مبنى المدرسة كان جزء من مبنى الوحدة المجمعة القديم و كان موقعها فى شبه عزلة عن باقى البلد و منه إلى السماء مباشرةً إذ كانت طابقاً واحداً لا غير .. الفصول مبعثرة على رقعة متسعة من الأرض و نخل و شجر يظلل الفصول من حرارة شمس لا مقطوعة و لا ممنوعة ، براح تعلوه هذه الفصول الستيناتية المفتحة من الجانبين ، يمتد أمامها شريط عرضة متراً من بلاط المازايكو الثمانيناتى و أمامه يمتد شريط آخر من أشجار الصنط و الصفصاف و نخيلات غير مثمرة ، يتوسط ذلك حوش يناهز الخمسة قراريط ، و أنت فى هذا الفناء مبعثر أيضاً لعباً و لهواً و درساً تعانقك كل مفرداته .
من الأمام مبنى الوحدة المحلية و من من الخلف و اليمين برج للحمام من مخلفات الوحدة المجمعة و من ثم عشرات الأفدنة الخضراء ، و أخيراً من اليسار مدرسة النصر المنافسة و مبنى السينيما القديم الذى تحول الى فصلى ثالثة أول و ثانى .
هذه العزلة المكانية عن جغرافية القرية إلى جانب هذه الحالة الصلواتية التى كانت تنتابنا فى طابور الصباح قد أكسبتا المدرسة طابعاً محرابياً لم نكن لنستشعره لو لم نكن فى هذه المدرسة بالتحديد ، حدود كانت تمثل لنا نهاية العالم لم يكن يعيب هذا المتسع سوى تلك الحمامات التى كانت عبارة عن زرائب آدمية بصنابيرها الصدئة و مراحيضها التى امتلأت ففاضت على جانبيها .

مدرســــة صفــــا :
يبدأ اليوم الدراسي بالطابور الذى يقوده أحد المدرسين المارين بتجربة أسر فى حرب الـ 67 ، و لك أن تتخيل جدية و انفعالية ذلك المدرس فى صيحات الصفا و الانتباه و التى بادلها التلامذة بنفس الدرجة من الانفعال و الجدية ، تتخلل الطابور الإذاعة المدرسية و التى مازلت ذاكرتى تحتفظ بكلماتها
" باسم العلم ، و مادام العلم من الإيمان فباسم الإيمان ، و مادام الإيمان من القرآن فباسم القرآن ، و مادام القرآن من عند الله فبسم الله الرحمن الرحيم "
الصيحة أيضاً مثلت جزءاً من برنامج الطابور ، و قد كانت عبارة عن جمل شعرية و نثرية انفردت بها مدرستنا عن الأخريات ، كلماتها من تأليف الناظر و لا أذكر منها سوى أنها كانت تنتهى بجملة " فى مباشر فى مباشر فى مبااااشر "
كان لذلك الناظر الخطيب و شبه الأديب فى كل مناسبة دينية وقفة و كلمة ، فى ذكرى الإسراء و المعراج و النصف من شعبان و بداية رمضان و توقع ليلة القدر و ذكرى المولد النبوى بل و حتى عيد الأم ، يقف الطابور فى شبه صلاة ليستمع لخواطره حول المناسبة فتأخذ عقلك و وجدانك الطفوليين إلى آفاق معرفية و وجدانية من سيرة الرسول و الصحابة و أناشيد من تأليفه مازالت ذاكرتي تحتفظ ببعض أجزائها :
يوم ميلادك .. يا نبينا هلت البشرى علينا
طمعانين فى زيارة ساعة ليك يا طه للشافعة

و أما تحية العلم فكانت صياغتها كالآتى : " ارتفع أيها العلم .. ارتفع على هامة جمهورية مصر العربية .. فمنك نبعت الحرية و انبثق هذا المجد .. أيها الزملاء .. أيتها الزميلات .. رددوا معى تحية العلم عالية مدوية .. ليشهد العالم أجمع .. أن العرب خالدون .. تحيا جمهورية مصر العربية "
و برغم الموقف النقدى الذى تشكل لدى فيما بعد تجاه تلك مضامين من قومية عربية و وطنية قطرية و غيره مما كان يروج له ، خاصةً صيحة الطابور صفا : قومية و انتباه : عربية إلا أننى أعترف بأن مدرستى مثلت حقلا جيداً لغرس القيم و جنيها ، تغرس بإقناع أحيانا و فى أحيان أخرى بقسوة بالغة نادراً ما نالتني و لله الحمد ، المط و المد و التلطيش كان أبرز تجليات تلك القسوة ، و هى قسوة نابعة من أبوة ما كان يشعرها مدرسونا تجاهنا ، أبوة ثانوية تعضد تلك الأبوة الابتدائية فى البيت و لها من الحقوق و السلطات ما يحتفظ به المعلم حتى خارج حدود المدرسة ، سلطات تربوية تمتع بها مدرسو ذلك الزمن و فعلوها سباً و تلطيشاً و ربما تشهيرا فى الطابور كلما رأى أو نما إلى علمهم تجاوز هنا أو هناك ، و لربما كانت بعض تلك المآخذ مما هو مسموح به شرعاً لكن كان من حق الأستاذ أن يحاسب طالبه حتى و لو على نيته ، و لست أنسى ذلك التلميذ ـ محمد أبوعبد الباقى ـ الذى أقدم على فعلة كان من شأنها أن ضربه الأستاذ ضرب غرائب الإبل ، ذلك أنه قد تعطر إى و الله هكذا ، و كان ذلك بوشاية من زميل له و بشك من الأستاذ أن يكون قد ارتكب ذلك الفعل بنية مخايلة أو مشاغلة زميلة هنا أو هناك ، المهم أننى لأسباب لا أحب ذكرها تمتعت بحصانة من تلك الممارسات و لأني و للأمانة لم أكن أتورط فى فعل ما يستوجب ممارستها إلا فى حالات قليلة .
فســــــــــــــــــــحة :
الفسحة كانت للعب و الطعام ، فأما اللعب فـ " الملك الوحيد " للأولاد و " نط الحبل " و " المال " للبنات ، و أما الطعام فالعيش و الطعمية وقد احتكرهما أبوك " فضل " بقلقلة الضاد المكسورة " فإذا أردت التحلية فليس أمامك سوى " خالتك ثريا " أو " خالتك أنوار " ، و الأسعار ما بين البريزة و الشلن فإن كنت محظوظا فسيعود إليك ذلك الشلن داخل إحدى المصاصات .
اشتراكية أخرى فطرية و طفولية لم تحتج لتنظير الستينات ، فقد كنت تلحظ مجموعة فتيات أقمن " غديوة " جماعية و قد جادت كل منهن بما حملته معها فى حقيبتها القماش من لفت و جبنة حادقة و مخلل و دميسة

حبيبتــي و المــــطر :
كسر روتين اليوم الدراسى كان مرده أحد أمرين ، إما أن تقوم المدرسة برحلة و عندها ليس أمامك سوى برنامج وحيد : حديقة الحيوان و القلعة و المتحف و الاهرام و التقاط الصور
الحالة الثانية هى عندما يهطل المطر بغزارة ، عند ذلك تتجمع طلاب الفصول فى فصل واحد و على درس واحد أقرب للبث الإذاعي المشترك ، و يختزل اليوم الدراسي فى ثلاث أو أربع حصص و المرواح يكون فى الفسحة .
الشتاء المــطير فى مدرستي الحبيبـــة كان له طعم آخر ، ففيه يصغر عالمك و يقصر يومك ، نركض فى طريقنا إلى البيت و نحن نردد أنشودات المطر مثل :
" تشتى ما تشتى ع الحلوات .. و أروح لستى تجيب لى فطيرة و أطلع جرى "
و " الحتة بتنطر و عزيزة بتنشر .......... الخ "
دفئاً نكتسبه إلى جانب ذلك الدفء الذى كنا نجده عندما نجتمع حول أمهاتنا أو جداتنا و هن يطبخن " شوربة العدس " أو " محشو الكرنب " الساخنين .