هؤلاء نحن



بقلم صالح الشيحي



منتصف القرن الماضي، عمل «محمد عاهد أبولبن» - رحمه الله - ضمن عدد من الأشقاء العرب في تعليم الحدود الشمالية، وعلى وجه التحديد «رفحاء».. أمضى سنوات ليست بالقليلة، غادر إلى الأردن أواخر التسعينيات الهجرية، وفي آخر سنة من ذلك العقد بعث رسالة خطية إلى أحد تلاميذه، وهو «ممدوح محمد الشمري»؛ شاكياً له ولزملائه من الطلبة حاجته لمبلغ ألف ريال ليقوم بطباعة كتاب عن اللغة العربية.
وصلت الرسالة ونقلها الشمري إلى زملائه فتمكنوا من جمع مبلغ 36 ألف ريال - وهو مبلغ ضخم في مقاييس الاقتصاد حينها - وتوجهوا به للأردن، وسلموه لمعلمهم، الذي كبّلته هذه النخوة الأصيلة.. طلب ألف ريال فأعطوه 36 ألف ريال!
لماذا أستل هذه القصة من ذاكرة أصحابها.. ذلك لأنني متضجر من التركيز على النقاط السوداء في تاريخنا الاجتماعي وعاداتنا وأعرافنا.. مئات المواقف البيضاء والأحداث الجميلة يمر عليها البعض، ويتجاهلونها ويتوقفون عند نقطة سوداء.
خصال الكرم والإيثار والنخوة لم تنل حقها من الضوء.. كل يوم اقرأ في مدينتي عن موقف مماثل، وفي بقية المناطق مواقف مماثلة كثيرة، آخر ما قرأت قيام أحد الزملاء بدعوة أحد معلمينا في المرحلة الثانوية؛ لزيارته، والاحتفاء به بعد كل هذه السنوات.. وقرأت عن قيام رجل كريم آخر بالسفر بحثا عن معلمه، حتى وجده في إحدى قرى مصر.
نحن - وحينما أقول نحن فأنا أضم أشقاءنا الذين عاشوا بيننا والمجاورين لنا والمتشابهين معنا في عاداتنا - أكرم شعوب الأرض، وأكثرها نخوة، و«فزعة».. زرنا كثيرا من دول العالم، فلم نجد ما نجد في مجتمعنا الكبير..
هذا الذي يجب أن يقترن بنا، وهذا ما يجب أن نوصم به، ويصبح علامة تدل علينا.
ارتفعت أصوات التيارات المتطرفة ذات اليمين وذات الشمال، وبقيت الأغلبية الوسطى الأكثر عددا وعدة غائبة
أو قل: مغيّبة؛، فغابت أجمل مآثرنا الحقيقية، وصفاتنا الأصيلة!