بين الــــــدودة و مــاما نجوى
الإجازة الصيفية كانت تعنى في زمننا أموراً عدة و نشاطات متباينة ، فإما " الكتاب " بالنسبة للمبسوطين و المستورين ، و إما " الدودة " أو " الغيط " بالنسبة للمتوسطين و المعدمين ، أما أمثالي ممن حرموا التجربتين معاً فلم يكن أمامهم سوى تلك البرامج الساذجة التى أضفت علي طفولتنا سذاجتها و مللها و التى سرعان ما كنا نعرض عنها ونهرع إلى اللعب ، ليس فقط لأننا نفضل اللعب و لكن أيضاً لأننا ببساطة لم نكن نشعر في " ماما نجوى " ببقلظها أو " ماما سامية " بعرائسها بأي نوع من الأمومة ، و إنما كنا نراهن كعرائس المولد بماكياجهن الفاقع و سفورهن الذي يجافى صورة ماماتنا المتأشربات .

المــــــارد الشجــــــــاع
هكذا فقد كانت طفولتنا الريفية منحصرة ما بين تلك الأوجه الثلاثة المكلة و المملة ، لم يكن يكسر مللها و يهون كللها سوى أعمال كـ " سينيما الأطفال " و " مازنجر " أو " كابتن ماجد " حيث نسجت آفاقاً تصورية و مخيلات إبداعية مستمدة من إشعاعات مازنجر و تسديدات كابتن ماجد ، كرتونات مستوردة أبهرتنا فحاولنا محاكاتها ، و لست أنسى إقدام شقيقين صديقين لي على محاولة تقليد " الأخوان شوقي " فكاد أحدهما أن يفقأ لأخيه عضوين ثمينين من جسده ، كرتونات مستوردة و معبأة بأفكار أهمها أنه لابد للحق من أن يكون ماهراً مراوغاً كالكابتن ماجد قوياً محكم التصميم على غرار مازنجر .

أبـــــــو الـــــــــدراوى
ارتبط لعبنا فى بداية العمر إلى حد كبير بالعملية الزراعية ، فلكل زرع من الزروع محصوله من الألعاب ، بالنسبة للقطن كان اللعب بأعواد الهندي و قذف طائرات رش القطن بالحجارة فيما يشبه الأتارى و أخيراً التقافز فوق أجولته المتراصة في فضاء الجمعية الزراعية .. كذلك اللعب فوق أكوام قش الأرز و ملاحقة دبابير أبو المقص فوق نبات الحلفا و التحطيب بأعواد الذرة الجافة أو اللعب داخل حقوله و ترقب " أبو الدراوى " بداخلها أو استنزاف شجرات التوت داخل مبنى الوحدة أو نخلة " أبوك خيري " .
الإبداع الطفولى كان حاضراً و كان يتمثل في صناعة جرارات الطين و العجل الكظوظ و الصيد من ترع القرية ، و أذكر إن لي تجربة زراعة ناجحة ، حيث زرعت أنا و أصدقائي مساحة متر في متر من حديقة منزلنا و أهديت محصولها من " الدروة " لبهائم أحد الجيران .

أفنديـــــــــــــــــــنا
تلك اللوحة التي نشأت بين تفاصيلها هي من وجهة نظرى مدينة لشخص ما بصياغتها و رسمها ، يكفى أن الترع و الغيطان و التوت و الأرز و القطن و الطماطم و السفندى ( اليوسفي ) هي كلها من مستجدات عصره و مستجلبات أفندينا ، إنه محمد على الذى لولا أنه حارب و نفى رؤوس المتدينين في الأزهر ، بل و قطع رءوس المتدينين في جزيرة العرب لربما دعوت له كلما خامرت رأسي تلك الأيام الخوالي بمفرداتها الغوالى .

أتــــــــــــــــــــارى
من بين أكوام القش و غيطان الذرة و خرافة أبو الداراوى كانت خرافة أخرى تبرز فى عالم لعب الأطفال ، إنه الأتارى الذي اتفق مع أبى الدراوى في أننا كنا نسمع عنه و لا نراه ، كان قمة الرفاهية الرأسمالية وقتها ، و لما تأكدنا من حقيقة وجوده لم يكن يمتلكه إلا صديق واحد فى الشلة و لم يكن يسمح لنا باللعب به معه و لو مرة واحدة ، المدهش أن هذا الأتـارى الذي أدهشنا بألعابه التي تزيد عن الـ 1000 يمكنك اليوم تحميله بجميع ألعابه الـ 1000 من أي منتدى في فايل واحد ، ولن يتعدى ذلك ثوان إذ لن يتعدى حجمه 12 ميجا !!
العصفور و المال و الملك الوحيد و السبع شقفات و الطاب و السيجة بنوعيها التلتاوية و نط الكلب و غيرها مما لا يتسع المجال لتفصيل فكرته كانت أوليمبيات طفولتنا ، و أما المنفتحون أكثر على مفردات الحداثة فيضيفوا إلى ذلك بنك الحظ و السلم و التعبان و ليدو ، لا يوقف تلك الأوليمبيات سوى دور حصبة يتفشى أو رمد عيون أو التهاب لوزى ينتقل من طفل لآخر .
الميسر أيضاً كان ميسراً أيما تيسير و كانت مادته البلى أو الكاظوظ فإن تعذر الصنفان فنوى البلح و طريقته إما بـ " الرفة " أو ألعاب البلى و الكاظوظ التقليدية .

النــــــــــــــــــادى
عندما تتقدم بك السنون تدرك أن ثمة مركز شباب أو " نادى " لممارسة الرياضة عند مفتتح القرية ، عندها تكون النقلة و التحول من النمط الزراعى إلى النمط الرياضى فى اللعب ، الرياضة فى مركز الشباب لم تكن تعنى إلا تنس الطاولة التي تميزت فيها عن أقرانى حيث كانت الساعة بـ 20 قرش ثم ازدادت إلى 25 و حيث يشاركك فيها بسيف الحياء من تريد و من لا تريد من تعرف و من لا تعرف ، ثم الكرة الطائرة فى أحيان بسيطة باستخدام حبل عوضا عن الشبكة و بالطبع كانت كرة القدم هي الأكثر استهلاكا لوقتنا و جهدنا و الأمتع بالنسبة لنا ، فإذا مللت أو أنهكت فيمكنك متابعة مباريات الكبار أو متابعة تليفزيون النادى أو تتبع الإوز العراقي ـ العنز ـ و الذى لا أعلم أين و لماذا اختفى ؟!

محـــــــور الشــــــــر
لم يكن يعكر صفو ذلك اللهو البريء و الجميل سوى ثلاثة رهط كانوا يفسدون فى الأرض ـ أرض الملعب ـ ، و هم على السبيل التذكير لا التشهير : م ع و م ح و م إ ، إمبراطورية م الشريرة هذه لم تتوقف طوال طفولتنا عن حب الشر و ممارسته ، فقد كانوا شغوفين بتحويل اللعب إلى خناقة أو مشتمة بارعين فى تطليع الألقاب على أقرانهم ، فإن كنت سمينا فأنت " زكيبة " و إن كنت نحيفا فأنت " عصاية " و إن كنت ابيضاً فأنت " بوظة " ، و هكذا فالألقاب لديهم محفوظة و اللاعب الحق عندهم هو من لا يسلم زملاؤه من لسانه و يده .

أخوكــــم فـــــــــــلاح
فى الصيف أيضا كانت تعقد لنا بالمساجد و عقب صلوات العشاء حلقات لقراءة القرآن و تعلم بعض أمور الدين ، كان يقوم على تلك الحلقات بعض المتطوعين من شباب القرية ، تلقينا فى تلك الحلقات تعاليم و قيم لم ندرك قيمتها إلا عندما كبرنا فاسترجعناها ، لكن وقتها للأسف كنا ننساها بمجرد انتهاء الحلقة خاصة عندما كان يتجدد الصراع التقليدي بين جناحي الحلقة حارتي " السرو " و " أبو حديدة " ، من تجليات ذلك الصراع إلى جانب الاشتباك بالأيدى و الألسن أننا كنا نتندر بذلات بعضنا البعض أثناء الحلقة ، و أفكه ما كنا نتندر به هو أن أحد أطفال الفريق الخصم في أول يوم تعارف سمع جملة / أخوكم في الله التى علمونا فى الحلقة أن نقدم بها أنفسنا بالخطأ فعرف نفسه / أخوكم فــلاح .............. ، و المفارقة أن هذا الطفل الذي وصف نفسه بالفلاح قدر له فيما بعد أن يفارق عالم الفلاحة و يتحول إلى شبه العالمية بعد أن صار لاعب كرةٍ شهير .

كــــــأس المســـــــاجـد
تظل روح الشقاق هذه قائمة حتى يجمعنا حدث ما ، إنه " اليوم الرياضى " أو ما يمكن تسميته بكأس المساجد ، يجمع الحارتين منتخب واحد تتحدان فيه ضد باقي منتخبات المساجد الأخرى ، المسجد الكبير و مسجد الفقهاء و مسجد التقوى الذي مازلت لا أعرف موقعه ، مباريات تكون الهزيمة فيها بطعم الفوز و العكس ، فقد كنا والجامع الكبير كفرسي رهان إذا ظهرنا عليهم كروياً ظهروا هم علينا قرآنيا إذ كان بيننا أزهري واحد فيما هم بينهم ثلاثة أو أربعة أزاهرة .
نجحت " الحلقة " فى تجميعنا لنتحلق فى حلقتها الصغيرة و إن لم تكن قد نجحت فى تجنيدنا لنلتحق بحلقتها الأم ، لكن الأهم و ألأجمل أنها نجحت و بامتياز فى تجنيبنا و تحصيننا من أفكار و أمور كان من الصعب التحصن منها و التحسب لها لولا تلك الساعات اللطيفة و المفيدة مع أولئك الشباب فى بيوت الله .

عندما يــأتى الخــــــريـــف
ينتهي الصيف و يأخذ الخريف فرصته ، تستحي الشمس و تغضض طرف حرارتها فتحلو جلسات النهار و يستحى الناموس من طول مكث و يرحل فتحلو أسمار الليل ، و أما الأشجار فعلى غير استحياء تكشف أوراقها و تملأ سوق الاثنين بالرطب و الجوافة ، يعود الرفاق المفتقدون من الغيط مع بداية الإجازة الغيطية ، أزعم أن خريف ريفنا هو أجمل خريف فى العالم ، لا يقطع هذا الجو المتأمل إلا العام الدراسي يقرع أجراسه ....... و على ذكر العام الدراسي فإن سألك أحدهم عن هذه السطور بقلم من ؟؟ فأجبه مكرراً سؤاله : قلم من .. أحمد عثمان