مواسم طفولية فى قرية مباشر ـ 1


القرية هي سر عبقرية الطبيعة المصرية ، إنها الانفراد الأهم و الملمح الأميز الذى تفوقت به عن أي بيئة أخرى فى العالم ، الحارة الشعبية المصرية تجد من يناهزها عمراً و عمقا ً فى ديار الشام ، و البادية المصرية تعد امتداداً جيو ثقافي للبادية العربية أو المغاربية ، كذلك مدن الساحل المصرية بتفاصيلها تحاكى إلى حد ما زميلاتها على سواحل البحرين الأبيض و الأحمر .
فى ظل هذه الحقيقة تبقى القرية المصرية هي الملمح المميز و الهبة الربانية التى خصت بها مصر من دون الأخريات ، فإذا ما تفاعل مع ذلك العنصر المكاني النادر الوجود عنصر الزمان بعبقه و نكهته و بطبيعته دينية كانت أو اجتماعية أو حتى سياسية فإن ذلك التفاعل نستنتج عنه مركب يترك بصمته فى وجدان كل من يعيش بين عنصريه ـ الزمان و المكان ، و هو مركب يمكن جمع عنصريه و تسميته فى كلمة واحد " الموسم " .

الموسم إذن هو المجال الزمني لرواج شيء أو نشاط ما ، و فى تسعيناتنا تألقت المواسم بتعدد الزمان و النشاط ، رمضان و العيد ، المطر و المولد ، الامتحانات و الانتخابات كلها مواسم عشناها فى طفولتنا و بقيت أحداثها و أصداؤها داخل وجداننا الثلاثيني اليوم ، مشاعر متعددة تنتابنا كلما خطرت ذكريات تلك المواسم على بالنا و القاسم المشترك بينها جميعاً هو السعادة .


المطـــــــــــــر
كان مصدر بهجة فإما أنه لا مدرسة و إما أن برنامج المدرسة سيتغير عن كل يوم ، يجمعوننا داخل فصل واحد تلتحم بداخله الأجساد و الأنفاس فتتلاشى ارتعاشات الصقيع القادم على المدرسة من الجهتين ، عند المرواح يأتي البعض لاصطحاب ابنه على فيزبة أو حمار ، أصحاب البيوت البعيدة يأخذون طريقهم عبر الحقول فيستحمون مع أعواد القمح و البرسيم تحت ذلك الدش الشتائى المنعش ، يستمتع البعض بالركض و الولوغ في برك المياه بالأقدام في متعة لا تقل عن متعة الولوغ بالأيدي في برك شوربة العدس الساخن عند الوصول للبيت ، في البيت غالباً ما تنقطع الكهرباء فتجتمع الأسرة كلها داخل غرفة واحدة تحت لحاف أو اثنين أو حول المدفأة ـ الشالية ـ ، تحلو الحكايا في الظلام أو على لمبة الجاز و يشع منها دفء لا يحتاج حتى إلى نور اللمبة أو نار المدفأة ، يقص الجد أو الجدة ذكرياتهم مع المطر و مع أمور أخرى ، تخالجك في هذا السكون الجميل أمنية أن يطول الليل فلا ينتهي و إن تظل هكذا صغيراً لا تكبر أبدا .

قطرات مياه تسقط من السماء فتلجئ الإنسان إلى التقوقع في جحره ، انهزام إنساني يدفع إلى رأسك بمجموعة تساؤلات تقليدية عن الكون و خلقه و من خالقه و ماذا كان قبل أن يكون الكون بكل ظواهره التي منها ذلك المطر ، لولا أن تلك التساؤلات قد أجابها مسبقاً وحى السماء و نوه عن إنها ستهاجم كل عقل مؤمن لربما تجددت كلما استجد ذلك الجو و لم تجد لها إجابات فى عقول الكثيرين حتى اليوم .

ــــــــــــــــ

الــــمونديال القـــــــروي
كأس عالم مصغر تستضيفه مباشر من عام لآخر بلا قرعة و لا تصفيات ، الفرق كفر عوض و الشرقية و قطيفة و كفر محسن و غيرها ، تستعد مباشر لتنظيم البطولة بتخطيط الملعب و تجهيز إذاعة خارجية و داخلية في نفس الوقت ، احتفالية الافتتاح ملغاة ، أما الجماهير فتصطف وقوفا و على كراسي خلف الشبكة و في محيط الملعب ، بينما نجلس نحن كأطفال على سور النادي أو فوق أسطح فصول مدرسة النصر نطالع انتصارات مباشر .
يستمر المونديال القروي لمدة ثلاثة أو أربع أيام ، المباريات تلعب في عز الظهر ، التشجيع وقتها كانت له سنة سيئة حيث تستهدف الجماهير نجم الفريق الخصم بالسب البذيء بالأم و الأب ، من أكثر الفرق التي لفتتني في تلك البطولات فريق قرية " السلامون " ، فاز هذا الفريق بقيادة نجمه المسمى " الهادي " على منتخبنا في أول مباراة في الكأس 4-1 ، المدهش أننا كنا نشجع فريقهم لحرفيته و لكي نقابلهم في النهائي ، و بالفعل بقينا نشجع السلامون على حساب الفرق الأخرى خاصة الشرقية بقيادة حارسها البرديسى ، قابلناهم في النهائي و كانت المباراة التاريخية ، قيدنا حركة " الهادي " صاحب بقة و مهارة مارادونا و كان يوما بهيجاً عندما فزنا عليهم 3-0 بعد أن استعنا بلاعب من قرية مجاورة اسمه " الطبلاوى "

مباراة أخرى بقيت في الذاكرة ، إنها مباراة مباشر و" العدوة " ، كان قائد فريق " العدوة " شيخاً ملتحياً ، و قد كان غريبا علينا كأطفال أن نرى ملتحياً يلعب كرة فضلاً عن أن يقود فريق ، فزنا على فريقهم 3-1 في الشوط الأول ، و في الشوط الثاني تفوقوا علينا 4-3 بعد جلسة وعظ و تحميس أقامها لهم الشيخ القائد في استراحة الشوطين !!

ــــــــــــــــ

عريــس المواســــــم
عريس المواسم فى زمننا و فى كل زمن ، هدية الرحمن من الأيام إلى موحديه كباراً و صغاراً ، لم يمر بالصيف للأسف بل قابلته طفولتنا فى الربيع ثم ظل يتراجع شيئاً فشيئاً حتى حط رحاله في قلب الشتاء ، طفولتنا الرمضانية كانت شتوية منذ بدايتها حتى النهاية ، لكن دفئاً كان يغمرنا حتى قبيل هلاله بأيام ، حيث نقضى الساعات الطوال فى تزيين شوارعنا احتفالاً بقدومه حاملاً معه عدته و هداياه ، صلوات و حلويات ، زيارات و عزومات ، فوانيس بدائية و تراويح نصف حزبية ، ملابس عيدية و مشتروات
صخب تجاري متواضع تنشط من خلاله دكاكين شحته و بخيت و جميل , و زخم آخر تمتلئ له المساجد بالمصلين ثم تأخذ فى التناقص حتى نهاية الشهر ، الصيام يكون لمن استطاع إليه سبيلاً و الإفطار بروتينياً كان أو نباتياً ستلتهمه بشراهة نظراً لجوع النهار ، تتمنى لك القناتان الوحيدتان صوماً مقبولا و إفطاراً شهيا و تمسمراً أمام شاشتيهما ، عرائس رحمي و أشاكيف طاهر أبو فاشا ـ غفر الله للاثنين ـ تترقبك فور الإفطار و ربما أثناءه ، سلاحف النينجا أيضاً تتسلمك و تبث فيك حيوية رفايللو و مايكل أنجلو ، إن كنت من أنصار اللعب فستخرج لتستثمر تلك الحيوية مع أمثالك منتصرين على برودة الشتاء مقلدين حركات السلاحف ، أما إن كنت بيتوتياً فستمكث تتلقفك الكاميرا الخفية و تسلمك لليالي الحلمية حتى تنتهي بك الرحلة أمام قال الفيلسوف أو تنخمد نتيجة لتخمة المسلسلات و الإفطار فتوقظك طبلة المسحراتي .

الأشكيـــــــــف
ألف ليلة و ليلة تسبح بك يمينا و شمالاً فى عوالم خيالية ، و واقعياً يفرض عليك الأشكيف حظر تجول ليلاً ، إن كنت من الخوافين فى طفولتهم و ما أكثرهم فلن تستطيع الخروج خارج الغرفة خوفا من أن يقابلك الأشكيف على الباب ، و بناء على قصة من زميل فإن حظر التجول أدى إلى حصر التبول مما ألجأ أحد الصغار إلى التبول في أحد أركان الغرفة .. الملك كهلان و الأمير زعفران و العجوز أم منقار و شاندو و ماندو و هاندو هم أبطال ذلك العالم المليء بالعرافين و السحرة و المسحورين ، سحر لن ينطلي على أجيال اليوم لكنه انطلى علينا لأننا عشناه لذلك فإننا سنظل نسترجعه و نستكمله معا مستزيدين على طريقة شهريار ليلة أخرى بحكاية جديدة


..... يتبــــــــــع