضده.