تواريــــــــــــــــخ هـــــــــــــــجرية

المولد النبوى و ليلة الإسراء و المعراج و ليلة النصف من شعبان و رأس السنة الهجرية و وقفة عرفات و يوم عاشوراء ، تواريخ هجرية سجلها الفاطميون فى أجندة الريف المصرى ضمن مناسبات الاحتفال ، و بصرف النظر عن أصلها إذ كلها باستثناء وقفة عرفات و عاشوراء لم يرد لها أصل إما فى تاريخ وقوعها أو جواز الاحتفال بها فضلا عن كيفيته ، إلا أن الاحتفال بها و بتلك الكيفية قد ترك فى وجداننا التسعيناتى بالغ الأثر .
هى إذن أعياد فاطمية احتفل بها الشيعة قديما و حديثاً بسفك دماء أنفسهم ، أما نحن المصريين فنحتفل بسفك دماء ذكور البط و الاوز و الدجاج .
قبيل الإحتفال الغذائى يكون الاحتفاء الإعلامى و الغنائى ، فى المدرسة ـ لاسيما الشهيد ـ تطول مدة الطابور للتنويه عن الذكرى و القاء الضوء علي أحداثها ، لا بأس من احتفالية مدرسية حول المناسبة أو من ملحق فى الفصل حول نفس الموضوع ، احتفالات على بدعيتها لكنها علمتنا حب السلف ... حب أبى بكر الذى صاحب النبى رحلة الهجرة و عمر الذى هاجر مجاهراً متحدياً و على الذى نام فى فراش الرسول ، تعود من المدرسة و أنت مشحون بمعلومات و معنويات مستمدة من سيرة الرسول و تضحيات الصحابة فى مقاومة الحرب على الإسلام التى لن تنتهى إلا بنهاية الكون ، لست أنسى أنشودة كانت خاتمة أحد الأفلام و التى كانت تنتهى بعبارة :
هـذه الأمة قــوة * من صفــاء و فتــوة
و إن تحداها عدو * راح فى أظلم هوة
موعد مع حنظلة
ينتهى الاحتفال الإعلامى بموعد مع حنظلة ، ذلك الذى لم يكن يستحم قبل إسلامه و الذى كان يأكل بهمجية و نهم بوهيميين ، يبدأ الاحتفال الغذائى بطرح ذلك المذبوح و المطهو أرضاً و الذى يمثل محور المناسبة كما أسلفنا و إلى جانبه صوانى الفتة مع أصابع المحشى المفروطة على صفحة جورنال كما كانت العادة فى التسعينات .
تبدأ المنافسة و تتداعى الاكلة إلى قصعتها ، من فرط نهمك قد تستحيل أنت إلى أبشع من حنظلة خاصةً عندما تتحول المنافسة بينك و بين إخوتك الحناظلة الآخرين داخل حلبة الطعام إلى اشتباك بالأيدى .
يحلو للبعض أن يقيم مولداً مصغراً إحياءاً للمناسبة ، إحياء لا يتعدى دكراً للبط و جوز فراخ تجتمع عليهم الأسرة و قليل من المعازيم .

روح من المرح تتفشى و موائد كانت لنا عيداً فى وقتها ، ولائم ضلت طريقها لكنها عادت عودا حميداً بعد أن و جدت لها أخيراً مكانا فى مناسبات الاتباع وليس الابتداع فانتقلت بأجوائها الجميلة إلى العقائق و الأضاحي و ولائم الأعراس .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المـــولــــد .. الموسم الغامـــضة
الحاجة آمنة و المحمودى و آخرين ، إنه الموسم الغامض على الأقل بالنسبة لى ، لم يسبق لى أن حضرت فعاليات أحدهم و عليه فليس لدى ما أنقله عنها تفصيلاً ، فقط كنت أسمع عنها بعدما يعود رفقاء الطفولة منها ليحكوا لنا عما رأوه و اشتروه من المولد ، فتثور في نفسى المقولة الشهيرة : يا ريتنى كت معاهم .
غموض آخر ينبع من تساؤل كثيراً ما ساورنى : من عساها أن تكون تلك الحاجة آمنة أو ذلك المحمودى أو غيرهم ممن كنا نسمع عنهم و يحثفل بعضنا بذكرى موالدهم ، و لماذا أقميت لهم أضرحة و موالد ؟!
كانت فلسفة الأجيال المتعاقبة هى إنا وجدنا آباءنا يحتفلون و إنا على آثارهم محتفلون ، لكن فضولا إيجابيا دفعنى لفترة للبحث فى الموضوع حيث لم أتوصل لشىء ذى قيمة ، كل ما بلغنى هو نقل من أحد المعمرين عن أن " الشيخ أعمر " أو " عمر " صاحب الضريح المعروف ببلدتنا كان واحداً من لمتوجهين للجهاد من مباشر الى المنصورة أو دمياط حيث مسرح المواجهات مع الصليبيين فى حملتهم السادسة بقيادة لويس التاسع ، ولما وافته المنية فى مباشر و هو فى طريقه أو فى طريق عودته من أرض المعركة فقد كرمه العامة ـ على طريقتهم ـ بأن أقاموا على قبره هذا الضريح .
بالطبع لم يتثنى لى التأكد من وجود تلك القصة فى أى مصدر فضلاً عن التأكد من صحتها ، بل و لست متأكداً هل أن هذه الموالد مازالت مستمرة فى انعقادها أم أن دواعى الإيقاف و ما أكثرها قد أدت إلى إيقافها ؟!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العـــــــــــــــــيد

ثلاثة أو أربعة أيام كانت تمثل لنا الإجازة و الجائزة ، جائزة على الصيام الذى كنا حديثين عهد به ، وجائزة من عناء الوقوف أمام ماكينة الكحك و البسكوت حيث كان كبرياء المرأة المباشرية يأبى عليها شراء الكعك الجاهز أو حتى الاستعانة بالفران لتسويته .
يبدأ العيد بالصلاة و لها ثلاث مواضع ، فإما المساجد العادية المعروفة و إما عزبة العمدة حيث الخطبة القصيرة و المسافة الطويلة ، و إما العراء فى العنبر و من ثم فى النادى ، حيث التنظيم العالى و الخطبة الحماسية و حيث يستلب المصلون البلالين و الحلزونات لأبنائهم مدمرين برعونة مجهودات إخوانهم المنظمين .
فى بيت الجد تجتمع أسر العائلة الواحدة ، العيديات تبدأ من ربع جنيه و تنتهي بجنيه و لا تتخطى الجنيه إلا فى حالات شديدة الندرة ، كان الجنيه قادراً على أن يشبع نهمك الطفولى للشراء و التأرجح ، نصبة العيد تبدأ من الكوبرى و تنتهى عند المدرسة الإعدادية ، تزدحم هذه المساحة بأطفال القرية جميعهم حتى عصر اليوم الأول ، جميع الاطفال لابد و ان يمروا بهذه المساحة لكى يعيشوا لحظات عيدهم مرتدين أبهى الحلل ، و أبهى الحلل قد تكون بلوفراً أو قميصاً مع بنطال جيدين أو عاديين أو ترنجاً رياضياً متواضعاً أو حتى جلباباً من الكستور لمن لم يستطع إلى الأمرين سبيلا .
الكل سعيد بملابسه مهما كانت لأنها جديدة ، أذكر اننى تحاورت مع صديق لى حول ما جهزه من ملابس للعيد فأخبرنى بأنه جلباب كستور ، فلما سألته بغباء الطفولة و هل يليق الجلباب لأن يكون زياً للعيد فأجابنى باقتناع و فرح مبكيين بعد أن مصمص شفتيه : " ده أبويا مفصلهالى حدا أحسن خياط فى البلد .. و الخياط كواها كمان "
المهم أن هذه النصبة كانت مسرحاً لجميع النشاطات العيدية ، تأجير العجل ، المراجيح الصندوق التى لم أرها إلا فى مباشر و التى كانت أكثر أمانا و حمولة من المراجيح الـمعدنية الثلاث الأخريات ، معصرة القصب حيث الكوب بـ 15 قرش ، مشروب أحمر ليس بالشربات كان يباع داخل زجاجات الكوكاكولا و لا أعرف إلى الآن ما هو ، دور الأتارى أبو ربع جنيه لعبة الطيارات و أمور أخرى ربما لا أذكرها .
تعود من الكرنفال ينتظرك اجتماع عائلى على غداء بروتينى غالباً ، " سعد نبيهة " الذى سمع عنه كل الجيل و ظنه البعض كبابا نويل عند النصارى ، " العيال كبرت " أيضاُ كانت و ربما لازالت لازمة العيدين حتى بعد أن ماتت العيال و قابلت رباً كريماً .
زيارات الأرحام تشعرك بألفة و أنس من نوع مختلف ، تكبيرات المساجد وقبلها صيحات لبيك اللهم لبيك من إذاعة لقرآن الكريم تبعث فى نفسك إحساساً بوحدة الأمة وعزتها ، خطبة العيد فى العراء حيث روح الحماس و الجهاد المنبعثة من كلمات بل صرخات الشباب المنظم ، إحباط بعد أن يعمد الناس باستعجالهم الثمرة كلفة و مجهود هؤلاء المتطوعين .