PDA

عرض كامل الموضوع : ابحاث تمهيدية لمستقبل أمة غائبة ج:3 ـ أم المؤمنين صفيَّة بنت حُيَيّ



dr. elramady
21-07-2010, 03:30 PM
سليلة الأنبياء … صفيَّة بنت حُيَيِّ .
ليعلم العالم أجمع مَن نحنُ ؛ وأية أمة هي أمة النبي أحمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وازواجه وأصحابه ومَن استن بسنته وسار على طريقته ؛ الكاتب يريد ترجمة النص القرآني والسنة النبوية الشريفة إلى سلوك يومي في حياة المسلم ؛ وهذه السلسلة صفحات من نور تقدم على أطباق من فضة وذهب رصعت بجواهر لتبين طريق الهدى .


الجزء الثالث (عقيلة بني النضير : أبوها نبي ... وعمها نبي ... وزوجها نبي)
توطئة:
يسعى الكُتَّاب في معرفة جميع الروايات ـ صحيحها وسقيمها ـ حين الكتابة عن الشخصية التاريخية سواء الباحث الذي يغوص في خبايا الشخصية التاريخية موضوع دراسته وثناياها، ليضئ شمعةَ التدقيق أمام ما غمضَ من مواقف أو أقوال، أو يرشدُ إلى موقف الشخصية التاريخية حين تستلزمه اللحظة الراهنة كنموذج يُقدم أو مثال يحتذى به.
أما الكاتب السارد(1) الذي يجمع المادة موضوع البحث من مصادرها - التي غالباً ما تحتاج للتحقيق، (مع قيام نخبة من العلماء بهذا العمل المضني) - ؛ الكاتب الساردُ الذي يجمع مادة ما يكتب عنه على النحو التقليدي المألوف في تراجم الأشخاص فيجمع شتى المرويات جمعاً لمَّا، وتقف أمامهما ـ الكاتب المحقق والسارد ـ صعوبات جمة منها أنه حين يُكتب عن الشخصية التاريخية لا ينبغي أن تصوَّر تصويراً مجرداً عن بيئتها أو من الظروف التي تحيط بها أو من الحالات التي تعتري البشر فهي ليست عنصرا فردا ومستقلا عما حوله، فالتاريخ لا قيمة له عندما نتناوله تناولاً ميتاً، سرداً مملاً جافاً، وتجميعاً للنصوص من بطون الكتب، تجميعاً فقط، بعيداً عن الواقع، ومن غير إسقاطه على ساحته لاستخلاص الفائدة منه، وتجاوز أخطائه، وفهم دروسه وعبره.
وهناك نوع ثالث من الكُتَّابِ يدس فكرته بين حنايا الشخصية التاريخية فيظنها القارئ ـ غير ملم بالتاريخ ـ من نسيج الشخصية أو من مقوماتها، أو يخلط ما بداخل نفسيته وما يحيط بعقله، سواء أكان الكاتب يحكي أحداث الشخصية التاريخية كرواية أو دراسات بعض المستشرقين.
التاريخ لا يقف عند الظاهر فقط بل يتعدى ذلك إلى الباطن حيث تكمن القوى الداخلية المحركة للقول أو التصرف فينبغي الغوص في أعماق هذه الشخصية وأعماق واقعها، لأن التاريخ "ليس الحوادث، إنما هو تفسير هذه الحوادث، واهتداء إلى الروابط الظاهرة والخفية التي تجمع بين شتاتها، وتجعل منها وحدة واحدة متماسكة الحلقات، متفاعلة الجزئيات، ممتدة مع الزمن والبيئة امتداد الكائن الحي في الزمان والمكان"(2).

هذه واحدة أما الثانية فهي ما كتبه المستشرقون، خاصة مَن لم "تمكنهم دراستهم من إدراك روح الإسلام واساس حضارته"(3)، ومَنْ حرفَ أو زييفَ تاريخ الأنبياء(4) وقد اعتمد مَن جاء بعدهم على أقوالهم دون تمحيص فجاء سوء الفهم، فمنذ القرن الثالث عشر الهجري ~ التاسع عشر الميلادي جاء التحدي لأفكار المسلمين ومشاعرهم وهُزم المسلمون أمام هذا التحدي هزيمة فكرية أعقبتها هزيمة سياسية مازالت آثارها باقية والتي نعاني منها حتى كتابة هذه السطور مع المحاولات المستمرة لإيجاد أرضية صلبة تلتقي فوقها أتباع الديانات والثقافات والحضارات فنبدأ جميعاً حواراً عماده النص واساسه العلم وفسطاطه العقل وبنفسية الحر وليس العبد المنهزم نغسياً أمام المنتصر أو المضبوع بثقافة الآخر أو لديه رأي مسبق عنه، وتنقيح الموروث الثقافي وغربلة التراث الذي انتجه عقل تسيطر عليه افكار ومفاهيم ليست إنسانية، وقد تعالت منذ سنوات أصوات الباحثين بإعادة النظر في التاريخ وكتبه والروايات التي بين دفيتيه، ووجد رجال تحقيق كتب التراث، ولذلك فإن تاريخنا الإسلامي بحاجة ماسة إلى طبقة جديدة من المؤرخين، يعيدون تحليل هذا التاريخ وعرضه بكل حيويته وتدفقه، وعناصره الظاهرة والباطنة، مما سيتيح بلا شك، فهماً أعمق لهذا التاريخ(5)، فصدرت رسالة تحمل عنوان "أخطاء يجب أن تصحح في التاريخ" (الطبعة الأولى 1406هـ ~ 1986م) نحو تأصيل إسلامي للدراسات التاريخية، كمشعل ينير الدرب، هذا في الشرق وفي الغرب صدرت العديد من الدراسات الجادة والموضوعية تستحق القراءة بل الدراسة من القارئ العربي، خاصة من يعيش في الغرب .
وإذا تحدثنا عن تاريخنا "الإسلامي" فالكاتب يريد بحق وبجدية إعادة النظر في تاريخ الأخر الديني وموروثه الثقافي والفكري، فالحديث عن القرية الكونية وما تملك اليوم من حرية البحث والتحري عن صدق وأحقية ما يدعيه الآخر مع غياب القوة التي تعيد الحق لاصحابه وما نملك جميعا من حقائق واستكشافات شملت جميع المعارف والعلوم تجعلنا بل تلزمنا أن نتعارف بصورة بشرية ونتعايش معاً ـ على هذا القدر من العلم بشكل إنساني، على الأقل العلم الحالي الذي نملكه وتبقى الحقيقة الخالدة "وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً" .
لا أريد أن يفوتني القول بعد أن تعرضتُ لعلم الإستشراق في عجالة، ( و ستأتي مسألة الإستشراق كبحث مستقل، ومطالبة كاتب هذه السطور بحتمية وجود علم „الإستغراب“ بعد أن وجد علم „الأقليات“) ورجاله ـ بما لهم أو عليهم ـ وما قدموه وهم أصحاب فكر وقلم، أن أنوه لضرورة إيجاد علم „الإستغراب“، خاصة ورجال الفكر والقلم من أبناء الأقليات الإسلامية يعيشون في الغرب و “يملكون لسان القوم“ ويفهمون „كيف يفكر ويشعر ويحس الغربي“ إزاء الأحداث - مثال: حرب الإبادة الجماعية في غزة (ديسمبر 2008 ~ يناير 2009) وحالتا التوأم: الفقر والجوع والتوأم الثاني : الجهل والأمية (القارة الأفريقية) .

الشخصية لا تتأتى تصرفاتها وافعالها وأقوالها من فراغ، فهناك عوامل داخلية وخارجية تحيط بها تجعلها تتصرف هكذا ـ كما فعلت أو قالت ـ والقصد كان ـ ومازال ـ تقديم نموذج راق بشري عن شخصية تاريخية تتكرر افعالها أو تصرفاتها أو أحداثها مرة ثانية في أماكن آخرى ومع افراد آخرين، ووقع اختيارنا على النموذج "القبطي المصري" عن قصد، وكنَّا نظن أن يجري بين أروقة الجالية وصالوناتها الثقافية المخملية مناقشات واعية ذات بُعد ثقافي راق بيِّدَ أن البذرة لم تجد تربتها الصالحة بعد، وها نحن نقدم نموذجا جديدا غير أن هذه المرة "عربي حجازي"، وبقدر ما نسعد بقراءة البحث ـ هذا ما نرجوه ـ سنسعد أكثر إذا ما كان مادة للنقاش وإنزاله على الواقع الحالي المعاش، فنحن نريد التفاعل الواعي المدروس مع التاريخ والتراث، كما ونريد التفاعل الواعي مع واقعنا اليوم بمتغيراته وما استحدث فيه، فإذا لم نملك أدوات الحوار وآلات التفاهم فقد غابت عنا عقلانية الإنسان وتراجعنا خطوات إلى الـ "أنا" المدمرة وتحكمت فينا شريعة الغاب.

الواقع المعاش أنه قد لا تتفق ثقافة مع آخرى في الطرح أو المعالجة لمسألة ما، أو تتعارض أحكام عملية تعالج مشاكل البشر وانبثقت من مجموعة مفاهيم معينة عن الحياة، مع آخرى، فينبغي إذن "التعارف ومن ثم التعايش" ، والسؤال أين يلتقي الإنسان بفكره مع آخر يخالفه !؟
بالقطع ليس قي قاعات المحاكم وساحات الوغى، والنداءات والدعوات المطروحة على الساحة الرسمية ـ دون الشعبية وإن تناولتها وسائل الإعلام ـ بحتمية وجود حوار، تفقد مصداقيتها إذا لم تترجم إلى إستراتيجية وخطة عمل قابلة للتطبيق. والتحذيرات التي تنطلق من حناجر المسؤولين سُمِعَتْ ولكنها لا تُشخص الحالة، بل إخبار عن الحالة ، فالتنظير والدعوات والدعاء والأمنيات أخذت نصيباً كافيا من الوقت، واستقبال الوفود في صالونات كبار الزوار بمطارات الدولة المضيفة أو مقر رئاسة الحكومة أو لقاءات في قاعات وبهو فنادق الدرجة الأولى ذات الخمسة نجوم ، محصلتها : لا تغيير في مناطق التوتر وأماكن الصراع.
فأين الجديد!
**

الهوامش والمراجع :
(1) السِّرْدُ في اللغة: تَقْدِمَهُ شئ إلى شئ تأتي به متسقاً بعضُه في أَثر بعض متتابعاً (العلامة ابن منظور، لسان العرب، المجلد السادس، باب السين، ص 233، ط. 1، 1408هـ~1988م، دار إحياء التراث العربي بيروت)
(2) سيد قطب، في التاريخ فكرة ومنهاج، ص37، ط3، بيروت، 1979.
(3) حياة محمد، محمد حسين هيكل، ص550، بحث "المستشرقون والحضارة الإسلامية"، الطبعة الثالثة عشر، 1968م، مكتبة النهضة المصرية.
(4) مثال كتاب: "الحضارات السامية القديمة" تأليف س. موسكاتي .
(5) د. عماد الدين خليل، ملامح الانقلاب الإسلامي في خلافة عمر بن عبدالعزيز، ص14، الطبعة الثانية، بيروت، 1391.
**
الجزء الثالث

سليلة الأنبياء … صفيَّة بنت حُيَيِّ ت 50 هـ . توفيت - رضي الله عنها - حوالي سنة خمسين للهجرة



قِيلَ: كَانَ اِسْمهَا "زَيْنَب" فَسُمِّيَتْ بَعْد السَّبْي وَالِاصْطِفَاء "صَفِيَّة"(1)، فقال النووي: الصَّحِيح أَنَّ هَذَا، كَانَ اِسْمهَا قَبْل السَّبْي، وقال عنها كُتَّاب السيرة: أنها التقيّة الزكيّة، ذات العين الباكيّة، صفيّة الصافيّة، زوجة النبي صلى الله عليه وسلم(2)

معاملة بنات عظماء الممالك:

سُنة متبعة وطريقة ثابتة(3) فقد "اقتفى بذلك اثر الفاتحين العظماء الذين كانوا يتزوجون من بنات عظماء الممالك التي يفتحونها ليخففوا من مصابهم ويحفظوا من كرامتهم"(4) جاء في صحيح البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا"، فهذه الرواية توضح أن إسلامها كان قبل زواجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن محصلة معاملة نبي آخر الزمان لها قالت:" مَا رَأَيْت أَحَدًا أَحْسَن خُلُقًا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"(5) فظهر سلوكها مع النبي في عدة مواضع منها ما أخرجه ابن سعد عن الواقدي بأسانيد له في قصة خيبر قال: ولم يخرج من خيبر حتى طَهُرَّت صفيّة من حَيِّضها فحملها وراءه، فلما صار إلى منزل على ستة أميال من خيبر مَالَ يريد أن يُعَرِّسَ بها، فأبت عليه أن يفعل(6)، فَوَجَدَها في نفسه، وشق عليه تمنعُها، ثم استأنف سيره راجعاً بعسكره إلى المدينة، فلمّا كان بالصهباء ـ بعيداً عن خيبر ـ وهي على بريد من خيبر، نزل بها يستريح، فبدا له أن "صفيّة" متهيئة للعرس فجهَّزتها ومشطتها أم سُليم وعطرتها، وأهدتها له من الليل(7)، وظهرت "صفيِّة" عروساً مجلوة، تأخذ العين بسحرها حتى لتقول أم سنان الأسلمية إنها "لم تر بين النساء أضوأ منها"(8)، ووراء جلوة الفرح المرتقب غابت آثار الحزن والألم، وكأن العروس نسيت المذبحة المروعة التي ألقت بأهلها صرعى مجندلين، وأخرجتها من حصن "القموص" ذليلة أسيرة، تساق بين السبايا!!!"، فدخل على "صفية" وفي نفسه شئ من موقفها الأول، وأقبلت عليه وقد وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بخدها آثر لطمة (اخضرار في عينها) فقال: (ما هذه ؟)، فقالت: في ليلة زفافي بكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، رأيت كأن القمر أقبل من يثرب، فسقط في حجري، فلما صحوت من نومي قصصت المنام على ابن عمي ابن أبي حقيق فلطمني، وقال غاضباً: "ماهذا إلا أنك ُتمنين أن يتزوجك ملكَ الحجاز محمداً"، فهذه من لطمته(9)، فَسَرَّه ما سمع من حديثها، وهمَّ بأن يَقْبِلَ عليها لكنه أمسكَ وسألَ:" ما حملكَ على الامتناعِ أولا؟" أو قال :" ما حملكَ على إبائِك في المنزلِ الأول"، فأجابت العروس من فورها: خشيتُ عليكَ قُربَ اليهود(10)، يعني ارادت أن يبتعد كثيراً عن ديار اليهود لئلا يغدروا به، فكانت حريصة عليه حرصاً شديداً، هذا الذي ذكره كُتَّاب السيرة. فزال ما كان يجد في نفسه من جفوة وزادها ذلك عنده محبة في فؤاده ومنزلة عليّة في نظره ومكانة طيبة جلبت عليها المتاعب.

موقف آخر منها مع الفارس النبيل:
لما هَمَّتْ صفيّة أن تركب البعير ثنى لها نبي آخر الزمان "ركبته" لتركب فأجَلَّتْ أن تضع "قدمها" على فخذه الشريف فوضعت "ركبتها" على فخذه وركبت البعير (11)، لم تروي لنا كتب السِيرة موقفاً كهذا، فكان لها رضي الله عنها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رعاية خاصة طوال حياته معها، حيث شعر بغربة صفية، فبقية نسائه قرشيات بين قومهن، أما هي فغريبة، ولأنها غريبة فلها معاملة خاصة، ولها عطف خاص، ولها رعاية خاصة، وهذا أيضاً من حسن السياسة، ومن الحكمة في التعامل.
وكرجل أتساءل ... مَن من رجال أمة محمد يذهب ليفتح باب سيارته أمام زوجته أو أمه أو خالته أو عمته أو ابنته ؛
وكرجل سني (!) أتساءل كم من أتباع الحبيب المصطفى الهادي يقوم بهذا الفعل ؛ أي السنة يتبع أهل السنة !!

كان لهذه السيدة المصون مواقف جليلة وتصرفات نبيلة تنبئ عن كبر عقلها، وعظيم إخلاصها، والحقيقة أروع ما في المرأة عقلها، المألوف أن المرأة تزهو بجمالها أو بأنوثتها، أما حينما يضاف إلى جمالها عقل راجح فتكون شيئًا نادرًا جداً، فما أروع العقل بالمرأة مع جمال نادر يأخذ بلب الرجل ويأسر فؤاده ويجمع محبتها في سويداء قلبه.

صفيَّة في بيت النبوة ... وقفات مع هذه الزوجة الصالحة:


ثم انتقلت "صفيّة" إلى دور النبي وما أن حلّت صفيَّة رضي الله عنها بين أمهات المؤمنين شريكة لهنَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أثارت حفيظة بعضهنَّ، وقد لاحظت هي ذلك، فواجهتها مشكلة محيرة: كانت عائشة ومعها حفصة وسودة في "معسكر"(!) والزوجات الأخريات في جانب آخر مقابل له تقف معه السيدة فاطمة الزهراء رضى الله عنهن. وتلك سنة الله في النساء، وغيرة المرأة ميزة فيها، أية امرأة على وجه الأرض تحب أن يكون زوجها لها وحدها، فالمرأة هي المرأة، وهذه الزوجة الذكية اكتشفت أن الخطر لا يأتيها إلا من زوجتين تقتربان منها في السن والجمال؛ السيدة عائشة، والسيدة حفصة، بل "الخوف كل الخوف من عائشة في غيرتها الجامحة، وضيقها بكل ضرة حسناء تدخل بيت المصطفى وتشاركها فيه!"(12) وهي التي أعلنت قولها صراحة :"ومالي لا يغار مثلي على مثلك".

كان رسول الله في بعض اسفاره ومعه في ذلك السفر صفية بنت حُيَيّ وأم سلمة، فأقبل رسول الله على هودج صفية وهو يظن أنه هودج أم سلمة -وكان ذلك اليوم يومها فجعل يتحدث مع صفية فغارت أم سلمة، وعلم رسول الله بعدُ ذلك أنها صفية، فجاء إلى أم سلمة فقالت:"تتحدث مع ابنة اليهودي في يومي؟"، قالت:" ثم ندمتُ على تلك المقالة" فكانت تستغفر منها، قالت :" يارسول الله، استغفر لي فإنما حملني على ذلك الغيرة"(13) .

لاحظت صفية هذا الأثر في نفوس بعض ضرائرها فقدمت لهن بعض الحُلِّي من الذهب كرمزٍ لمودتها لهن، كما قدمت ذلك لفاطمة بنت زوجها، كهدايا لضرائرها ولفاطمة ابنة النبي عليه الصلاة والسلام لكسب ودها، وأبوها هو القائل:"تهادوا تحابوا"، وهذا أسلوب ذكي جداً، الإنسان أحياناً يحقق بعض أهدافه بكلمة طيبة أو بهدية مخلصة، بيّد أن تقربها هذا لم يعصمها مما كانت تخاف منه، فكانت صفيَّة دائما تُذَكَّر بالدم اليهودي(14) الذي يجري في عروقها، -جهرا أو تلميحاً، وخاصة من زوجات النبي رضي الله عنهن.

وقد آلَمَ صفيَّة أن عائشة وحفصة اللتين شاركتا بقية نساء الرسول في النيل منها، ومفاخرتها بأنهن قرشيات أو عربيات، وأنهنَّ بنات عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه، وهي أجنبية دخيلة، حتى حَدَثتْ الرسولَ بحديثها باكية شاكية إليه ما ألم بها منهن، فقال لها الرسول مواسياً: "ألا قلت: وكيف تكونانِ خيراً مني، وزوجي محمد، وأبي هارون وعمي موسى !!!؟(15)، ثلاثة أنبياء اجتمعوا حول امرأة من حيث النسب والمصاهرة، فنزل قول النبي عليه الصلاة والسلام برداً وسلاماً على قلبها، وكان لها منه حمى وملاذا.

كانت صفية عاقلة فاضلة حليمة غلبت عليها مقومات شخصيتها وعناصر معدنها فلا تأبه لتلك المضايقات.
يتبع ....
محمد الرمادي
__________________

المراجع والهوامش :

(1) مراجع نَسَبِ عقيلة بني النضير سليلة الأنبياء "صفيّة" كما جاءت في الجزء الثاني على التوالي:" الطبقات الكبرى 7/120، الإستيعاب 4/346، الإصابة 4/346. والمعلوم، كما قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية عند ذكره قصة موسى عليه السلام:" إن تفسير الشريعة الموسوية كان لهارون وبنيه عليه السلام. وإن الله تعالى جعل هذا الحق لهم لا يشاركهم فيه أحد من بقية أسباط بني إسرائيل، والتوراة الحاضرة تقول بهذا (انظر سِفر اللاويين 3/10) ومفسروا الكتاب المقدس يقرون بهذه الحقيقة ولا يختلفون عليها. وخيمة الاجتماع هي المكان الذي كان موسى عليه السلام يتعبد فيه ومنها تخرج تفسير الشريعة لبني إسرائيل. ومما ورد في ذلك: قال الرب لموسى (تقدم هارون وبنيه إلى باب خيمة الاجتماع، وتغسلهم بماء وتلبس هارون الثياب المقدسة وتمسحه وتقدسه ليكهن لي، وتقدم بنيه وتلبسهم أقمصة وتمسحهم كما مسحت أباهم ليكهنوا لي ويكون ذلك لتصير لهم مسحتهم كهنوتا أبديا في أجيالهم). وذكر مفسروا أهل الكتاب إن المسح على هارون وبنيه يعنى تطهيرهم بحيث لا يكون للشيطان فيهم نصيب، لأن من نسلهم يخرج الأنبياء، ولأن هارون وبنوه لهم وحدهم حق تفسير الشريعة وجعلهم إسوة حسنة ليقتدي بهم أسباط بني إسرائيل. ومما ورد في التوراة الحاضرة (وكلم الرب هارون قائلا: خمرا ومسكرا لا تشرب أنت وبنوك معك ... للتميز بين المقدس والمحلل وبين النجس والطاهر. ولتعليم بني إسرائيل جميع الفرائض التي كلم الرب بها موسى) ... وعلى هذه الخلفية حمل اليهود بعض من بقية ما ترك آل موسى وآل هارون. وانتهى هذا الأثر إلى حُيي بن أخطب الذي كان يتفاخر على اليهود بأنه من ذرية هارون عليه السلام. وكان اليهود في الحجاز يتباركون بما لديهم من آنية مقدسة تحمل معالم آل موسى وآل هارون.
(2) الحافظ أبو نعيم في كتابه حلية الأولياء.
(3) ضاعت هذه السُّنة ومحيت من الوجود مع وجود المواثيق والأعراف الدولية والمتعلقة بمسألة الحروب والأسرى، ولعل أوضح مثال على ذلك ما حدث في حرب يوغسلافيا السابقة من حالات الإغتصاب فما تُركت أنثى من الصغيرات صواحب الدمى او العجائز اللآئي بلغنَّ سن اليأس ولا يرغب فيهنَّ فحل طليق إلا وتم الفعل المشين بها، ووضع القدس الشريف تحت الإحتلال وتهويد الحجر قبل البشر، وأخيراً وليس أخراً ما حدث يوم الجمعة 02 أكتوبر 2009 في جنيف، لجنة حقوق الإنسان بتأجيل تقرير جولدستون بإدانه إسرائيل في حربها على غزة في مطلع العام الحالي إلى بحثة في مارس 2010م برغبة أمريكية وتواطؤ عربي وسكوت إسلامي، ثم أعيد طرحه للمرة الثانية كرد فعل لحالة الغضب الشعبي.
(4) حياة محمد، محمد حسين هيكل، ص392، بحث "خيبر والرسل إلى الملوك"، الطبعة الثالثة عشر، 1968م، مكتبة النهضة المصرية.
(5) أَخْرَجَه الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَادٍ حَسَن.
(6) السمط الثمين 120، والإصابة 8/126.
(7) اللؤلؤ والمرجان، من حديث أنس رضي الله عنه، المتفق عليه، كتاب النكاح: ح 900.
(8) الإصابة: 8/126 مع طبقات ابن سعد 8/121.
(9) السيرة 3/350 هذه الرواية جاءت في سياق آخر، فعند الطبريِّ في تاريخه جاء لفظ "ملك يثرب"، في حديث ابن عمر رضي الله عنهما، ورواه الطبرانيُّ ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد : 9/251) والسمط الثمين 120. ورواية:"صفيَّة أنها رأت أن "الشمس" نزلت حتى وقعت على صدرها، فذكرت ذلك لأمهـا فلطمت وجهها وقالـت: (إنّك لتمدّين عُنُقك إلى أن تكوني عند مَلِك العرب)"، ووردت في رواية بالإصابة - عن ابن إسحاق في رواية يونس بن بكير ـ وفي عيون الأثر، أنها - أي الرؤيا - قَصَّتَها على أبيها. فالروايات تذكر الزوج مرة وآخرى الأم وثالثة الأب. يعلق د. النابلسي على هذه الرواية بقوله:" فحين أخبرته عليه السلام برؤياها كبرت في نفسه حين سمع منها هذه البشارة التي زفَها الله تعالى إليها في هذه الرؤيا الصالحة، وواسى آلامها وخفّف من مُصابِها، وأعلمها بأن الله تعالى قد حقق رؤياها. وأحياناً يرى الإنسان رؤيا واضحة جداً، هذه الرؤيا الواضحة هي من عند الله عز وجل، فربنا عز وجل بشرّ هذه المرأة الصالحة التي جعلها من نسل يهودي بأن زوجها رسول الله، ومن خلال هذه الرؤيا التي رأتها أدركت أمها معنى هذه الرؤيا، فلطمت وجهها.
(10) الإصابة 1/126.
(11) طبقات ابن سعد.
(12) د. عائشة عبد الرحمن، بنت الشاطئ، تراجم سيدات بيت النبوة رضي الله عنهن، دار البيان للتراث، القاهرة، ط. 1، 1987، ص 384.
(13) الحديث أسنده الواقدي عن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، طبقات ابن سعد:8/95.
(14) ومن الهدي النبوي: وقفَ نبيُّ آخر الزمان موقفاً أبلغ من ذلك لما جاءه عكرمة مسلماً ووَجَهَ أصحابه الكرام فقال: "جاءكم عكرمة مسلماً، فإياكم أن تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي، ولا يبلغ الميت".
(15) رواه الترمذي، وجاء في رواية آخرى :"قولي لهما: " إنك لابنة نبي وعمك لنبي وإنك لتحت نبي ففيم تفخر عليك"، الإصابة 8/127- والنقل منها - والاستيعاب 4/1872، والسمط 121. روى أبو نعيم عن أنس قال: بلغ صفية أن حفصة قالت لها:" بنت يهودي"، فبكت، فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي تبكي فقال: ما شأنك؟ قالت: قالت لي حفصة: إنك بنت يهودي، فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: إنك لبنت نبي، وإن عمك لنبي، وإنك لتحتَ نبي، فبما تفخر عليك، يعني كل من حولك أنبياء، ثم قال: اتق الله يا حفصة.

سلامة الروح
21-07-2010, 03:46 PM
أخي القدير جدااااااا محمد

تضوع عطرك
ولاح ابداعك

نشاط رائع
انتظر منك الكثير
دمت متألقا هنا وبيننا
تحياتي وفائق احترامي

dr. elramady
21-07-2010, 04:04 PM
أختاه ابنة أرض المعراج !
اثني ركبتي لتركبي مهرة خيل العرب الأصيلة لتتجولي بطمأنينة بين ربوع أرض الأنبياء ...لكن ... بعد حين