ســــــــــــــــــرو بلدنـــــــــــــــا
كان يمثل الوجـه الجميـل لقريتنا " مباشر " بهدوئه و اتســاعه و بيوتــــه التى نبتت بين مساحات الخضار ، اذا سكنت فى ســـــــــرو التسعينات فقد عشت فى اقطـــاعية تمتلكها عيناك و ان لم يمتلكها يمينك ، أجران و حدائق لها بيوت لا العكس و نبقة أو عنبة تتقدم الواجهات فيما تتخلفها عشرات الأفدنة من الحدود الطبيعية مع " الســــدس " أو " الميــــسة "
فى اللغة هو من السَرَيان أى الانتشار الواسع ، و لربما سمى بذلك فى عهد من اختطوه مماليكاً كانوا أم عثمانيين أم ألباناً لاتساع و تمدد مساحته .
هو كل ما تلا " الكوبرى " فى اتجاه مركز الشباب ، و قد بدا من بين أحياء مباشر الأصغر سنا فى عمره العمرانى ، و الأوسـع مســاحةً و بلا تحـيز الأرقـى سكـاناً اذ سكنه فى التسعينـات أغلب متعلمـى القرية بل و معلمـيها .
الله أكبر الله أكبر .. فليرتفع صوت الأزهر
مع شـروق شمـــسه يســــرى نشاط يمثل طفولة اليوم الصاخبة ، الاسفلت من الموقف القديم و حتى المدرستين كان مسرحا لتلك الحركة المنتظمة ، أعداد من مختلف الأعمـار و الفئات تمـلأ مبان هجرت فيما بعد و ربما هدمت ، الوحدة الصحية و البيطرية ، موقف السيارات و الصهريج ، الجمعية الزراعية و البوسطة القديمة ، برج الحمام و السنترال .
أصوات طفولية تنبعث من أبواق الاذاعة المدرسية و الأزهرية ، صيحات " أمل و عمر " يرددها بصوت عال أطفال مدرسة النصر خلف مدرساتهم فتصلك فى بيتك فيما يشبه التعليم عن بعد ، اللـــه أكبر الله أكبر ، فليرتفع صوت الأزهر كانت صيحة الطابور فى المعهد الابتدائى ، لسنين عديدة ظل أوائل الابتدائى و الاعدادى من أطفال الســــــــــرو
عصــــــر التأمل :
فى الســـــــرو عشنا طفولة انطلاق وانطواء ، تأمل أملته تلك الطبيعة التى تتحدث عن نفسها و إن لم تستنطقها ، مازال يسكننا سرو التسعينات بمفرداته التى حكت كل منها قصيدة شعر أو فصل تاريخ ، كل مفردة فى السرو كانت كفيلة بأن تجعل منك شاعراً أو متشاعر ، شمسه و ضحاها ، قمره اذا تلاها ، شجره و قمحه اذا تباهى و تماهى مع نسيم القرية و هواها .
هواء سرو التسعينات يحمل لذاكرتك عبق القديم و سحره ، تتر مسلسل أطفال ساذج ، عطر طبيخ عند الجيران طازج ، نقيق ضفادع محصول الأرز فى غيط العفايفة ، أذان عصر جامع المعهد يقطع تأملاتك في كل ما حولك ، الهام الهى يوحى اليك بأن " مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ "
لما بدا فى الأفق نـــــــــور :
قبيل المغرب تكون يقظة اليوم فى طريقها للسكون ، يبقى السرو عاصمة ادارية حقيقية حتى اذا ما جاء المغرب بات محمية طبيعية ، نهاية يومه تبدو حالمة بقدر ماكانت بدايته حافلة ، مع حلول الظلام يبدأ فى الأفق نور كالبدر فى الاشراق عند تمامه ، من مذياع جامع المعهد يصدح النقشبندى و طوبار بابتهالات و تواشيح بقيت كلماتها و ألحانها فى الذاكرة ، و أما عن جامع المعهد فالحديث يطول
ولد معنا فى بداية الثمانينات فكان الأصغر سنا هو الآخر من بين مساجد القرية ، كان ملتقانا و محضن وعينا الطفولى ، كان الممثل الرياضى لحينا فى كأس المساجد الذى تحدثنا عنه مسبقا ً ، مازلت أذكر طاقم مؤذنيه و رواده عمك / سعيد الدلع ، الشيخ / عبده أبو رمضان ، أبوك / منصور ، عمك محمد الدربى ، عمك عطية المنشاوى و عمك عبد الرزق عبد الفتاح و الشيخ / على القزاز و آخرين منهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر ، يعمره من هم فى عمر هؤلاء ، كما يعمره الصغار فى حلقتهم المتحدث عنها آنفا .
رمضان فى الســـــــــرو :
يظل المسجد هكذا لأولئك الأجداد و الحجاج حتى يأتى رمضان فتحج اليه كافة الفئات ، موائد افطاره تفتح شهيتك التذكرية ، كان لرمضان فى ســرونا طعم مختلف ، كنا شغوفين باستيراد عادات البنادر بداية من لغتنا الجميلة التى كانت مثار سخرية أطفال الأحياء الأخرى وحتى زينة رمضان التى رأوها بدعةً و ضلالة فعمدوا الى حرق قلوبنا عليها ، أحبال زينة كانت تربط قلوبنا قبل البيوت ، بالليل كنا نخرج بالفوانيس نتحدى صقيع الشتاء منشدين أناشيد رمضان
بيئة تنمو خلالها مشاعرك و ان لم تنمُ مداركك ، كم كان ممتعاً و متعباً فى آن واحد أن أحاول استجماع تلك ذكرياتها و أنظمها فى نسيج واحد ، أعلم أن رصيد بعضكم فى صندوق الذكريات يزيد عما فى هذه السطور ، لكنى أعلم أن هذا البعض لن يكلف نفسه عناء اعتصار الذاكرة ، أعلم وجه الشبه بين ما عشته فى حيى هذا و بين ما عاشه آخرون فى أحياء مشابهة فى بلداتهم الجميلة ، لوح رائعة تغير كل فصل رداءها لا يدرك جمالها إلا من فارقها ، قرى ظاهرة اختطها صلاح الدين و مماليكه و لم يعلموا انها ستغدو يوماً ما قدس ذكرياتنا و مسرى المشاعر و الأحاسيس .