رحيل الأستاذ



بقلم صالح الشيحي



لن أتحدث بطبيعة الحال عما انثال من مشاعر إنسانية فريدة تجاه فقيد الإعلام السعودي «الأستاذ» تركي السديري «رحمه الله»، ولن أعاتب أحدا على مشاعره وذكرياته التي جاءت متأخرة، بل متأخرة جدا. لكنني أتوقف عند بعض الدروس التي جاءت بدورها متتالية.
الأول: ارتقاء الوسط الإعلامي على خلافاته وصراعاته، وهي ظاهرة بشرية طبيعية -عدوك صاحب مهنتك- إذ وقف الإعلام السعودي نابضا بقلب واحد، معبرا ومعترفا -وهذا المهم- بحجم الفقد، وهي حالة لا أذكر أنها تكررت من قبل.
كان الأستاذ الراحل أيقونة نجاح وتميز، نقل صحيفته من مجرد صحيفة ورقية إلى مؤسسة عريقة عملاقة ذات شخصية قوية، وأرباح فلكية قياسا بمثيلاتها. ناهيك أنه صنع منها -بشخصيته المتفردة- ذراعا إعلامية قوية لحكومة بلاده في أشد معاركها في الداخل والخارج، حتى أن الحراسات التي تحيط بالصحيفة في يوم من الأيام كانت تتجاوز وزارة الإعلام!
الثاني: موقف مؤسسة اليمامة الصحفية اللافت خلال اليومين الماضيين -شكلا وموضوعا- من ناحية الشكل ما يزال اسم الفقيد الراحل يتربع في مكانه حتى العدد الصادر أمس، وهذا اعتراف صريح بأن إزالة اسم «الأستاذ الراحل» عن صحيفة الرياض التي رأس تحريرها، طوال أربعين عاما، أمر ليس بالسهولة التي يتصورها البعض.
الثالث: أن الناس بعيدا عن شؤون المهنة، لا تنسى من يحسن إليها، ويمسح جراحها، ويمسك بيدها، وهو ما تجلى بوضوح خلال اليومين الماضيين، حينما اكتشف الناس شخصية تركي السديري الأخرى. تركي الإنسان. تركي الرجل المحسن، والأب الرحيم، صاحب المعروف، وباذل الجاه، وفاعل الخير الصامت.
الرابع: موقف وزارة الإعلام، ممثلة في وزيرها الدكتور عواد العواد، الذي وقف بنفسه خلال دفن الفقيد، ولم يكتف بتغريدة عابرة، وهو تحول إيجابي نوعي في تعامل وزارة الإعلام مع الأسرة الإعلامية في بلادنا.
أقول في الختام: الوفاء والذكر الطيب ليس سلعة أو وصية يعمل بها الناس من بعدك، هي حصاد العمر.
كانت مرات قليلة التي التقيت فيها الأستاذ الراحل، واتصالات عدة كانت بيننا، لكن يشهد الله أنني لمست فيها على قلتها، إنسانا طيب القلب، تطغى وتحركه مشاعر الأبوة أكثر من غيرها. تغمده الله بواسع رحمته ومغفرته.