PDA

عرض كامل الموضوع : حركة المقاومة العراقية فتحت طريق التحرير وإعادة العراق .



wadei2005
11-04-2004, 12:21 PM
( صفحــة تحـلياـية )

في جو الهزيمة الذي بدأ يخيم علي قوات الغزو: حركة المقاومة العراقية فتحت طريق التحرير وإعادة العراق لأصحابه

2004/04/10

محمد عبدالحكم دياب
أكتب هذه السطور ورئيس الوزراء البريطاني يستعد للسفر إلي واشنطن، للتباحث مع الرئيس الأمريكي بشأن الأزمة العراقية، فانتفاضة الصدر هزت أعمدة السياسة الأمريكية البريطانية الهشة، وهي أعمدة قامت علي الأكاذيب في تبرير غزو واحتلال العراق، ويذهب توني بلير إلي شريكه معلنا ثبات مواقفه بدوام الاحتلال، فيما بعد الثلاثين من حزيران (يونيو) القادم.

لم يتزحزح بلير عن موقفه قيد أنملة، وذهابه ليس للاتفاق علي الجلاء عن العراق إنما لتطوير خطط الاستمرار، ومساعدة بوش في الخروج من مأزقه العراقي، بالعمل علي التفريق بين مكونات الشعب العراقي، ودق الأسافين في ما بينها.

صار توني بلير العمالي أكثر يمينية من بوش الصهيو ـ مسيحي، ومن رامسفيلد الدموي وشارون السفاح، وتدور المنافسة بين الأربعة علي من هو الأكثر دموية. فكل منهم يتوهم أن له دورا إلهيا ، يجعل من ضاعت أرضه واحتلت بلاده مطيعا مستسلما.. وقد عكست التصريحات التي صدرت عن بوش، ووزير حربه رامسفيلد، وتوني بلير هذه الروح، فالأول قال انه لن يرضخ لمن وصفهم بالسفاحين وقطاع الطرق!

وصرح الثاني بأن ما جري لعبة قوة ، بين من يمارسون الإرهاب وبين قوات التحالف ، ومعها ما أسماها بـ قوات العراق الحر ، مدعيا بأن الوضع تحت السيطرة !! أما بلير فقد أشار إلي أن ما يحدث في العراق لن يثنيه عن عزمه، ونسي أن أساس هذا العزم بني علي أكذوبه وجود أسلحة دمار شامل في العراق!

تصريحات لندن وواشنطن بدت معبرة عن صدمة شديدة، بعد أن استقر لديهما تصور بأن الإدارة المدنية للاحتلال في العراق، مع قوات الغزو، تمكنت من حصر المقاومة في ما يعرف بـ المثلث السني ، وهما وإن كانا، حسب هذا التصور، لم يستقطبا إلي جانبهما أشقاءنا الشيعة بالكامل، فعلي الأقل فقد تمكنا من تحييدهم، وهذا غير صحيح، وبتأثير هذا الوهم يدعون بأن انتفاضة الصدر تعبر عن أقلية راديكالية يقودها شيخ شاب مندفع.

مع أنهم لو تأملوا الاستجابة الواسعة من باقي العراقيين العرب (شيعة وسنة ومسيحيين)، لعرفوا أن العراق دخل مرحلة جديدة لا تصلح معها تلك الأوهام.

بدت التصريحات البريطانية والأمريكية فاقدة للسياق والمنطق، فهذا مسؤول يقول بأن القوات المحتلة تحارب علي جبهتين، الأولي جبهة المثلث السني، والثانية جبهة الجنوب الشيعي، وكأن التقسيم قد استقر وتحول العراق الموحد إلي دولتين للعرب، واحدة شيعية في الجنوب، وأخري سنية في الوسط والشمال، وهذا يكشف النوايا المبطنة والمجهضة، والتي علي أساسها دخلت قوات الغزو والاحتلال.

وأظهرت الصدمة التي أحدثتها الانتفاضة الصراع علي حقيقته.. بين آلة عسكرية، عالية التقنية، شديدة البطش، دموية التوجه، عنصرية الروح، وبين شعب جسور، بأسلحة صغيرة وإصرار علي المقاومة، فتمكن من تحرير عدة مدن، ومن الاستيلاء علي الإدارات الحكومية فــي هذه المدن، وهو ما يضع المقاومة العراقية علي طريق النصر والتحرير، طريق ثورة المليون شهيد في الجزائر، وحزب الله والقوي الوطنية اللبنانية في الجنوب، وطريق المقاومة الوطنية والاسلامية في فلسطين.

ومسؤول آخر يلجأ للتدليس المعتاد في لغة السياسة الرسمية الغربية الكذوب، ويبدو هذا التدليس مقدمة للتغطية علي هزيمة متوقعة، وذلك بالقول إن قوات الغزو لم تنجح بعد في كسب السلام ، فهي وإن كانت كسبت الحرب فشلت في كسب السلام ، ومعني ذلك أن العيب ليس في النوازع الشريرة لدي مشعلي الحروب، ولا في دوافع الحرب في الاستيلاء علي ثروات المنطقة، وتنصيب الدولة الصهيونية لإدارتها.

العيب إذن في شعوب لا تقدر نعمة الاحتلال ولا فضيلة الغزو! قوات الاحتلال والغزو تكابر، وتدعي علي لسان أحد مسؤوليها العسكريين الميدانيين، أنها بصدد الانتصار علي الأجانب ، الذين يقاتلون قوات الاحتلال، وفي هذا يتوحد خطاب مجلس الحكم الانتقالي ووزير خارجيته، مع خطاب قوات الاحتلال والغزو، فكلاهما ربط بين المقاومة والأجانب، وكأن آلاف المقاومين مستوردون، من غير الجنس العراقي.

وهكذا تحول الغزاة، بقدرة قادر، إلي ولاد بلد ، لهم حق الحماية علي بلدهم المزعوم من غزو الأشرارالغرباء ! وهكذا ينقلب ميزان المنطق وينفلت عقال العقل، فالأهل أصبحوا غرباء أشرار، بينما الغرباء الأشرار يدعون ملكية البلد.

ولأول مرة، في حدود علمي، نري خطابا متهافتا، لا يجد وصفا لحركة المقاومة الوطنية غير أنها أجنبية، ومع انتشار المراسلين الأجانب، لم نجد منهم من تحدث إلي أجنبي أو غريب من غير أبناء العراق، وبدت أجهزة الإعلام الغربية وكأنها تكذب مسؤوليها السياسيين والعسكريين، ومن هم علي شاكلتهم في مجلس الحكم الانتقالي!

وفي جو الهزيمة المخيم علي قوات الغزو والاحتلال، بعد أن حررت المقاومة مدنا في الجنوب، وأسرت يابانيين وكوريين، واشترطت جلاء القوات اليابانية لفك أسرهم.

في هذا الجو تزداد شراسة الغزاة وعنادهم، حتي يجبروا علي الجلاء. وهذا واضح في تركيز الخطاب السياسي الأنكلو ـ أمريكي علي البقاء، بدعوي أن القوات لم تنجز ما ذهبت إليه، ويصور الأمر، ليس باعتباره حرب تحرير شعبية إنما باعتباره إرهابا، ونشاطا لقطاع طرق، وصراع قوة بين أجنحة شيعية. وإن كان البريطانيون، المعروفون بالدهاء، لا يقرون استخدام الأمريكان لطائراتهم وسفنهم الحربية بهذه الكثافة، في العدوان علي المدن والقري ودور العبادة والمدارس والمستشفيات، لأثر ذلك علي زيادة التفاف الشعب حول المقاومة، وطلب الشهادة دفاعا عن المقدسات، فإنهم يرون في السيناريو الأمريكي، كابوسا يجب وقفه، لأن اتساع رقعة المقاومة، لن يمكنهم من السيطرة التي كانوا يتمتعون بها، فترة العام الماضي، مرة أخري.

وهناك من بدأ يطالب بالاتصال بآية الله العظمي علي السيستاني، بوصفه معتدلا وليس راديكاليا مثل الشيخ مقتدي الصدر، ويأملون بذلك في إعادة الرهانات الخاطئة، المعتمدة علي نمطية نظرة التقسيم التقليدية الراسخة لديهم.

فالسيستاني في نظرهم يمثل الأغلبية، والشيخ مقتدي الصدر يمثل الأقلية، وكأن أيا منهما لا علاقة له بالوطن ولا بمصيره ولا يشعر بوطأة ما يرتكبه الغزو في حق أبنائه. إنهم يريدون الإيحاء بأن آية الله العظمي السيستاني وأتباعه مؤيدون للاحتلال، بينما الشاب المندفع قليل الخبرة يقف هو و جيش المهدي في معسكر آخر، وذلك لزرع الفتنة بين أتباع المرجعيتين!

وكثيرا ما تراهن المقاومة الوطنية، وحركات التحرير، في كل زمان ومكان، علي غباء الغزاة، فهم لا يرون إلا القوة والعنف طريقا لغزو الشعوب واحتلالها، وحتي لو تم الأخذ باقتراح أحد المحللين البريطانيين بزيادة عدد الشيعة في مجلس الحكم الانتقالي، وزيادة قوات الاحتلال. فمثل هذا الاقتراح يزيد الموقف تعقيدا، لأن الحل هو في الجلاء، وترك الوطن لأهله، فهم الأحق به وبثرواته، يحكمونه بإرادتهم الحرة، وليس بتنصيب هذا وإزاحة ذاك.

وقلق العاصمة البريطانية لا يقل عن قلق واشنطن، بسبب ما بدأ يعرف في أوساطها الرسمية بظهور قضية مشتركة common cause
جمعت العرب، سنة وشيعة، فبعد أن توهمت أنها نجحت في التعامل مع العراقيين، كشيع وفرق وطوائف ومذاهب، وجدت نفسها تواجه شعبا بأكمله، فدائما ما كانت تنفذ من مسام الأجساد المريضة والمنهكة، من التقسيم والتجزئة والتخلف والضعف.

واستعارة القوات الأمريكية للنهج الشاروني، في الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، ترفع من وتيرة المقاومة المسلحة وتوسع من رقعتها وتمنحها المشروعية وتعاطف الرأي العام.

وقد قطع السناتور روبرت كينيدي الطريق علي محاولات الجمهوريين واليمين الصهيو ـ مسيحي وجهودهم لطمأنة النفس، بقوله: إن وجود جورج بوش في الحكم مشكلة وليس حلا، وعليه أن يرحل، والعراق هو فيتنام بوش ، وردا علي ذلك ادعي الجمهوريون بأنهم عندما ذهبوا إلي فيتنام كانوا يعلمون أنهم لن يبقوا فيه! أما وضع العراق فمختلف فقد ذهبوا للبقاء، وفي هذا استخفاف بالتاريخ وبالعقل الإنساني، لأن الغزاة والمحتلين لا يستولون علي أراضي الغير بهدف النزهة ثم يعودون من حيث أتوا.. لماذا لم يترك المستوطنون البيض الولايات المتحدة وكندا واستراليا ونيوزيلندا وجزر المحيط الهادي، وبدلا من الرحيل أبادوا السكان الأصليين، والمقاومة تصنع المناعة وتمنع الإبادة، وقد نسمع من يقول غدا بأن الغزاة لم تكن لديهم نية البقاء في العراق!

ادعي البعض بأن المقاومة العراقية لا تملك السند الإقليمي أو الدولي، مثلما كان عليه حال شمال فيتنام، الذي وجد دعما من الاتحاد السوفييتي السابق والصين، وهو ما لا يتوفر للعراق. يقولون هذا وأمامهم نموذج فلسطين.

فلم تحاصر مقاومة إقليميا ودوليا مثل المقاومة الفلسطينية، ولم يعزل شعب ويجرد من كل عوامل القوة المادية كما حدث مع الشعب الفلسطيني، ومع ذلك نري شخصا واحدا منه يبث الرعب في كامل الكيان الصهيوني المدعوم بجبروت القوة الأعظم في العالم، وبمساندة وتبني الحركة الأشد عنصرية علي مدي التاريخ.

فقد كان الشهيد أحمد ياسين المقعد، ضعيف البنيان، واهن الصحة، دون سند دولي أو إقليمي، يتحدي وهو يعلم أن مصدر قوته الحقيقي هو إيمانه غير المحدود بعدالة قضيته، وثقته الكبيرة في شعبه.

هذا هو حال العراق المحتل يبعث علي الاطمئنان والتفاؤل، أما حالنا، في مصر، يبعث علي القلق والتشاؤم. فالرئيس مبارك يشد الرحال إلي واشنطن، طلبا للمدد والعون، في ظروف بالغة التعقيد. منطقته مشتعلة وأبعد ما تكون عن الاستقرار، ونظامه مفلس يعيش حالة احتضار طالت، والإدارة الأمريكية التي يطلب عونها تبحث عن قشة في سنة انتخابات غير مضمونة، وزيارات الرئيس مبارك تأتي دائما علي حساب المنطقة، ودعاء المصريين يقول اللهم لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه خوفا وهلعا من نتائج الزيارة، فقد تتمخض عن وضع المجهود العسكري والسياسي المصري لاجهاض الانتفاضة العراقية، واستغلال خبرة الرئيس الطويلة في الضغط علي الفلسطينيين، برحلات رئيس مخابراته المكوكية، وتنكيل أجهزته بهم، وسد أبواب الرحمة في وجوههم، وكل ذلك لأن هناك طلبا أمريكا من الرئيس مبارك بأن يوقف انتفاضتهم.

استغلال هذه الخبرة وهذا الدور للتعامل مع الانتفاضة العراقية، وقد يتمخض الجبل فيلد حلا عربيا مؤمركا.. يسمح لقوات عربية من مصر والأردن والسعودية ودول الخليج، بتولي إدارة معركة السلام في العراق، التي خسرها التحالف الأنكلو ـ أمريكي.

إنه كابوس لكنه ممكن التحقيق. فمنذ أن ظهر مبارك علي مسرح السياسة العربية لم يتخل يوما عن الالتزام بالمطالب الأمريكية.. ولم يبتعد عن مشاريعها لاضعاف المنطقة والسيطرة عليها.

ولهذا لم يتوان عن التصدي لأي توجه نحو التكتل أو التضامن في منطقة هي أحوج ما تكون إلي ذلك!