يحموك في كنكة

[COLOR=#000000 !important]بقلم / هيام محى الدين
يحدثنا التاريخ الإسلامي عن الصراع الذي دار بين المسلمين بعد مقتل عثمان رضي الله عنه وعدم اعتراف معاوية بن أبي سفيان بالبيعة للإمام على بن أبي طالب والحرب التي دارت بينهما في موقعة صفين (37هـ) وحين بدا أن نتيجة المعركة العسكرية ستكون لصالح جيش على واستعد معاوية للفرار أشار عليه عمرو بن العاص ؛ بأن يرفع جنود جيشه المصاحف على أسنة الرماح مطالبين بالاحتكام إلى كتاب الله وشريعته ؛ لينقذوا أنفسهم من الهزيمة ؛ وينالوا بذلك فرصة أخرى للوصول إلى أهدافهم بإبعاد على بني هاشم عن الخلافة والحكم ؛ وقد انتهى التحكيم كما نعرف بفشل الحكمين أبو موسى الأشعري ممثل على وعمرو بن العاص ممثل معاوية في حسم الأمر لممارسة عمرو لعملية خداع ساذجة على أبي موسى واستغلال طيبته وهواه الشخصي .. وأي قارئ للتاريخ الإسلامي يعلم تفاصيل هذه الأحداث التي انتهت بقيام الدولة الأموية وظهور الشيعة والخوارج وانقسام الأمة الذي مازلنا نعاني منه منذ ألف وأربعمائة عام وقد تمخض الغباء الفكري لجماعات التأسلم السياسي من الإخوان والسلفيين على اللجوء لنفس الحيلة القديمة لعلها تؤدي إلى نفس النتائج فيستعيدوا بذلك فرصة إسقاط نظام 30 يونيو واستعادة الساحة السياسية لعلهم ينجحون في العودة إلى الصورة مرة أخرى ؛ وحددوا يوم الجمعة 28 نوفمبر الحالي لرفع المصاحف مطالبين بنفس الطلب التاريخي وهو الاحتكام لكتاب الله وتطبيق الشريعة كما يفهمونها وذلك بعد فشلهم الذريع في الحشد ؛ والكراهية الشعبية لإرهابهم المدمر ؛ والرفض الشامل لأساليبهم في الشغب والتخريب ومحاولاتهم الفاشلة لإشاعة الفوضى ؛ وهم يظنون أن لجوءهم للاحتماء وراء المصاحف المرفوعة سيساعدهم من خلال مداعبة العواطف الدينية للجماهير واحترام المسلمين للقرآن الكريم والمصحف على استعادة حشود جماهيرية تجبر النظام على التفاوض معهم والاعتراف بهم.
وهم بذلك يعيشون وهما يتسم بالحماقة ،لأن خدعتهم كما يقول المصريون ” قديمة” وكما سمعت أحد المواطنين يرد على واحد منهم يدعوه للمشاركة في رفع المصحف فقال له: يحموك في كنكة ، وانفجر الحاضرون بالضحك وكان الرد المعتمد على التراث الشعبي الساخر حاسماً ؛ مؤكداً ضآلة حجمهم وتفاهة فكرهم في نظر رجل الشارع المصري فامتهان كتاب الله وكلماته المقدسة ؛ واستخدامه في غير ما أنزل من أجله ، وتعريضه لحظر الإتلاف والتمزق من خلال تظاهرات معرضة للاشتباك مع الشرطة والجيش والشعب الرافض لأساليبهم ؛ يعد في نظر كل مسلم معصية يعاقب عليها ؛ وليست طاعة يثاب فاعلها ؛ بل يرى كل متدين مسلم في هذا السلوك دعوة مضادة تحرض على الاستهانة بالإسلام وبالكتاب الخاتم.
كما يكشف تخطيطهم الغبي ، عن ازدراء غير مسبوق للمقدسات ؛ وعن فجر فاحش في أسلوب التجارة بالدين للوصول لأهداف سياسية ؛ فلا فرق بين ما يريدون فعله ، وما فعله القس الأمريكي الذي أحرق المصحف ولا أعتقد شخصياً أن هدفهم لاستعادة القدرة على حشد الجماهير يمكن أن يتحقق بهذه الوسيلة المدانة تاريخياً ؛ والبعيدة عن التقوى دينيا ، والساذجة فكرياً ؛ المكشوفة لدرجة العرى الكامل أمام كل عاقل وحتى كل غافل ؛ فحجم من يقتنعون بمثل هذه الحيلة الغبية لا يتعدى اتساع الكنكة التي يمكن تغسليهم فيها كما رد عليهم رجل الشارع الظريف ؛ والحقيقة أن هذه الدعوة المتكئة على حدث تاريخي قديم هي إعلان إفلاس كامل لتيار التأسلم السياسية ؛ فقد كشف الشعب لعبتهم في التجارة بالدين ؛ واستخدام شعارات التغييب الفكري والحضاري التي يلصقونها بكلمتي الشريعة والشرعية والشعرية والمكرونة ؛ وكافة أنواع الحساء عديم الملح والطعم والرائحة ؛ فالعقيدة الدينية أسمى وأعلى وأعظم من أن تكون وسيلة للوصول إلى الحكم وأختم بتعليق الإمام على حين رفع جيش معاوية المصاحف قائلاً: كلمة حق يراد بها باطل.

[/COLOR]