تداعيات الربيع العربي


لقد شهدت منطقتنا العربية حركات شعبية من أجل الخروج علي الوضع السياسي المتصدع في بلادهم كان وقود هذه التحركات الثورية عدم الرضا عن الظروف القائمة و التطلع نحو الأفضل , بداية الربيع العربي بدأت في تونس وقد نالت هذه التحركات إعجاب وتقدير العالم لامتيازها بالسلمية وأنها شكلت صرخة في وجه الفساد والمحسوبية علي كل مظاهر الانحراف التي أسستها الانظمة الاستبدادية الفاسدة في البلاد.

لقد كسر الربيع العربي حاجز الصمت وأثبتت الشعوب بهذه التحركات عدم دقة حسابات الانظمة وشكل ذلك مثالا للشعوب المظلومة التي لا زالت أنظمتها القمعية تجرم كل محاولة للإصلاح فيها.

ومن جهة أخري إذا ما شاهدنا الأخطاء والتراكمات التي نتجت عن الربيع العربي فإننا سنعيد النظر في تسميته بالربيع العربي لأن آثاره السلبية علي الشعوب و علي اقتصاد الدول الثائرة كان كبيرا للغاية وكذلك من الناحية السياسية أدي الي ظهور جماعات تكفيرية وتيارات متشددة فعلت بالشعوب أضعاف ما فعلته الأنظمة الاستبدادية وأخري مرتهنة للتعليمات والأوامر الخارجية لعل أصدق مثال علي ذلك الوضع في ليبيا وسوريا واليمن ، لقد انتقل الربيع العربي من حركة عادلة لإسقاط الظلم الي نزعات انقسامية تدعو لتفتيت الدول العربية وتقسيمها لدويلات هنا وهناك وفق رغبات الغرب ولعل ذلك ما دعت له وزيرة الخارجية الامريكية هيلاري كلينتون "الفوضى الخلاقة" في كتابها "خيارات صعبة" هو ما شهدته منطقتنا بالفعل.

تحتاج دول الربيع العربي الآن لثورة تصحيحيه تحقق من خلالها أهداف الربيع العربي الحقيقية القائمة علي أساس مشروع وطني يستوعب كل التيارات الوطنية فالآثار السلبية للثورات تزيد من معاناة الشعوب فالفقر والبطالة تفشي وكذلك الظلم والاستبداد فسقوط الأنظمة السلطوية ظاهريا لم يوصل الربيع العربي لمرحلة التمكين فالدولة العميقة و حلفائها من دول الغرب أرادت جر الدول العربية لحروب أهلية تستنزف ثرواتها المادية وتنهك قدراتها العسكرية استعداد لتقسيم جديد للمنطقة "شرق أوسط جديد"، لقد أحدث الربيع العربي" الفوضى الخلاقة" هزات اجتماعية و سياسية في المنطقة أكثر عنفا وعمقا من ما فعلته الأنظمة الفاسدة بالإضافة للتراجع الاقتصادي نتيجة الخسائر التي تكبدها الاقتصاد حيث قدر تقرير لمجموعة جيوبوليس للاستشارات أن تكلفة الربيع العربي 50 مليار دولار وأن هناك تراجع في ايرادات الدول فمثلا تراجعت الايرادات في ليبيا بنسبة 82% و تراجعت إيرادات اليمن بنحو77% و مهد ذلك للتدخل الأجنبي تحت مظلات وأشكال مختلفة في المنطقة العربية .

الثورة التصحيحية لمسار الربيع العربي هي واجب وطني ينبغي أن تقوم علي أسس الحكم الرشيد (مشاركة سياسية –سيادة للقانون- الشفافية والمساءلة) و ترتبط جميع هذه العناصر جميعا بتمكين الشعوب من ممارسة الحريات العامة في مختلف نواحي الحياة بعد القضاء علي الفساد و التيارات والأحزاب المرتهنة لدول خارجية أجنبية وإقليمية ،ينبغي تعزيز التعددية السياسية و الديمقراطية الفاعلة التي تعبر عن إرادة الشعوب وصولا لتحقيق العدالة الاجتماعية و التنمية السياسية، وعلي صعيد متصل فان مبدأ سيادة القانون وتطبيقه علي الجميع من أهم مبادئ الحكم الرشيد وخطوة أساسية في سبيل تحقيق ثورة تصحيحية تنهض بدول الربيع العربي وتجنب أهلها مزيد من الأزمات .

الثورة التصحيحية ينبغي أن تستند علي إبعاد التيارات التكفيرية و الأحزاب الموالية للدول الغربية من خلال تحركات جادة بين جميع أطياف المجتمع من مفكرين و وطنيين و علماء و رجال دين بذلك كله وبخطة حقيقية للنهضة ولحماية الشعوب وحقوقها السياسية و الاقتصادية والاجتماعية نكون قد حققنا ثورة تصحيحية تعيد الربيع العربي لمساره الحقيقي العادل الذي ناضل من أجله الشرفاء و قدموا في سبيل هذا الاصلاح الغالي والنفيس .