PDA

عرض كامل الموضوع : محاولات النفاذ من الثغرات الضيقة!



ساره 2007
17-07-2007, 01:55 PM
محاولات النفاذ من الثغرات الضيقة!


نصر شمالي



يرى قائد قوات الاحتلال الأميركية في العراق، الجنرال ديفيد بترايوس، أن القضاء على المقاومة يحتاج إلى عشر سنوات على الأقل (17/6/2007) فهل نفهم من كلامه أن القتال سوف يستمر عقداً من الزمن، أم أنه يدعو إلى الانسحاب السريع؟ لكن ريان كروكر، السفير الأميركي في بغداد، حذّر في الوقت نفسه من الانسحاب السريع، معبّراً عن خشيته أن قوى إقليمية سوف تستفيد على حساب الولايات المتحدة من الفراغ المترتب على انسحاب سريع (إيران وسورية) أما وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس فقد اعترف بوضوح تام أن الخطة الأمنية للسيطرة على بغداد لم تحقق أي تقدّم!


إن مثل هذه التصريحات الأميركية التوصيفية، غير القاطعة بصدد النتائج الميدانية، تدلّ على أن الوضع العراقي هو المعيار الأول لقياس مدى التقدّم أو التقهقر الأميركي إقليمياً ودولياً، ففي هذا الميدان تزج الولايات المتحدة بخيرة وخلاصة قواتها المسلحة المقاتلة التي بلغ تعدادها 160 ألفاً، مضافاً إليها عشرات الألوف من المرتزقة ومن القوات الحليفة، وهي إذا لم تحرز تقدماً نوعياً استراتيجياً هنا فإن أي تقدّم تحرزه في بلدان أخرى يبقى ثانوياً وتكتيكياً، يمكن أن يساعدها في الانسحاب مع حفظ ماء الوجه، والحفاظ على بعض المصالح، لكنه لن يساعدها في الخروج من مأزقها التاريخي الخانق الذي وضعتها فيه المقاومة العراقية الباسلة.


* * *



تقول الوقائع الميدانية أن المقاومة العربية أصبحت عصيّة على الاندحار، وأن محاولات إغراقها في حروب داخلية مجانية باءت بالخذلان، سواء في العراق أم في غيره، وهاهو جهد الأميركيين يتركز في التفتيش عن ثغرات في جبهات المقاومة لتوسيعها مهما كانت ضيقة والنفاذ منها، وبالطبع فإن مثل هذه الثغرات الضيقة موجودة، وهي لا يمكن إلا أن تكون موجودة، لكنها تبدو غير قابلة للتوسيع بل قابلة للتضييق، ناهيكم عن أثرها السلبي المحدود ضدّ التحصينات والمواقع الأساسية الاستراتيجية للمقاومة، ولا تغيّر في جوهر هذه الحقيقة تطورات الوضع الداخلي الفلسطيني على مرارتها وهولها، لأن الأميركيين الذين جاؤوا إلى بلادنا في مطلع ثمانينات القرن الماضي، لترتيب إقامتهم فيها عسكرياً ولإدارتها مباشرة، ينهمكون اليوم في ترتيب خروجهم منها، وفي محاولات تأمين من ينوب عنهم لحفظ مصالحهم، كما أشار مصيباً السيد سليمان فرنجية، فقد شكلوا في مطلع تلك الثمانينات قوات الانتشار السريع للدفاع بأنفسهم مباشرة عن هذه المنطقة التي يعدّونها من ممتلكاتهم، ويتعاملون معها باعتبارها بلداناً مدارة بحكم ذاتي، وهم فعلوا ذلك بعد أن عجز النظام الرسمي العربي (خطهم الدفاعي الأول) في الدفاع عن المنطقة ضدّ حركات التحرّر، وبعد أن ظهر ضعف الكيان الإسرائيلي (خطهم الدفاعي الثاني) في مواجهة المستجدات التحررية على المدى المتوسط، فسارعوا إلى إعلان سياسة الاحتواء المزدوج للعراق وإيران، وأطلقوا يد الإسرائيليين يدعمهم بعض الحكام العرب لاجتياح لبنان عام 1982، بينما هم يستعدون للإقامة الدائمة في بلادنا، أي لزج خطهم الدفاعي الثالث والأخير في المعركة، وقد بلغت هذه الإقامة الدائمة ذروتها باحتلال العراق عام 2003!


* * *



لكي نرى ما طرأ على أوضاع الأميركيين من تغييرات كبرى نعود إلى العام 1981، ونستمع إلى ما كان يقوله الكسندر هيغ وزير الخارجية الأميركي أمام لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس:" لا يوجد مكان آخر في العالم أهم من الشرق الأوسط لحفظ التوازن بين العناصر المختلفة لسياستنا الخارجية، ففي هذه المنطقة المعقدة، غير المستقرّة، لنا مصالح اقتصادية وسياسية واستراتيجية وروحية كثيرة ومهمة. دعوني أشير إلى مجرّد بعض التطورات التي تشكل تحدّياً للولايات المتحدة. إن حقول النفط في الخليج حيوية جداً لنا ولحلفائنا الأوروبيين واليابانيين، وهي مهدّدة بالخطر من السوفييت والدول العاملة لحسابهم. إن النزاع العربي الإسرائيلي يجعل بعضاً من أوثق أصدقائنا منقسمين على أنفسهم (يقصد الإسرائيليين وبعض الحكومات العربية!) فالمصالح الأميركية في الشرق الأوسط لا يمكن حمايتها إلا عن طريق استراتيجية لا تغفل تعقيدات المنطقة من جهة، ولا تغفل التهديد بحدوث تدخل خارجي (سوفييتي!) من جهة أخرى، ولذلك تعتبر الولايات المتحدة عملية السلام، والجهود المبذولة لمواجهة التهديدات السوفيتية، متكاملة تعزّز بعضها بصورة متبادلة"!



* * *



لنتذكر أن كلام هيغ جاء قبل اجتياح لبنان لاستئصال المقاومة بسبعة أشهر، وأنه كلام تردّد على ألسنة الأميركيين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ومازال يتردّد حتى يومنا هذا مع اختلاف الذرائع والظروف وموازين القوى، ففي الماضي كان الخطر القومي والشيوعي، واليوم الخطر الإسلامي!

وقد أراد وزير الخارجية الأميركي حينئذ القول بضرورة توحيد القوة الإسرائيلية والقوة الرسمية العربية ضدّ الأمة العربية والإسلامية وليس ضدّ أحد غيرها على الإطلاق، واليوم يدعو حلفاؤه إلى مثل هذا التوحيد ضدّ الأمة أيضاً وأيضاً، وأغرب ما في الأمر هذا التجاوب الذي تلقاه دعواتهم، والذي بلغ حدّ المساهمة في محاصرة المقاومة العراقية واللبنانية والفلسطينية، من دون الأخذ بعين الاعتبار ما طرأ على الظروف وموازين القوى الإقليمية الدولية من اختلاف جذري لصالح المقاومة، وفي غير صالح الأميركيين الذين يحاولون النفاذ من الثغرات الضيقة بعد توسيعها!