ما بعد التاريخ



بقلم سمير عطالله



بدأتُ الصحافة في زمن كان فيه السياسيون مأخوذين بصناعة التاريخ. نيكيتا خروشوف كان يقيم جدار برلين، وجون كيندي كان يعلن أنه مستعد للحرب لفك حصارها. شارل ديغول وكونراد أديناور أنهيا في مدينة صغيرة تدعى بون، قرونا من الحروب والعبث والثأر والدمار والرعب والاعتداء والموت. كان كلاهما قد تقدم في العمر، واكتشف أنه أمضى حياته في الخوف وتحت رحمة الجلاوزة وطريقة رؤيتهم إلى الحياة.
أفريقيا كانت تحلم بوحدة تضم القارة بأنهارها وغاباتها وخصبها وصحاريها وآمالها. آسيا كانت في الشوارع تغني للحرية وتحاول الخروج من عصر المستنقعات والملاريا. قبرص، التي في حجم قبضة اليد، كانت تقاتل البريطانيين. بريطانيا الإمبراطورية كانت تنسحب مما سمته «شرق السويس» لكي تغني مع «البيتلز» وتقصر فساتين النساء بحجة توفير الأقمشة، وتطيل شعور الرجال بحجة توفير مصاريف الحلاقين.
الجزائر كانت تسعى لجعل تجربتها في الحرية، طرازا عالميا، والعالم لا يزال يقرأ معها، فرانز فانون وكاتب ياسين. تونس يسمى رئيسها المجاهد الأكبر. في مقهى خشبي في «دار السلام» يرسم المناضلون طريق التحرر في أنحاء القارة، غير مهتمين بأنهم لا يملكون ثمن فنجان القهوة. ولم يكن النادل يطالبهم به في أي حال. كل شيء كان مجانا أو على حساب الأخوة والحرية.
مصر كانت تعد لحرب فلسطين. و«البعث» في سوريا والعراق كان يخوض الحرب على عبد الناصر. ولبنان كان يملأ العالم العربي بصوت فيروز، ويعيد هو عذوبات سيد درويش. ونزار قباني صار يغني على المسارح. ومن الجامعة الأميركية في بيروت يخرج المد العربي.
كل شيء، في كل مكان، كان هاجسه وطابعه، صناعة التاريخ. كل سياسي وفنان وشاعر، يريد أن يكتب اسمه على لوحة المستقبل ولائحة الشرف. هوشي منه، الذي تعامل مع المخابرات الأميركية ذات يوم، كان يقود الآن تحرير فيتنام في الأدغال المحروقة. وماو كان ينام على وسادة «الكتاب الأحمر».
هاجس باراك أوباما، المعركة الانتخابية. وهاجس مصر استمرار المساعدات. وهاجس سوريا في نشرة الأخبار وركام حلب. وهاجس العراق التفوق على سويسرا في نموذج «دولة القانون». لم يعد للتاريخ مكان ولا أهمية. كان هاجس ليبيا التحرر من الاستعمار، الآن التحرر من الميليشيات.. على أنواعها.