PDA

عرض كامل الموضوع : الحب العذري.................................



joy
01-06-2004, 10:36 AM
منذ أن تفتحت عيناها على دنياها البسيطة و بالتحديد في بيتهم الطيني وسط مزرعتهم الواقعة في أطراف عنيزة كانت هند تعرف فهد تمام المعرفة ... فلم يكن ابن جيرانهم فقط بل كان صديق طفولتها البريئة الذي قضت معه أحلى أيام عمرها ... فكم سابقته و سبقها ... وكم مرة تباطأ من أجل أن تسبقه ليدخل السرور إلى قلبها ... كان قلب فهد كبيرا على صغر سنه ... تذكر هند أنها هي التي كانت دوما تصعد على كتفيه لقطف عناقيد العنب خلسة في مزرعتهم حيث لم يقبل أبدا أن يصعد هوعلى كتفيها الصغيرتين خشية إيذائها ... و رغم تحذيرات والدها المتكررة للجميع بعدم العبث بمحصول العنب القليل لحاجتهم لبيعه والإستفادة من الريالات القليلة من وراء ذلك إلا أن والد هند لم يقدم أبدا على نهر ابنته أو تعنيفها فقد كان يحبها حبا جما ... فهي بالنسبة له أغلى من الدنيا وما فيها.


كبرت هند و تخفرت ... و كبر فهد و كبر عقله ... فازداد تدينه و تفوق في دراسته ... و لم يزد هذا هندا إلا تعلقا بفهد الذي أصبحت لا تراه إلا عند زيارتها و أمها لبيت جيرانهم ... كم كانت تتحين الفرص لزيارتهم ... وكم تمنت أن يطل عليهم للسلام على أمها التي يدعوها خالته لكي تسترق النظر إليه من خلف بوشيتها السوداء السميكة.


أنهى فهد المرحلة الثانوية و حصل على بعثة للدراسة في الخارج ...كان هذا الأمر من الصعوبة بمكان على هند ... فرغم سعادتها بتفوقه وأمنياتها المخلصة له بالتوفيق فقد كانت تساورها الوساوس عن ما يمكن أن يخبأه المستقبل فيما يخص علاقتهما ... صحيح أنها لا تعرف مشاعره الحقيقية تجاهها بعد أن كبر و اشتد عوده حيث لاتسمح تربيتهما القويمة ولا عادات وتقاليد مجتمعهم المحافظ بأي علاقة أو اتصال مباشر ... إلا أن دعاء رقية والدة فهد كلما رأتها أن يرزق الله ابنها زوجة في مثل جمالها وأخلا قها كان كافيا لتفترض أن تحقيق حلمها بالإقتران برفيق الصبا ما هو إلا مسألة وقت لا غير.


ولكن هل يمكن أن يتغير فهد ؟ ... أيعقل أن يفعلها و يتزوج بأجنبية خلال و جوده بالخارج ... أيمكن أن يترفع عنها عندما يعود من أمريكا بشهادته العالية متأثرا - ربما - بثقافة الغرب الطاغية كما تأثر غيره ... أسئلة كثيرة بل وساوس جالت في خاطر هند منذ علمت بقرار سفره ... لكنها في النهاية لم تملك إلا الصبر والدعاء أن يحفظه الله ويعيده سالما غانما.


رحل فهد و رحلت معه الطمأنينة التي كانت تحسها هند ... كان كل يوم أطول عليها من سنة ... لم تعد تتحمس كثيرا لزيارة جيرانهم كما كانت في السابق ... و كلما أضناها الشوق جلست تحت شجرة العنب التي طالما أكلا منها واستظلا بظلها ... مسترجعة الذكريات الجميلة من تلك الأيام التي لا تنسى ... وهل ينسى أحد أجمل أيام عمره.


كانت أحلام اليقظة تراود هندا كلما خلت بنفسها... تتخيل فارس أحلامها عائدا من غربته مهندسا يشار إليه بالبنان ... الجميع سعداء بعودته ... وهو سعيد بالطبع لأنه عائد إليها ... ولكي تزيد من أحساسها بالسعادة تتخيل فهدا يتقدم لخطبتها ... كيف لا ... أوليست صديقة صباه و منى عمره ... أيوجد من قريناتها من يختزن من المشاعر الفياضة تجاهه مثلها ومن شاركه أحلى الذكريات ...


لم يقطع سلسلة أحلام يقظتها في أحد أيام الشتاء الباردة إلا صوت والدتها الحنون "هند ... عندي لك خبر طيب"


"خيرا إن شاء الله" ردت هند مستبشرة


قالت أمها و عيونها تتراقص من الفرح "جاءنا اليوم أبو صالح يخطبك لإبنه سعد"


نزلت هذه الكلمات على هند نزول الصاعقة وأحست بدوار في رأسها واسودت الدنيا في عينيها فلم تكن أبدا مهيئة لسماع كلام مثل هذا ... بعد لحظات من التقاط الأنفاس ردت هند بصوت متوتر "لا أريده ... لا أريده ... أنا لا أرغب في الزواج الأن"
لم يخف على أم هند سبب ردة فعل ابنتها و لم تفاجأ به ... فلقد كانت تحس بمشاعر ابنتها الفياضة تجاه فهد لذلك بادرت بالقول "بنيتي ... تعلمين أن أباك مدين لأبي صالح بمبلغ كبير من المال ... ولعلم أبي صالح بحالتنا المادية فقد سكت عن دينه جزاه الله خيرا ... وأخشى ماأخشاه إن رفضت ابنه سعد أن يبادر بطلب ماله ... وهذا سيضطر أباك لبيع المزرعة و هي كل حيلتنا في هذه الدنيا ... ثم إن أبا صالح رجل غني و حسن السمعة كما تعلمين وابنه سعد يعمل في تجارة أبيه وأحواله ميسورة جدا ... ولن تجدي أفضل منه زوجا ... أما إن كنت لازلت متعلقة بفهد فلا تنسي أن الرجل غير مضمون ... فربما اختار الإقتران ببعض قريباته و ما أكثرهن ... هاه ماذا تقولين؟"


لم تتأخر هند في الرد وأجابت "أنا لا أريد الزواج الأن ... أرجوك يا أمي أن تتفهمي موقفي"


عندها كررت الأم مقالتها مدغدة مشاعر هند هذه المرة في محاولة للتأثير في قرارها "بنيتي ... فكري بأبيك المسكين ... لطالما شقى من أجلنا ... هلا رددت له بعض جميله و حبه الشديد لك؟ ... فكري يابنتي بالموضوع بحكمه و قلبي النظر في المصالح و المفاسد ... فكري هذا اليوم وانتظر ردك غدا إن شاء الله."


ظلت هند مهمومة طيلة يومها ذاك تفكر فيما قالته أمها ... أليس من الواجب عليها أن ترد شيئا من جميل والدها الذي غمرها بحنانه طيلة عمرها الذي ناهز العشرين عاما؟ ... أيعقل أن تتسبب في أي أذى لوالدها و تتصرف بكل أنانية عند أول امتحان حقيقي لحبها له؟ ... و لكن من قال أن أبا صالح سيطالب بدينه إذا رفضت الزواج من ابنه؟ أليس رجلا حسن السمعة كما يقال و قد أغناه الله عن الحاجة لطلب ماله في الماضي ... لربما استمر في السكوت عنه في المستقبل ... ولكن ماذا عن فهد ... شقيق الروح ورفيق الصبا؟ ... أيمكن أن يخذلها كما ألمحت أمها و يختار لنفسه عروسا غيرها ... خصوصا بعد أن يعود من الخارج بمستوى ثقافي واجتماعي غير الذي ذهب به؟ ... ولكن ... أليس من الممكن أن يكون فهد في مثل وضعها يعد الساعات و الثواني ليعود إليها؟ ... أيمكن أن تطعن صديق طفولتها بالزواج ممن هو أغنى منه؟ ... وهل سيظن فهد حينها أنها باعته طمعا في مال سعد و أبيه؟ ... أي جرح سيوقعه فعلها هذا بصاحب القلب الكبير والإحساس المرهف ... من المؤكد أن ذلك سيكون شديد الوقع على فهدها المسكين ... بل ربما أثر هذا سلبا على دراسته و مستوى تحصيله.


كل هذه الأفكار و غيرها تزاحمت في مخيلة هند ... لذلك بدت معظم نهارها واجمة ساهية ...ولم تستطع حتى مشاركة أهلها وجبة غدائهم ...
وقبيل مغرب ذلك اليوم صعدت هند إلى سطح بيتهم الطيني رغم برودة الجو و كثافة الغيوم لتشكي امرها إلى خالقها الذي ماخذلها يوما من الأيام.


رفعت هند يدها إلى السماء و قلبها يكاد يتفطر مما فيه من الهم والحزن ونادت ... يارب ... يارب ... واغرورقت عيناها بدموع انحدرت كحبات لؤلؤ على خدها الذي زاده البكاء احمرارا ... ولم تحس في غمرة تضرعها لربها بهطول المطر الذي بلل شعرها و ثيابها واختلط بالمطر المنهمر من مزن عيونها ...


ولإيمانها بأن الله خير من يستخار فقد قامت هند برفع صوتها المتحشرج بدعاء الإستخارة "الهم إني أستخيرك بعلمك ... وأستقدرك بقدرتك ... وأسألك من فضلك العظيم ... فإنك تقدر ولا أقدر و تعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب ... اللهم إن كنت تعلم أن في زواجي من سعد خيرا لي في ديني و دنياي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه ... وإن كنت تعلم أن فيه شرا لي في ديني و معاشي وعاقبة أمري و عاجله وأجله فاصرفه عني واصرفني عنه ... واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به."


أخذت هند تكرر دعاء الإستخارة بصوت متهدج يقطع نياط القلب ... و كفاها الأبيضان الجميلان يغطيان معظم وجهها ... وفجأة ... سمعت هند أحن الأصوات إلى قلبها ... بل أول صوت سمعته أذناها ... صوت من أذن بأذنها اليمنى و أقام الصلاة بالأخرى ساعة ولادتها ... صوت والدها الحبيب ... إلتفتت هند مرتبكة فإذا والدها يقف خلفها و عيناه تذرفان الدموع ... حيث لم يفته و جومها و شرودها طيلة يومها ذاك فتبعها إلى مكان دعائها.


جلس والد هند القرفصاء بجوار ابنته غير عابيء بزخات المطر الذي استمر هطوله وقال "اسمعي يابنيتي ... كل الثمر في مزرعتنا للبيع إلا ثمرة فؤادي ... لن أبيعها ولو بمال الدنيا"


ردت هند و هي تحاول إخفاء مشاعر الفرح الطاغية في حركات يديها "ودين أبي صالح؟"


قال أبوها "الموضوع بسيط يا بنيتي ... إن طلب الرجل ماله بعنا المزرعة و سددنا ما علينا"


ردت هند متسائلة "وكيف نعيش من دونها يا أبي؟"


فقال والدها بلهجة المؤمن الواثق من ربه "بنيتي ... المزرعة هي سبب رزقنا فقط ... أما الرازق فهو الله ... تذكري قول ربنا سبحانه (إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) وقوله (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) أبعد هذه الأيات الصريحة يخشى أحد على رزقه ... أنا يابنيتي متوكل على ربي وأرجو أن أكون ممن قال فيهم الرسول (ص) "(لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير ... تغدوا خماصا و تعود بطانا)"



إنتهى مشروع خطبة هند لسعد حسب ما تمنت ... وعندما ذهبت إلى فراشها تلك الليلة عادت إليها الأحلام الجميلة ... أحلام اليقظة ... فتخيلت فارسها عائدا بعد تخرجه مهندسا يشار إليه بالبنان و... و...


وحيث أنه لا حدود لأحلام اليقظة عند هند فإننا مضطرون للتوقف هنا راجين أن تتحول تلك الأحلام إلى حقيقة واقعة في حياتها إن شاء الله ...





وسلامتكم


الحيالة