سره ذاته لا مهنته



بقلم سمير عطالله



لا أعرف عدد الكلمات التي كتبت في رثاء غسان تويني. مائة. مئتان. نصف ألف؟ لا أدري. لكني لاحظت في كل الكلمات التي قرأت، أن كل كاتب يتحدث عن مشروع خاص مع غسان تويني. مشروع تشجير أو إقامة متحف أو ناد ثقافي. كل كاتب يتحدث وكأنه أمضى نصف عمره مع غسان تويني، أو كأنه لم يكن لدى غسان تويني، الصحافي والوزير والنائب، ما يفعله سوى مشاركة زائره.
أين هي المفاجأة؟ في أن كل ذلك كان صحيحا. في أن غسان تويني كان صادقا في مشاركة الناس بما يحلمون. وكان مقتنعا بأن دوره ودور جريدته هو تشكيل لبنة عظيمة في بناء بسيط. ولكثرة ما كان كبيرا لم يكن يعتقد أن كل الأشياء ذات أهمية وجميع الناس صالحون.
بداية عملي معه، سنوات الطيش والنشوء، سألني مرة: «هل قرأت صحف اليوم؟» وبكل طيش مؤداه العجرفة، أجبت: «أنا لا أقرأ الصحف اللبنانية». لم يغضب ولم يؤنب بل قرر أن يعلم الجاهلين، وقال: «إذا أردت أن تكون صحافيا في لبنان فعليك أن تقرأ صحفه. وإذا أردت أن تكون صحافيا في فرنسا فعليك بقراءة صحفها».
بدل أن أخجل وأتراجع تماديت إلى القول: «لكنني أعمل في القسم الخارجي ولا حاجة إلى الاطلاع على ترهات لبنان». أكمل الدرس: «ترهات لبنان الداخلية جزء من القسم الخارجي في صحف العالم. الصحافة لا تقسم الأحداث إلى طبقات». سرّ غسان تويني صاحب «سر المهنة وأسرار أخرى»، أنه كان يأخذ كل إنسان وكل فكرة وكل عمل، على محمل الجد. اعترضت يوما على ظهوره في برنامج تلفزيوني مع زملاء دونه مكانة ومعرفة ومستوى. وكان جوابه: «لعل لدى هؤلاء السادة معرفة لا تعطيهم صحفهم الصغيرة الفرصة لإظهارها».
ادعى عشرات المجهولين والمعروفين القربى من غسان تويني. ويقيني أن هذا كان صحيحا تماما في مرحلة ما وظرف ما. فعندما أصبح وزيرا للتربية أهملنا جميعا وصار يتعلم في التربية كيف يكون وزيرا جيدا. وعندما صار سفيرا في الأمم المتحدة صار يستقبلنا في مكتبه كغرباء. أما في البيت فكان يشعرنا بما عودنا عليه: أهل ورفاق وفي حاجة إلى رعايته.
تحمل منا، دون أي مبالغة، ألف ما تحملنا منه. جعلنا نصدق أنه في حاجة إلينا ولسنا من يحتاج إليه. وبعضنا أخذته العزة بالكذبة الجميلة فقبَّحها. بسبب طبيعته، ألغى تماما تلك المسافة التي أبقى عليها محمد حسنين هيكل، بين صاحب العمل والعاملين معه. وكذلك فعل كثيرون من أصحاب الصحف، وإن كانوا لا هيكل ولا تويني. وأحيانا حتى ليسوا بصحافيين أو شبه لهم.
سوف يبقى كثير من غسان تويني المفكر والسياسي والصحافي. لكننا نكتشف كلما امتدت طريق الغياب أن أبقى ما فيه كان غسان تويني بأبعاده الإنسانية الطاغية النبل.