PDA

عرض كامل الموضوع : النفط مقابل الديمقراطية، عنوان آخر للعبة الامريكية



اسود
07-04-2004, 10:22 PM
خلال حملته الانتخابية في العام 2000 حدد الرئيس الامريكي جورج بوش مهمته في حال انخفاض معدلات انتاج الدول المصدرة للنفط قائلا: "ان على الرئيس ان يتصل بأوبك هاتفيا ويقول: اتوقع منكم ا تفتحوا صنابيركم". وهذا ما فعله قبل بضعة ايام. ففي الشهور الاخيرة ارتفع سعر النفط ليتجاوز 30 دولارا للبرميل الواحد، وبقي عند هذا المعدل، صعودا وانخفاضا، وهو معدل يتجاوز ما حددته منظمة الاقطار المصدرة للنفط (اوبك) كسعر معقول وهو بحدود 22- 28 دولارا للبرميل. وكانت المنظمة قد قررت خفض سقف انتاجها بمعدل 4 بالمائة اي ما يعادل مليون برميل يوميا ابتداء من هذا الشهر ، الامر الذي ازعج واشنطن وبدأت تمارس الضغوط لمنع تنفيذ ذلك الخفض. وقد أكد سبنسر أبراهام، وزير الطاقة الامريكي، ان الرئيس بوش اتصل بعدد من زعماء الدول النفطية: "أعلم انه (بوش) تحادث مع اغلب زعماء اوبيك" في محاولة لوقف خفض الانتاج. فذلك الخفض سوف يؤدي الى صعود الاسعار بشكل اكبر، الامر الذي لا تريده الولايات المتحدة. وقد بلغ سعر جالون النفط في الولايات المتحدة 1.74 دولارا وهي زيادة ملحوظة قد تؤثر سلبا على فرص فوز الرئيس بوش في الانتخابات الرئاسية في وقت لاحق من هذا العام. وبالرغم من هذا الصعود، فما يزال سعر النفط في امريكا أقل كثيرا من السعر الذي وصل اليه في 1981 عندما بلغ سعر الجالون 3 دولارات. وهذا يعني ان سعر النفط انخفض كثيرا خلال السنوات الثلاث والعشرين الاخيرة. ويفسر هذا الانخفاض الاوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعاني منها الدول المصدرة للنفط التي تراجعت مدخولاتها في العشرين عاما الماضية بشكل كبير، بسبب الضغوط الغربية خصوصا الامريكية منها. والملاحظ ان هناك سياسة ثابتة لدى واشنطن لابقاء اسعار النفط منخفضة لكي لا تصاب مشاريعها الصناعية بانتكاسة في الانتاج او التصدير.

وهكذا اصبح النفط في الشهور الاخيرة احد جوانب الحرب السرية بين الولايات المتحدة والعالم الاسلامي، او لنقل، احدى اوراق الضغط والمساومة التي تستعملها الولايات المتحدة في اطار لعبة المصالح التي تستعمل المباديء في كثير من الاحيان كوسائل لتحقيق تلك المصالح. فمما لا شك فيه ان اتصال الرئيس بوش بزعماء الدول المصدرة للنفط كان بهدف اجبارهم على عدم تنفيذ قرار خفض الانتاج،وذلك مصداق لاسلوب المساومة. ففي هذا الوقت بالذات هناك انزعاج لدى اغلب الحكومات العربية من مشروع واشنطن الديمقراطي في المنطقة، وهو مشروع لا يعرف مدى جديته، او مدى حدوده في تفكير الامريكيين، ومدى وقدرته على الصمود بوجه الاعتراضات من جانب الانظمة العربية. ومن المؤكد ان المساومات التي تجري من وراء الستار تتحرك في مسارات عديدة من بينها مقايضة المواقف السياسية بأسعار النفط وكمياته. والمشكلة ان الولايات المتحدة، لاسباب تتعلق بثقافة الاستهلاك من جهة والسباقات الانتخابية من جهة اخرى، تتحرك لمنع تصاعد اسعار النفط لان ذلك يعتبر أحد عناوين السياسات المحلية للادارة في البيت الابيض. ولا يريد الرئيس بوش ان يقترب موعد الاستحقاق الانتخابي، بينما هو يعاني من صعوبتين كبيرتين اولاهما تتعلق بحرب العراق، وثانيتهما تتعلق بالوضع الاقتصادي الداخلي. فالانفاق على الحرب أثقل كاهل الميزانية الامريكية، ولم ينعكس على قضايا الامن والاقتصاد. هذه مصاديق الازمة التي يواجهها جورج بوش وتوني بلير بشكل يظهر تارة ويختفي اخرى. وفبرغم المصاريف الباهضة على الحرب واستمرار سقوط القتلى الامريكيين والبريطانيين لا يبدو ان وطأة الارهاب قد خفت، بل على العكس هناك تصاعد ملحوظ في اعمال العنف الموجهة ضد المصالح الغربية، في الوقت الذي تتصاعد فيه اسعار النفط، وتتردد دولة مثل السعودية في اتخاذ مواقف اقتصادية جديدة تعرضها للاتهام من قبل مواطنيها بمراعاة المصالح الامريكية على حساب المصالح الوطنية. انها ازمة صعبة لا تظهر كل ابعادها وذيولها بشكل واضح الا لدى المهتمين بها عن قرب.

ليس جديدا القول ان الولايات المتحدة لم تكن يوما من داعمي منظمة اوبك، وان كانت تعول على السياسات السعودية داخل المنظمة لاحتواء اية محاولة لخفض الانتاج بمعدلات كبيرة والسماح بزيادة الاسعار. وقامت المملكة في السابق بجهود حثيثة لمنع قفزات كبيرة في اسعار النفط، ومنع تكرر ما حدث بعد حرب 73 عندما تضاعفت اسعار النفط في فترة وجيزة نسبيا. وادى توقف تصدير النفط الايراني في نهاية السبعينات لقفزة اخرى، لكن تلك القفزات ما لبثت ان تآكلت، فعادت اسعار النفط الى اقل مما هي عليه قبل الطفرة النفطية (من حيث السعر الواقعي). وفي الثمانينات على وجه الخصوص، برز تيار قوي داخل اوبك يضم الدول المناوئة آنذاك للسياسات الامريكية، التي كانت تعتبر تقدمية بمنطق السياسة يومها، يضم الجزائر وليبيا وايران والعراق وتشيلي، ولكن تأثير هذا التيار كان محدودا، خصوصا بعد ان اعطيت السعودية لقب "المنتج المتأرجح" الذي يسمح لها بضخ ما تحتاجه السوق من النفط عند الحاجة، لضمان عدم ظهور نقص حقيقي يؤدي يدفع الاسعار نحو الارتفاع. واستمر وضع السعودية داخل المنظمة حتى اليوم، ولذلك لم يكن غريبا ان تصرح الحكومة السعودية، على لسان سفيرها في واشنطن، الامير بندر بن سلطان، وعلى لسان عادل الجبير، مستشار الشؤون الخارجية للامير عبد الله بعدم رغبة المملكة في حدوث اضطراب بالسوق النفطية. فقد اكد الامير بندر للرئيس بوش عدم رغبة السعودية في احداث اي نقص في الامدادات النفطية، الامر الذي كرره الجبير. هذا في الوقت الذي تؤكد فيه المملكة على التزامها بقرار الخفض، وهو امر لا يفهم مغزاه، فأي خفض في الانتاج قد لا يؤدي الى شحة نفطية، ولكنه سيؤي الى صعود الاسعار، وهو ما لا تريده الادارة الامريكية والغرب عموما.

وتجدر الاشارة الى ان اسعار وقود السيارات الحالية في العواصم الغربية ليست انعكاسا لسعر النفط الخام في السوق العالمية، لان هذه الاسعار في اغلب البلدان الغربية هي اسعار مضخمة بسبب الضرائب الباهضة التي فرضتها حكومات تلك الدول على النفط، وهي ضرائب تصل الى 80 بالمائة من السعر. وعلى مدى العشرين عاما الماضية دأبت الحكومات الغربية على زيادة الضرائب بشكل متواصل، مستغلة انخفاض الاسعار الحقيقية للنفط في السوق العالمية. فقبل اربعة اعوام قام سائقو الشاحنات النفطية في بريطانيا باضراب احتجاجي ضد الضريبة التي تفرضها الحكومة على اسعار الوقود، واحدث ذلك الاضراب حرجا شديدا لحكومة توني بلير، وتم تجميد الضريبة في الفترة الماضية. وحتى في الميزانية الاخيرة التي اعلنها وزير المالية البريطاني، جمدت الضريبة على الوقود لفترة ستة شهور، لكي لا تحدث ازمة مماثلة خصوصا ان بريطانيا على موعد مع الانتخابات البرلمانية في غضون الاثني عشر شهرا المقبلة. وهذا يعكس الفرق الشاسع في سعر بيع الوقود النفطي في الولايات المتحدة وسعره في الدول الاوروبية، وهو فرق يصل الى ثلاثة اضعاف. ولذلك فما ان يزداد سعر النفط الخام قليلا حتى تنعكس تلك الزيادة على اسعار بيع الوقود في امريكا، بينما لا يحدث ذلك في اوروبا نظرا لان سعر الليتر النفطي الذي يدفعه اصحاب السيارات في اوروبا تمثل الضريبة فيه، كما ذكرنا، اكثر من ثلاثة ارباعه.

وثمة عامل آخر يؤثر في اسعار بيع النفط الخام، يرتبط بالسياسة الامريكية لزيادة مخزونها الاستراتيجي من النفط. فقد حث بعض المسؤولين الامريكيين البيت الابيض على وقف مؤقت لشراء كميات اضافية من النفط لزيادة المخزونات الاستراتيجية، وذلك لاحداث توازن في السوق ومنع تصاعد الاسعار، ولكن الادارة رفضت ضخ 120 الف برميل يوميا الى الاحتياطي الاستراتيجي، قائلة ان هذه العملية لا تضيف سوى اضافة مجدودة لسعر بيع النفط في الولايات المتحدة. ويعرف الامريكيون ان الرياض سوف تساعد واشنطن لتوفير احتياجاتها من الطاقة في حالة الطواريء كما حدث بعد اعتداءات 11 سبتمبر. ولكن الوضع الآن، وفقا للخبير النفطي، جو بارنز،من بمعهد جيمس بيكر للسياسات العامة بجامعة رايس في تكساس، لا يتطلب ذلك في الوقت الحاضر. ويشير السعوديون من جانبهم، الى ان ارتفاع اسعار النفط في الفترة الاخيرة ليس بسبب سياسات اوبك بل بسبب بعض الممارسات التجارية ومنها الكثير من المضاربات في البورصات الغربية. كما ان هناك علاوة مخاطرة تضاف الى سعر النفط الخام بسبب الاوضاع في المنطقة عموما. ومع ذلك تعتقد الادارة الامريكية ان بامكانها التأثير المباشر على السوق النفطية عن طريق الضغط على حكومات الدول المصدرة للنفط، وان الاتصالات التي قام بها الرئيس بوش في الايام الاخيرة مع زعماء تلك الدول قد تؤدي فعلا لعدم تطبيق قرار خفض الانتاج. وحتى لو اعلن ظاهرا عن تنفيذ القرار، فلن تكون هناك مراقبة شديدة لمدى تجاوز حصص الدول، وبالتالي فقد لا يكون لذلك القرار بعد عملي. وقد أكد برنومو يوسجاينتورو، رئيس منظمة اوبك، هذه الحقيقة، بقوله ان الاسعار المرتفعة للنفط ستسمح بغض الطرف عن تجاوز بعض الدول حصصها النفطية. ولدى واشنطن في الوقت الحاضر قدرة على التأثير على القرار النفطي، خصوصا بعد ان تلاشى التكتل التاريخي المناويء للولايات المتحدة. فليبيا اليوم ليست ليبيا الثمانينات، وكذلك الجزائر والعراق. وبرغم ان تشيلي ما تزال محسوبة على ذلك التكتل، الى جانب ايران، فانهما لا يستطيعان عمل الكثير في الوقت الحاضر.

تجدر الاشارة الى ان قرار خفض الانتاج كان بدعم سعودي. فالمملكة تعاني من اوضاع اقتصادية صعبة، ومعها بقية الدول المنتجة، مثل ايران ونيجيريا. فقد تراجعت المدخولات النفطية في العقدين الماضيين بدرجة كبيرة بسبب انخفاض اسعار النفط الى ما دون معدلات التضخم، وكذلك انخفاض سعر الدولار. يضاف الى ذلك تزايد اعداد سكان هذه البلدان وازدياد متطلباتهم المعيشية. وفي السابق كانت الدولارات النفطية عاملا مساعدا لتلك الحكومات لابقاء اوضاعها السياسية تحت السيطرة، ولكن تراجع المدخولات اصبح عاملا سلبيا، اذ حرمها القدرة على استعمال المال لتوفير قدر من الرفاهية المعيشية يوازن الحرمان السياسي. والسعودية على وجه الخصوص في وضع صعب جدا، وتعتبر الضغوط الامريكية عليها للقيام باصلاح سياسي ديمقراطي، مجحفة وتؤدي الى نتائج متناقضة. فمن جهة تريد واشنطن منها زيادة انتاجهة وما لذلك من انعكاس سلبي على اسعاره، وفي الوقت نفسه تطالبها باصلاح سياسي وممارسة ديمقراطية. وحيث ان نظام الحكم غير مقتنع بالتحول الديمقراطي، فليس امامه لتخفيف الضغط سوى تحسين الاوضاع المعيشية، وهذا غير ممكن في ظل تراجع المدخولات النفطية. ومن المؤكد ان الاسابيع والشهرو المقبلة سوف تكون فترة امتحان صعب للعلاقات بين الجانبين، بل مع الدول النفطية الاخرى التي تعاني من اوضاع سياسية صعبة يزيد من صعوبتها اوضاعها الاقتصادية المتراجعة بسبب تراجع عائدات النفط. وهناك في الوقت الحاضر مراقبة لمدى نجاح اوبك في تنفيذ قرار خفض الانتاج الذي كان مقررا ان يوضع موضع التنفيذ في مطلع هذا الشهر. فاذا لم يتم الالتزام بذلك، فمن المرجح ان تصاب السوق النقطية بانتكاسة جديدة تضغط على الاسعار، لان قوة السوق تعتمد على مدى ثقتها بجدية المنظمة في تنفيذ قراراتها، فاذا تلكأت في ذلك، انعكس الوضع سلبا على الاسعار.

وثمة عامل آخر تستطيع واشنطن استغلاله للضغظ على اوبك والدول المصدرة للنفط يتمثل بقدرتها على التحكم في حجم الانتاج العراقي. وقد تكررت الاشارات الى هذه الحقيقة منذ ما قبل قيام الحرب، اذ كان واضحا ان الولايات المتحدة تخطط لتجاوز السعودية في الجوانب النفطية والعسكرية، ووفر الوضع العراقي لها ما تريد. وفي خلال فترة وجيزة سيكون العراق قادرا على انتاج ما يصل الى خمسة ملايين برميل يوميا، الامر الذي سيكون له انعكاسه السلبي على اسعار النفط عموما، وتأثيره الخطير على نظام الحصص لدول اوبك. لقد اصبح "النفط مقابل الديمقراطية" عنوانا جديدا للعبة الامريكية في المنطقة، وهو عنوان، يخضع كغيره، للحسابات السياسية والاقتصادية التي تمارسها واشنطن في الشرق الاوسط. أليس ذلك مصداقا للقول باننا نعيش عصر المقايضات غير المتكافئة، والتوازنات غير العادلة، وفرص التنمية والاستقرار غير المتساوية؟

مع تحيات اسود


الدكتور الشهابي