PDA

عرض كامل الموضوع : حياة الإنسان البدائي، وكيف توصل بطبيعته إلى التعدد



dr. elramady
16-05-2010, 01:39 PM
إذا تحدثنا عن ملف المرأة ودفتر أحوالها فيجب علينا تأصيل بعض القضايا والمسائل؛ وهذا ما دعا الكاتب أن يعود لجذور العلاقة الحميمية بين الرجل والمرأة سواء حصرت في مجالها الضيق " ذكر/أنثى "، أو شملت العلاقة الإنسانية بين كائن رجل يحترم كيان امرأة ...
نصوص المراجع الأصلية الدينية وفي مقدمتها الكتاب المقدس؛ العتيق منه والجديد، والقرآن الكريم أو اقوال العلماء القدماء والمعاصرين سنضعها في سياقها وقت أن نأتي إليها في حثيات هذا الملف.

إنسان الألفية الثالثة البدائي :
الممارسات اليومية لشريحة كبيرة من البشر في شتى أصقاع المعمورة تظهر وتكشف عن بدائية إنسان الألفية الثالثة إلا قليلاً منهم، فإذا كان الإنسان القديم يَقتِل من أجل الاستمرار في الحياة فالإنسان المعاصر يَقتِل حباً بالقتل. وهناك اليوم في صلب حضارتنا من يمتهن القتل. وإذا كان الإنسان القديم يَقتِل نداً له أو طفلاً فإن الإنسان الحديث يقتِل شعوباً ويفني أمماً ويعمل على إبادة أقوام بكاملها، والحروب الإنسانية العالمية منها أو الإقليمية التي دارت رحاها كلفت الإنسانية عشرات الملايين من البشر دون حساب تكلفة الخسائر المادية.
وإذا كان الإنسان القديم يمزق طريدته بأنيابه وأسنانه فإن الإنسان الحديث يمزقها بالسكاكين الحادة والأدوات القاطعة. وإذا كان الإنسان القديم يقتل فريسته بالسهام والرماح فإن الإنسان الحديث يقود ملايين القطعان إلى مذابح ومسالخ ترتعد لها الفرائص وتقشعر لها الأبدان. وإذا كان الإنسان القديم يقتل مرة في الأسبوع من أجل سد جوعة المعدة فإن الإنسان الحديث يقتل ألف مرة في اليوم حباً بالقتل أو مزاولة رياضة الصيد والقنص أو التباهي بمعطف فرو أو الحصول على ياقة سترة أو إكسسوارات وحلية لبعض أجزاء الملابس.
والخلاصة إذا أخذنا معيار التوحش بدلالته الأخلاقية العميقة فإن الإنسان الحديث يبدو أكثر توحشاً وهمجية وبدائية بمعيار النظرة المتوحشة إلى الإنسان القديم، وإليك بعض الأمثلة :
- ما فعله الغربي في سكان أمريكا الأصليين "الهنود" أو سكان استراليا؛ و
- ما فعله الغربي في شبة القارة الهندية
أو المتتبع لأحداث ؛
- الإستعمار لدول الشرق الأوسط ؛
أو
- الغزو الغربي للعراق ؛ أو
- جنوب أفريقيا
- وما جرى في إقليم البوسنة والهرسك ؛
- وما يمارسه الكيان العبري على أرض فلسطين وما يجاورها، يبين صحة هذه المقدمة، ويظهر مدى بدائية الإنسان الحالي.
لفظة البدائي والبدائية تحمل شحنة من الدلالة السلبية التي نسقطها على من يتصف بها نتيجة ممارساته لسلوكيات حياتية مع الآخر، خاصة الآخر الضعيف، سواء أكان امرأة أو طفلا أو شعباً. وتجري العادة على وصف سلوك ما بأنه سلوك بدائي عندما يراد ازدراء هذا السلوك ورفضه. وقد يوصف شخص بالبدائي لأنه لا يرتقي إلى المستوى الحضاري للسلوك الإنساني الذي يتصف بطابع السمو والرقي وفقاً لمبادئ وقيم دين أو مفاهيم وقناعات مبدأ. وغالباً ما تستخدم كلمة بدائي للدلالة على التوحش والوحشية، والتوحش هو حالة سابقة على الحالة الإنسانية الثقافية بما تنطوي عليه هذه الحالة من سمو وتحضر. فكلمة متوحش رديفة لكلمة بدائي وكلاهما تعبران عن حقيقة واحدة تتمثل في غياب المعيار الحضاري للسلوك الإنساني بمقاييسنا الثقافية المعاصرة وإن وضعت في آطر قانونية أو أعراف وتقاليد. والبدائية هي أدنى مستويات السلوك الإنساني وأقربها إلى أنماط السلوك التي نجدها في عالم الحيوانات الأدنى في النوع من الإنسان.‏ ولن نتعرض في هذا الجزء إلى المبادئ والقيم والمقاييس والقناعات التي رسخت في أعماق النفس البشرية أو دونتها كتب القانون أو مِن أين أكتسبها الفرد/ الأمة. مفهوم البدائية الذي يطبق على المجتمعات غير الغربية هو ابتكار القرن الثامن عشر.

علاقة الرجل البدائي بالمرأة مليئة بالغموض، علماء البحث في النظام الاجتماعي للشعوب البدائية والمؤرخون يقولون أن : "الشيوعية الجنسية كانت السائدة عند الإنسان البدائي مدفوع بطبيعته إلى الأنثى يعيش في إباحية مطلقة" (المقارنات والمقابلات ص 317، محمد حافظ صبري).
كما أن السبي وحب التغلب لا يختص بأمراة واحدة؛ والغالب له الحق في استئثار ما حصل عليه برمحه وسيفه فله حق استئثار المرأة فيباح له بيع المسبيات كما يباح بيع صيده، فطبيعة المرء أن يحمي ماله فيحمي النساء اللاتي اختص بهنَّ، أما الحياء فقد عُرف بعد مرور سنوات، بعض القبائل لاتزال على الفطرة الأولى(!) في نكاحها:
- فقبائل " البوشمان " افريقيا الجنوبية يسبى القوي امرأة الضعيف فتحل له بالسبي،
- جماعة "هنود أمريكا" يتحاربون ويتضاربون من أجل سبي النساء، الرجل القوي عنده الكثير من النساء، الضعيف ليس عنده لأن المقاييس هي الاستطاعة والقوة على الحيازة والسبي، والغيرة معدومة فحيازة المرأة للتفاخر، تطورت هذه الحماية والملكية إلى أساس للزواج وقيوده المختلفة، ومن الأدلة على هذا الرأي: النساء في القبيلة الواحدة في الجهات البدائية ينقسمنَّ إلى قسمين:
الأول: قسم المتزوجات الآتي لا حق لهنَّ في معاشرة غير أزواجهنَّ وأصلهنَّ من الأجنبيات المسبيات،
والآخريات وهنَّ بنات القبيلة الاتي لم يتقيدنَّ بالزوجية ولهنَّ الحق في التنقل من فراش إلى آخر لأنهنَّ غير مسبيات ويوقر الرجال النساء غير مقيدات بالزوجية ويمقت المتعيشات من الإباحية في بعض قبائل الهند وبعض الجهات من جزيرة جاوة مع أن حالة الصنفين واحدة من عدم القيود والشيوع (المقارنات ص321).
البلاد التي سبقت إلى الحضارة القديمة والتي تربت على الحياء الوراثي بفضل التعاليم الدينية وتأثير الخوف من عقاب الزنى مرت بهذا الطور إلى ما يشبه العقد والزواج.
المؤرخون القدماء يرون في : الحوليات الصينية ما جاء فيها أن :
" الإنسان البدائي لا يختلف في حياته عن الحيوان، يهيم على وجهه في الغابات والأحراش، والنساء ملكنَّ للجميع، والولد لا يعرف له أباً وينتمي إلى أمه، الإمبراطور " فو - هي " قضى على هذه الشيوعية الجنسية المباحة وحدد سن الزواج، كما أن الملحمة الهندية المعروفة باسم " مهابهاريا " تروي أن : " النساء في بدء الزمن كنَّ طليقات لا سلطان عليهنَّ ولم يشعرنَّ بالإثم والذنب من جراء ما يفعلنَّ، حتى جاء الملك " سويتا كينو" فقضى على هذه العادة القديمة وفرض الإخلاص على من يريد الزواج وجعله عهداً."
المؤرخون يذهبون إلى أن : "الإغريق يعتقدون أن الملك " ككروييس " اليوناني هو الذي جعل الزواج رابطة بين الرجل والمرأة بعد أن كانت الفوضى الجنسية هي السائدة" (عادات الزواج وشعائره؛ ص 9، أحمد الشنتناوي)، يؤيد هذا العلامة " باخوفين " في كتابه "حق الأم" سنة 1861م فقد ظهر له من دراسته لتاريخ النظم الإجتماعية الأوربية القديمة أن : " الأم هي التي كان يعتمد عليها في القرابة لا الأب"، واستنتح من ذلك :" أن الإنسان الأول لم يعرف له أباً، لما كان قائماً من الشيوعية الجنسية بين الرجال والنساء، فهي تحول دون معرفة الآباء فألحقت الذرية بأمهاتها وجعلت الأم محوراً للقرابة" (الأسرة والمجتمع ص 26، د. على عبدالواحد وافي)، وتوصل العلامة الإنجليزي الأسترالي " ماك لينان " الذي ظهر سنة 1877م إلى ما توصل إليه " باخوفين " وانتهى إلى نفس الرأي ولكن على طريقة دراسته للشعوب البدائية (د. وافي، المرجع السابق، ص 26)، ووافقهما العلامة " فريزر " ورأي ان الشيوعية الجنسية كانت سائدة عند بعض العشائر البدائية في أحدى مراحلها قبل أن تأخذ بنظام الزواج (د. وافي، ص 64، المرجع السابق)، وكذلك العلامة " موجان " ظهر له من دراسته على بعض الشعوب البدائية التي ترسم آثارها في امريكا أنها كانت تسير على الشيوعية الجنسية في اقدم عصورها (د. وافي، المرجع السابق ، ص 64).
والرحالة الذين عاشوا بين القبائل والشعوب الهمجية يؤكدون ما ذهب إليه المؤرخين والباحثين، والتي لا تزال تسيطر عليها بعض بقايا الشيوعية الجنسية التي اتخذت شكلا خاصا من الشيوعية ولم تتخل عنها إلى الأن :
- فمن عادة " الإسكيمو " أن الرجل منهم إذا حل به ضيف وجب إكرامه والمبالغة الإكرام أن يقدم زوجته للضيف طول مدة إقامته والإمتناع عن هذه المكرمة يعد عيباً وعاراً، و
- أهل استراليا الأصليون يمارسون هذه العادة إلى اليوم وفي
- شمال روديسيا عند قبائل " ياألا " يعير الرجل زوجته لضيفه. وفي
- بولينزيا في آحدى الجزر يسمح الزوج لإخوته ولكل من يساعده في مباشرة زوجته (النظم الإجتماعية والسياسية).
يذكر الرحالون أن اقواما في أفريقيا لا يعرفون للزواج أنظمة بل يشبعون غرائزهم إشباعا كامل دون أي قيد أو شرط (المقارنات والمقابلات، مرجع سابق) .
وللقوة أثرها الكبير وللأقوياء رغبة في الظهور أمام قبيلتهم متفاخرين بقوتهم وحبا في إظهار الإعلان عنها يجمعون تحتهم عدة نساء بلغ عددهن في بعض الجهات عشر نسوة أو مائة أو أكثر من مائة.
لم يُقْبِل الإنسان على التعدد إلا بعد أن نظمت حياته وعرف قيمة الزواج وملكية المرأة، ولعل هذا التعدد هو الصورة الأصلية للزواج عند الإنسان البدائي.
هذا كان في غابر الزمان ومنذ شهور مضت ظهرت على السطح في دولة شرق أوسطية قضية تبادل الأزواج/ الزوجات دون قيد أو شرط، وكأن التاريخ يعيد نفسه ولكن بالوسائل الحديثة ومن خلال الشبكة العنكبوتية العالمية.
ونتسأل كيف نحمي أولادنا من شر استطار، ولعل التوعية من خلال الشبكة ذاتها سبيل مع غرز قيم العفاف والطهارة في نفوس الشبيبة من خلال التربية الصحيحة، والله المستعان على ما تصفون ...
د. محمد الرمادي ~ فيينا 16 مايو 2010م
يتبع..