لـــمــلـــم دفـــــــاتــرك القـــديمة كلهـــا * أخـــرج قصــــــــــائدك القــــديمة كلــــها
أظهــــــــرها و أســــــــــف منـــــــــــــها إذ مـــــــــــزقتها
بروح أصحاب المعاشات و شيخوخة من يقتات على الذكريات أعاود الكتابة مرةً أخرى عن ماضى الريف .
ربما لأنه تعرض لإخفاءٍ قسرىٍ مما يدفعنى لرسم صورةٍ له بعيون و ريشة طفلٍ فلعله يعيش شيخوخة ما قبل الرحيل ، أو لأن تناول ماضيه يعفينا من الحديث عن حاضر أريافٍ أخرى كريف دمشق و حلب حيث الركام لن يكشف عن ذكرياتٍ و إنما عن أشلاء و أوجاع .
للتذكير كان الكلام فى الحلقة السابقة عن الروافد التى صبت فى أدمغتنا معتقدات و تصورات ظهر انعكاسها فى مواقفنا و تصرفاتنا فى حياتنا اليومية ، و ذكرنا منها المدرسة و الفيلم الدينى و المباراة الوطنية ، و استكمالاً لللسلسلة فإننا سنتناول اليوم ثلاثةً أخر من الينابيع التربوية التى استقينا منها قناعاتنا و منطلقاتنا فى عالم اليوم .
4- أحــــداث عالمية :
وتيرة أحداث التسعينات سمحت لوعينا الطفولى بالتقاط بعضاً من أصدائها
تخلل عقد التسعينات أحداثٌ و وقائع التقط وعينا الطفولى بعضاً من اصدائها ، بتلك المتابعة المبتدئة تلقى جيلنا انهيار الاتحاد السوفياتى و حرب الخليج و زلزال 92 و حرب البوسنة و الهرسك و غيرها ، بالطبع لم نكن نحفل بالتفاصيل لكن كل حدثٍ كان يخلف قناعةً أو يترك انطباعاً أو لازمة من لوازمه ، زلزال 92
يحمل ذكرى شخصية لكل من عاش واقعته ، هلع يوم الكيامة أعكبع سعادة الـ 18 يوم إجازة التى حصلنا علها نحن التلامذة ، تعقيب الشيخ / عطية فى المسجد الكبير حيث بدأه بـ " إذا زلزلت الأرض زلزالها " ، فكرة الموت القريب طغت و انتشرت...واقعة " أكثم سليمان " الذى مكث ثلاثة أيام تحت الأنقاض ، زلزال حرب الخليج أيضاً خلف توابع و لوازم ، الشبه الشديد بين صدام و أحد أشهر مدرسي مدرسة الشهيد ، مشاهد الخطابات الرسمية المتكررة ، تقارير المراسلين ، الناطق باسم القوات المصرية فى الكويت و أحد أبناء مباشر اللواء الشيخ / أحمد ناجى .
رأسا جورباتشوف و من بعده يلتسن الضخمتان دفعتانا للتصور بأن الروس انما سموا روساً لأنهم أصحاب رءوس كبيرة ،
مأساة البوسنة زودت مخيلتنا بأمورٍ سمعنا عنها للمرة الأولى ، مصطلح " الإبادة الجماعية " و مصطلح " الاغتصاب " بمفهومه لم نسمع عنهما من قبل ، مشاهد إبادة المسلمين خلفت قناعة ، هى أن أمام المؤمن الضعيف فى هذا العالم إما ألا يكون ضعيفا أو ألا يكون مؤمناً أو ألا يكون موجوداً .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
5 ـ برامج الأطفال
مجمل ما أرادوا تعليمنا من تلك البرامج هو أن " اللى بيعمل خير يلقاه و يجمع حب كمان وياه " ، طبعاً هذا رغم من عدم ايمانهم بهذا الأمر
و رغم أن تلك البرامج كانت تقليدية للغاية و مكرورة و ساذجة إلا أن ذلك من وجهة نظرى لم يكن عيبها الأكبر ، فقفزات و شقلبات نيللى و معها صفاء أبو السعود و أخريات أضرت بسوق زواج طفلات ذلك الزمن ، ذلك أنها رسخت في وجدان و لاوعى قرنائهن من الذكور ــ أزواج المستقبل ـ نمطاً مخالفاً لنمط الفتاة الشرقية الثقيلة فى وزنها و سمتها ، و هكذا فلم تخدم تلك البرامج و الفقرات الاستعراضية على التطور الطبيعي لطفلات تلك المرحلة .
تعلمنا من مازنجر أنه لابد للحق أن يكون بحق أقوى من الفولاذ ــ و من الرصاص أيضاً ــ و ذلك كى يستطيع مواجهة أمثال " أبى الغضب " و " المزدوج " و ما أكثرهم فى زماننا .
" نادى الخالدين " حيث رموز تاريخية من مختلف المشارب و " البرلمان الصغير " حيث سيثور أعضاؤه و من فى سنهم بعد عشرين عاماً أو أقل على من تتمنى أن تكون كل برلمانات العالم مثل برلمانهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

6 ـ الأســـــــــــرة العــــــــــاملة :
قيمة العمل كانت من أكثر القيم قداسةً فى ريف تلك المرحلة ، الجميع يعمل و لامكان للبطالة أما بطل هذا المطمارفكان المرأة بلا منافس .
إمرأة الريف التسعيناتية من وجهة نظرى كانت أخرى النساء المحترمات ، لم تكن تمثل بطالة مقنعة ، بل ربما عمالة مضيعة ، كانت وحدة إنتاجية بذاتها و أدواتها ، بذاتها فهى ولود تنتج أطفالها بإذن ربها و تغذيهم من ألبانها و لا تعرف الباناً صناعية أو عمليات قيصرية ، و بأدواتها فقد كانت تنتج جميع مشتقات اللبن و مخبوزات القمح الطرية و الملدنة .
بفضل امرأة التسعينات كانت القرية تطعم المدينة و لا تنتظر منها حتى الوقود المستخدم ، فلقد كان ذلك الجيل آخر من عرف تفعيل " الكوانين " كبديل عن البوتجاز .
بحب و بفخر قدمت امرأة التسعينات انتاجها و تباهت بعكس ما تتباهى به فتاة الريف اليوم من أنها لا تعرف شيئا عن أمور الزراعة و المواشى ، فإذا ما امتحنت للزواج يطلب إليها هز ـ غربلة ـ بعضاً من القمح أو الانحناء لرفع حملٍ ما على امرأة أخرى و طبعا ًيكون ذلك أمام خاطبها المختبىء أو أمه و بذا يكون اختباراً لمؤهلاتها لانتاجية و الأنثوية معاً .

ـــــــــــــــــــــــــــــ
يتبــــــــــــــــــــــع