الفزع الى الماضى يكون عندما يبدو الواقع أقسى من أن يعاش ، عند ذلك يكون الهروب هو الحل ، و يصبح ما يسمونه بالنيوستيولوجيا طابعاً و سمتا لجيل كامل بات بعضه يعتبر الفيس بوك و اليوتيوب وسيلة للمضى قدماً و لكن الى الوراء .
و لأن التسعينات هى العقد الذى احتوى طفولتنا و شهد على بناء المنظومة القيمية التى تربينا عليها ، فقد فضلت أن يكون حديثى فى هذه المرة عن تلك المحاور التى تأسست عليها تلك المنظومة القيمية و الأخلاقية ، عن تلك الروافد التى صبت فى أدمغتنا معتقدات و تصورات ظهر انعكاسها اليوم فى مواقفنا من أمور الدين و السياسة و العلاقات الاجتماعية و أمور أخرى
أولاً : مصـــــــــــــــــــر بتلعــــــــــــــــــــب :

هدوء ملحوظ يعم القرية ، مصــر هتلعـــب ، كأطفال كنا نجتمع حول أهالينا أو وسط جموع المتفرجين على تليفيزيون مركز الشباب فى انتظار ذلكم الحدث الجلل ، أن تشاهد بلدك يخوض معركة كروية مع بلد آخر أو فى حرب عالمية كروية ككأس العالم 90 أمر له تأثيره التربوى ، ، تهب فى نفسك روح وطنية و تهب معها عدالة السماء على استاد باليرمو لتهب المصريين تعادلاً بطعم النصر أمام الطواحين ، مباريات كانت بطعم المعارك ، أذكر من أبطالها : هشام يكن و بدر رجب و اسماعيل يوسف و أحمد رمزى و هشام عبد رب الرسول و الشيوخ ـ حالياً ـ ربيع يس و مجدى طلبة و أحمد الكاس و جمال عبد الحميد ، كنا نرى الفريقين بمثابة جيشين و نرى فى المباراة حربا و لو كانت باللعب ، لست أنسى مشهد مجدى عبد الغنى بلحيته السمراء يتحدى الأشقر بروكلين و كأنه صلاح الدين يصرع ريتشارد قلب الأسد .
كان يعز علينا أن ينهزم بلدنا و لو في اللعب ، أعقب الفوز على " الطواحين " خسارة أمام " النجوم " شيلتون و باركر و جاسكونج ، حيث بات على " الشراقوة " أن يغادروا البطولة بانهزام الامارات و خروجها .
الانفعال و الاحتفال يغمر مركز الشباب عقب الفوز على الجزاير 89 و الصعود الى كأس العالم ، ثم انتزاع نقطة من كتيبة الطواحين خولييت و باستين و أحسن حارس فى العالم بروكلين ، شوفينية تنتابك عندما تسمع عقب كل مباراة بأن : عمر النور فى الدنيا ما هو الا عمر النيل ، الفوز على السعودية 3-2 فى كأس البلاد العربية حيث أذكر شيئا من الاحتفال فى مركز الشباب ، البكاء حزنا بعد أن حرمتنا انجلترا من استقلال الدور الثانى كأس العالم 90 أو زيمبابوى فى الصعود لكأس 94 ثم تونس 98 ، مشاعر ارتفعت بنا فوق التعصب الحزبى للأهلى و الزمالك أو حتى الاسماعيلى حيث كان فى حينا من يشجعه .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثانياً : المدرســـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة :
لأهميتها فقد ثنيت بها رغم كونها فى عالم اليوم لم تعد تمثل دورا تربويا أو حتى تعليمياً ، فى زمان طفولتنا شكلت الحقل الرئيسى لغرس القيم و الآداب ، الدور الأبوى للمعلم و الذى تحدثنا عنه آنفاً أثمر مجموعة من الآداب و المثل التزمناها .
من طابور الصباح تعودنا شيئا من النشاط و بعضاً من الانضباط ، مناهج تلك المرحلة بقيت بعبرها و عناوين دروسها عالقة فى الأذهان ، من درس " قلم من أحمد عثمان 2-1 " بالصف الثانى تعلمنا قيمة الأمانة ، و كذلك من درس " بائعة اللبن " حيث المقولة الشهيرة " ان كان عمر لا يرانا فان الله يرانا " ، قيمة أنك لن تستطيع أن ترضى الناس من درس : " جحا و ابنه و الحمار " بالصف الثانى ، قيمة الاتحاد قوة و قيمة الوطنية من درس " مصطفى كامل " بالصف الثالث دون التطرق طبعاً الى كونه أحد روافـد التطرف بدعوته لفكرة الجامعة الإسلامية و تجمع المسلمين تحت لواء واحد ، قيمة المرء بأصغريه قلبه و لسانه من درس عن " عمر بن عبد العزيز " ، درس " شجاعة مصرية " عن حرب العاشر من رمضان ، درس " عالم اسمه الخيال " عن " والت ديزنى " و أخيراً قيمة " ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون " من درس " قارون " بالصف الرابع .
فى " معهدنا العلمى " كما كان يسميه مدير المدرسة الاعداية طالعنا نمطاً جديداً من المدرسين كان له طابعاً نجومياً ، ابراهيم عبده و ايهاب رشدى حيث الطاعة نابعة من اعجاب لا ارهاب ، ارهاب سلطة المدرسة أثمر قليلاً من الايجابيات و كثيراً من السلبيات ، قسوة كان أولياء الأمور يقرونها أحياناً بل و يباركونها فى أحيان أخرى ، قسوة و ان أثمرت قدراً من الاحترام الا أنها خلفت ايمانا و تمحوراً حول السطة المركزية المتمثلة فى الأبلة أو الاستاذ ، ايمان أورث كفراً بالمؤسسة لصالح الفرد الذى من المفروض أنه لا تؤمن عليه الفتنة ، إيمانٌ خلف اذعاناً للقوة أياً كان مصدرها و وجهتها ، مما جعل من تلميذ ذلك الزمن " عالة مستديمة " على تلك السلطة ، و أصابه بشلل فى قدراته الابداعية و الانتاجية .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثالثاً : أفــــــــــــــــــــــلام ديــــــــــــنيــــــة :
كانت الرافد الثانى للمعلومة و القيمة الدينية ، نظراً لانها جميعها أنتجت فى الستينات ــ و ما ادراك ما الستينات ــ فانها حوت مزيجا ما بين الاشتراكية و الاسلام ، لاعتبارات شرعية لم أعد أشاهدها منذ مدة لكنها نجحت فى طفولتنا أن تزودنا بالقيمة الدينية و لو من وجهة نطر منتجييها ، نجحت أيضاً أن تجعلنا ننفعل مع أحداثها و نتوتر حينما نرى حنظلة و قد شلت يده ، ثم تنفرح الأسارير و يثبت يقينك الايمانى عندما تدرك " أنها سليمة " ، تعلمنا من هذه الأفلام ألا نكون متخنثين مثل عمارة الزيادى و لا منتنين مثل حنظلة فى جاهليته ، تعلمنا أيضاً أن نكره داوود الحداد و القواد فى نفس الوقت ، و ابنه حزقيل الذى يسن سيوف الهند للعرب كى يجهزوا بها على دعوة اصلاح دينهم و دنياهم ، " نحن غرابا عك " أشهر صيحة كفرية ظللنا لسنوات لا نفسر كلماتها ، صراع هاشم بطل " فجر الاسلام " مع نفسه من أجل أن يهتدى الى الاله الحق ، صراخ الهاتف يا معشر : لقد أسلم عمر بن الخطاب ، أفلام لم يعد لها دور فى ظل تخمة الأفلام و قنواتها ، بل و بعضها منع من العرض كرامةً لداوود و حزقيل مع انهما مازالا يسنان سيوفهما للعرب ليقتلوا بها رسل الخير و الاصلاح من بنى جلدتهم .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يتبــــــــــــــــــــــع