PDA

عرض كامل الموضوع : رسالة ألى شباب الأمة وحماة عرينها وعقيدتها ولوائها



محمد دغيدى
18-08-2008, 08:38 PM
رسالة الى شباب الأمة

أ / محمد بن سعيد الفطيسي
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية





الشباب روح الأمة , ودماء الحياة التي تجري في شرايينها , وعليه فان تلك الدماء لابد أن تظل دائمة الصفاء والنقاء والطهارة , وخاليه من كل ما قد يمثل أي خطر او تهديد على الجسم , وإلا فان النتيجة ستكون إصابته بالتلوث والمرض , وبالتالي فان من الضرورة الاهتمام بسلامتها وحمايتها من الملوثات بجميع أشكالها وأنواعها , وكما أن لجذور الأشجار الدور الأكبر في حياتها وبقاءها , حيث لا حياة لها بدونها , إذ تساوي المجموعة الجذرية في أهميتها للنبات المجموعة الخضرية , بل تفوقها ، فلابد إذاً من تأمين متطلباتها من المواد الغذائية الضرورية لدعمها وتقوية نموها وانتشارها , فكذلك الشباب بالنسبة لكيان كل امة , إذ لابد من الاهتمام بمتطلباتهم الفكرية والجسمية والروحية , وحمايتهم من كل ما قد يمثل أي تهديد او خطر عليهم , وذلك بهدف ضمان المحافظة على تلك الجذور من التفسخ والانحلال والضعف , ولتكون الروح التي تستمد منها شجرة الأمة اخضرارها وحياتها , طيبة نقية وطاهرة , وبالطبع فان ذلك لن يكون سوى بتوفير البيئة السليمة والصحيحة لنموها وسلامتها وانتشارها 0

ولله الحمد - , فقد عرفت هذه الأمة العظيمة ولا زالت وستظل عبر تاريخها المشرق الكثير من الشباب الوفي المخلص لها , الشباب الذي يستحق أن نطلق عليه تسمية " خير خلف لخير سلف " , فناصروا قضاياها ودافعوا عن عقيدتها وقيمها وأهدافها ومبادئها بشرف وأمانه , وضحوا بالغالي والنفيس فداء لها , فكانوا شمعة تحترق لتضئ طريقها , ودماء تستنزف وتفنى لتحيي هي حياة الخلود , فلم يهنوا للضعف والبلاء , او يستكينوا للظلم والقهر , او يستسلموا لشراسة ضربات الفساد والانحلال والتفسخ , لأنهم فهموا أن لكل شي ضريبة وثمن , وان العدل لابد له من رجال تنصره , وان الحق لابد له من معين يستمد منه قوته , فكانوا هم المعين الذي لا ينضب لها , والضريبة التي لابد أن تدفع , والثمن الذي لابد أن يؤدى , وانه لثمن قليل لسلعة غالية جدا ,

( فالعالم لا يمكن أن يصل الى السعادة الى على قنطرة الجهاد ومتاعب يقدمها الشباب المسلم , فالأرض بحاجة الى سماد , وسماد ارض البشرية الذي تصلح به , وتنبت زرع الإسلام الكريم , هي الشهوات والمطامع الفردية التي يضحي بها الشباب العربي في سبيل علو الإسلام وبسط الأمن والسلام على العالم )
ولكن , ماذا إذا فسدت تلك الجذور او أصابها التعفن والانحلال ؟ , حينها تبدأ الشجرة بالضعف والترهل والانكسار , لتموت بعدها بشكل بطئ وتختفي من الحياة الى الأبد , حيث يبدأ الضعف والوهن بالدبيب في سيقانها وفروعها , فتذبل أوراقها الخضراء اليانعة , وكذلك الأمم بفساد شبابها وتفسخ أخلاقهم , وانحدارهم الى أوحال الجاهلية ومفاسدها , ومما يحكى في هذا الشأن , بان الصليبيين قبل سقوط الفردوس المفقود " الأندلس " كانوا يرسلون كتائب من جواسيس الاستطلاع , وذلك بهدف معرفة أحوال الشباب فيها , فكانوا في بداية الأمر يجدوهم وهم يتنافسون على حفظ القران الكريم والأحاديث النبوية وقراءة كتب الأدب والثقافة وغيرها من العلوم , فكانوا يحذرون قومهم من مهاجمة امة هكذا حال شبابها , ( وقيل أن احد العيون وجد غلاما في الثامنة يصوب على عصفورين في ضربة واحدة , فأصاب وحدامنهم ... فحزن لذلك ... فسأله الجاسوس ما أحزنك وقد أصبت واحدا ؟ فقال: هب أناثنين من الفرنجة هجموا علي ولم يكن معي غير سهم واحد , فأصبت واحدا واخطات الآخر, فانه سيقتلني وأكون قد أخفقت في حفظ ثغر من ثغور المسلمين , ثم عادوا مرارا وتكرارا حتى وجدوا شابا يبكي ... فقيل له ما يبكيك ؟ فقال :- واعدت حبيبتيفي مكان كذا ساعة كذا , فلم توافني فيه فبكيت على فراقها وحزنت حزنا شديدا , فقالوا هذا هو الوقت المناسب للهجوم على المسلمين والنيل منهم )

وللأسف الشديد – فان وضع شباب الأمة اليوم اقرب الى الحال التي وصلت إليه الأندلس قبل سقوطها , وهذا لا يحتاج الى دليل او برهان لإثباته , ( فالعالم لا يسعد وخيرة الشباب في العواصم العربية عاكفون على شهواتهم , وتدور حياتهم حول المادة والمعدة , لا يفكرون في غيرها , ولا يترفعون عن الجهاد في سبيلها , ولقد كان شباب بعض الأمم الجاهلية الذين ضحوا بمستقبلهم في سبيل المبادئ التي اعتنقوها اكبر منهم نفسا , وأوسع منهم فكرا ) , وهي إشارة واضحة على النجاح الذي حققه أعداء هذه الأمة , بهدف تغريب شبابها , وإبعادهم عن الدين الإسلامي وقيمه الفاضلة , وتدمير أخلاقهم وشخصيتهم , وقوة عقيدتهم

نعم , لقد خسرنا الكثير والكثير نتيجة الحال الذي وصل إليه شباب هذه الأمة , ومن المؤكد بأننا سنخسر الأكثر في حال استمرار الوضع المزري على ما هو عليه اليوم , وفي هذا السياق يقول المبشر النصراني جب :- ( لقد فقد الإسلام سيطرته على حياة المسلمين الاجتماعية , وأخذت دائرة نفوذه تضيق شيئا فشيئا , حتى انحصرت في طقوس محددة , وقد تم معظم هذا التطور تدريجيا عن غير وعي وانتباه , وقد مضى هذا التطور الآن الى مدى بعيد , ولم يعد من الممكن الرجوع فيه , لكن نجاح هذا التطور يتوقف الى حد بعيد على القادة والزعماء في العالم الإسلامي , وعلى الشباب منهم خاصة ) , ونقول :- بان الأشجار التي تفسد جذورها في ارض طيبة , فتتحلل فيها روح الحياة وتموت , لا يمكن أن تتحمل تلك الأرض مسؤولية ذلك الفساد , وكذلك الأمم الفاضلة التي يتهاوى شبابها أمام مواكب الانحطاط والانحلال والتفسخ , لا يمكن أن نحمل نصوصها وقيمها ومبادئها الفاضلة , مسؤولية ذلك الانحدار بأعز ثمارها الى هاوية الردى , تحت شبهة أن تلك النصوص والقيم والمبادئ الفاضلة , لا تصلح للحياة والحضارة في هذا العالم الحر , او أنها فقدت القدرة والسيطرة على حماية أبناءها او رعايتهم وهدايتهم , فما أشبه الأرض الطيبة بالكلمة الطيبة , وما أشبه الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة , وكذلك الجذور الفاسدة , بالكلمة الخبيثة , وما أشبه الكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة , يقول الحق سبحانه وتعالى :- { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيبَةً كَشَجَرةٍ طَيبَةٍ , أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ * تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبهَا , وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ , ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ } , صدق الله العظيم 0

فيا شباب الأمة , وحماة عرينها وعقيدتها ولواءها , يا دماء الطهر والصفاء التي تجري في عروقها , فتستمد منها قوتها وطاقتها , يا رئتها التي تتنفس من خلالها هواء الحياة النقي , يا جذورها الطيبة التي لا يمكن لها الحياة بدونها , آما آن الأوان ليقظة لا غفلة بعدها , ونهضة لا انحطاط فيها ولا فساد , وبزوغ شمس لا يقهرها ظلام الجهل والانحطاط والتفسخ , ( فالمسلمين يمكنهم أن ينشروا حضارتهم في العالم الآن بنفس السرعة التي نشروها سابقا , بشرط أن يرجعوا الى الأخلاق التي كانوا عليها حين قاموا بدورهم الأول , لان هذا العالم الخاوي لا يستطيع الصمود أمام روح حضارتهم ) كما يؤكد ذلك المستشرق مرماديوك باكتول , وبالطبع فان ذلك لا يمكن أن يتحقق إلا على أكتاف أبناء هذه الأمة وخصوصا بتضحية من شبابها

نعم , فنحن مطالبون بالتضحية والإيثار من اجل رفعة هذه الأمة الغالية , ومطالبون بالتنازل عن الكثير من الرغبات الفردية والشخصية والشهوات الأنانية الدنيوية من اجل هدف اسمي واغلي وأكرم , - ونقصد – إعلاء كلمة الحق الممثلة بالإسلام وتعاليمه الخالدة الفاضلة الطيبة , وإعادته الى سالف عهده الذي كانت الأمم جميعها تسير خلف قيادته مطمئنة آمنة سالمة , ( فحقا على العالم الإسلامي أن يمني نفسه بهذا المنصب الخطير – أي – منصب قيادة الأمم بعد انسلاله منه , ويطمح إليه , وان حقا على كل بلد إسلامي وشعب إسلامي أن يشد حيازيمه لذلك , وان حقا على كل مسلم أن يجاهد في سبيله ويبذل ما في وسعه , فهذه المهمة الشريفة التي نيطت بالأمة الإسلامية , يوم برزت الى عالم الوجود , ويوم ظهرت نواتها في جزيرة العرب ) , وبالطبع فان ذلك لن يتحقق بالتذمر من صعوبة الحياة وقسوتها , او بالخوف من الظلم والجبروت والقهر , او برفع مستوى الأنا ومتطلباتها فوق المسؤولية تجاه الجماعة والأمة والدين

فيا أصحاب الأقلام من الشباب , اعدوا أقلامكم لتكون سيوفا في مواجهة الباطل , ويا أصحاب الكراسي والمناصب , أما آن أن توجهوا قوتها لخدمة الأمة والعقيدة والدين , فقد ملت جلوسكم العقيم عليها , ويا أثرياء الأمة ومليونيراتها , أما آن أن تستغل تلك الأموال المخزنة لرفع مكانة هذه الأمة العظيمة وتوجه لخدمتها , ويا حملة الشهادات العليا , أما آن لتلك الشهادات أن تنتفض من الغبار الذي تراكم عليها جراء طول بقاءها ميتته في براويزها المزخرفة , فانتم وقود نهضتها , وقنطرة رفعتها , وجذور حياتها , ودماء بقاءها , وهواء رئتها , ( شبابي إن كنت لا استطيع , أحقق فيه منى أمتي , فلا كان هذا الشباب العقيم , ولا كان زهوي ولا قوتي )