لوحة خضراء بهية



بقلم عبدالعزيز القاسم



نباهي دوماً بهذا الالتحام العائلي بين ولاة أمرنا وأفراد المجتمع بهذا الوطن الساكن في قلوبنا. في مناسبات إعلامية عديدة، لطالما قلت بأن العلاقة التي تجمعنا والأسرة الحاكمة، هي أقرب لروح العائلة، من علاقة بين ملك ومواطنين، نستشعر هذا الحب العائلي بيننا كأفراد أسرة حقيقية، وقد يعتب الأب ويقسو أحياناً على بعض أبنائه، ولكن يظلّ الحبّ الأبوي كامناً، حتى في تلك القسوة التي غرضها التربية والتوجيه.
هذه الحميمية العائلية تتبدّى في نظرتنا ووالدنا خادم الحرمين الشريفين وحدبه وحبه لشعبه، وقد بادلناه هذا الشعور، من أصغرنا لأكبرنا، بل حتى بعض أولئك الحقوقيين والناشطين منا، يقرّون بهذه الروح تجاه رمزنا الأكبر في هذا الوطن الذي نحتفل به هذا اليوم.
يمرّ علينا هذا اليوم الوطني، والوطن كله يفتقد رمزين من كبار رموزنا، بل كانا – يرحمهما الله - ركنين هامين في مؤسسة الحكم، فقد نشأ جيلي في عهد الملك فهد - يرحمه الله - وتفتح وعيه السياسي في تلك المرحلة، وكانت أسماء الملك عبدالله، والأمير سلطان، والأمير نايف، هي الأسماء الأهمّ والأكثر التصاقاً بوعينا، وكانوا هم عضد ويمين خادم الحرمين الشريفين الملك فهد - يرحمه الله - الذين وثق بهم، ولذلك فإن انتقالية الحكم - بعد سلطان ونايف - بسلاسة وهدوء في الأسرة الحاكمة، لم يك مستغرباً منا، في وقت تنبأ الكثير ممن لا يعرف هذه العلاقة بين الشعب وولاة أمره بثمة صراعات ستحدث..
أتذكر أنني سئلت في فضائية (الحرة) الأمريكية وقتما توفي الأمير سلطان - يرحمه الله - عن اللغط الذي أثاره بعض المعارضين، وقلت وقتذاك بكل ثقة: "نحن كمواطنين لا نخشى أبداً، ما يلوكه الإعلام الغربي، وما يرجف به بعض الموتورين في لندن ونيويورك، بأن ثمة فتنة وانشقاقات، وتهويلات - راجت في الاعلام الغربي وقتذاك - ستقع في بلادي، إننا لا نعير هذا الأمر كثير اهتمام؛ لثقتنا بولاة أمرنا الذين يرتبون البيت من داخله، ولا يتقدم سوى الأكفأ والأجدر، ومن أجمعت عليه الأسرة المالكة، طالما كان والدنا الحكيم الملك عبدالله هو رأس هذا الهرم السياسي". وفعلاً حدث ما تكلمت عنه، وانتقلت الأمور بسلاسة ويسر والحمد لله.
ربما لو كان ما حدث في دولة أخرى، مشابهة لاهتزت البورصة عندهم، ووقع اللغط الكبير، وبقي الحدث لأسابيع عديدة، وتأثرت السياسة الداخلية والخارجية، إذ فقدان ركنين هامين في غضون ثمانية أشهر فقط، لا يعتبر أمرا سهلا على دولة بحجم السعودية، وثقلها المالي والاقتصادي والسياسي في العالم، ولكن لأننا في وطن هو في الصميم من قلوبنا، والعلاقة بما أسلفت بيننا وولاة أمرنا، وتحت قيادة عبدالله بن عبدالعزيز، مرّت الأمور بسلاسة وبسلام وهدوء، ودعنا رمزينا الكبيرين في حزن عميق على فقداننا لهما، واستبشرنا بالمستقبل ولله الحمد.
أعود ليوم الوطن الذي نحتفل به اليوم، وأجزم بأن ثمة تجاوزات من الشباب ستقع، وهم في مرحلتهم العمرية التي تجعلهم مندفعين لإبداء عاطفتهم، وقد اشتكى عقلاء المجتمع مما يفعلون في الأعوام الماضية، ولكن من الضروري استيعاب هذه الطاقة المتفجرة، وتصريفها بطريقة عاقلة ومتزنة، بتخصيص أماكن لهم للاحتفالات والرقص الشعبي بذائقة مناطقهم، بل حتى أولئك الذين يودّون الاستعراض بسياراتهم في مواكب خضراء تجوب الشوارع، ينبغي على أمانات المدن تهيئة الأماكن الخاصة لذلك، من الخطأ لجم مشاعر الشباب وعواطفهم، بل الأصوب توجيهها وتفريغها في أماكنها المناسبة لها..
دون أن أنسى الفتيات اللواتي علينا توجيههن أيضاً إلى ما يتناسب وبيئتنا المحافظة، ليتنا نخصّص لهنّ أماكن يحتفلن بطريقة تراعي خصوصيتهن.
كل عام ووطني بأعلى وأرفع مكان، ولوحة خضراء كبيرة تُرسم ببهاء، تترجم حبّ الشعب وتلاحمه وولاة أمره، وهذه الأرض الأغلى.