كفى ما حصل من القتل ومن العداوة ومن الإفراط في حقوق الغير ... بهذه الكلمات القوية المعبرة في مضامينها، خاطب خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود مجموعة من المشاركين في مؤتمر مدريد للحوار بين أتباع الأديان والحضارات لدى استقباله لهم في مقر إقامته في مدينة نيويورك مساء أمس الأول. وعبر الملك عن أمله في أن يكون هذا الحوار فاتحة خير للإنسانية ، مؤكدا أن الإنسان ليس له إلا أخوه الإنسان مهما كان. وقال إن الأديان نقية ، وكلها منزلة من الرب عز وجل ، والرب حثنا على التآخي والتآلف وعمل الخير للعاجز والفقير والمحتاج والمريض وهذه كلها طرق إنسانية ، وأعتقد أنكم وغيركم تحثون على محبة الإنسان لأخيه الإنسان .
وتساءل الملك : إلى متى سفك الدماء ؟ والعداوات لماذا ؟ وبأي حق ؟. لافتا إلى أن الإنسان عندما يفكر في الماضي وما أرتكبه من أخطاء على أخيه يتساءل ما هي الأسباب ؟ ما هي الأسباب إلا النفس ، والنفس كما تعرفون أمارة بالسوء ، وأعتقد أن العالم أحس وانتبه لهذه الأمور لأن ليس فيها فائدة .
وشدد على براءة الأديان من هذه الأعمال التي هي من عمل الشيطان مشيرا إلى أن الرب عز وجل ما أنزل ديانة إلاّ وفيها دليل واضح على الرأفة بالإنسان ، ولا يوجد أي إنسان عمل خطيئة على إنسان إلا وتندم وتحسر وتأسف إلى أبعد الحدود ، لماذا هذا العدوان.
وبين أن الأعمال السياسية دخلت في الأديان وشوشت عليها.
وخاطب المشاركين في مؤتمر مدريد للحوار بين أتباع الأديان والحضارات قائلا : البشرية في حاجة إلى البشر مثلكم يدلونهم ويرشدونهم ويفهمونهم ما هي الحقائق ، لأن الرب عز وجل أمرنا بالتعوذ من الشيطان والنفس لأن الشيطان والنفس إذا اجتمعا فهذا يعني أن الإنسان أصبح محكوماً عليه بالشر والعداوة للغير.
نحن بشر ، نحن مخلوقات للرب عز وجل ، ولا يوجد دليل يجيز عداوة الإنسان لأخيه الإنسان إلا الذي يعمل شراً ضد أخيه.
وأتمنى لكم الخطى الحثيثة في تأثيركم الروحي ، وعلى كل من هو على دين أن يحث جماعته على التآخي وعلى الألفة وعلى المحبة ، وأهم شيء الصراحة والصدق.
وتحدث خادم الحرمين الشريفين عن نقطة هامة وهي الأسرة ، موضحا أن الأسرة هي التي تضم الإنسان لعائلته وبيته وأبنائه ، وقال : لا يخفى عليكم جميعاً أن الأسرة بدأت تتحلل ومع الأسف وصلتنا نحن في الشرق الأوسط ، إذا كبر أولادك وبناتك وبلغ عمر الواحد ثمانية عشر عاماً ثم يغادر البيت ، وهذا من فلذات أكبادنا وما نعلم له أي مصير ، لأن فلذات أكبادكم * السياسة دخلت على الأديان وشوشت عليها.. والأديان براء من كل خطيئة
*البشرية بحاجة إلى من يدلونهم ويرشدونهم ويوضحون لهم الحقائق
*نريد من العالم الحرص على الأسرة التي تجمع كلمة الأب والأم والأولاد
* لو اتجه العالم إلى السلام والعمل الإنساني ما شاهدنا الفقر والأمراض
تشاهدونهم يعملون أشياء وما للأب أو للأم الحق في ردعهم ، والأسرة أنتم تعرفونها ، الأسرة هي التي تجمع كلمة الأب والأم والأولاد وهذه كلها نريد كل العالم من الفرد إلى الجماعة كلهم يحرصون عليها.
وأكد الملك أن دول العالم لو اتجهت إلى السلام وبعدت عن الحروب والنزاعات التي لا تحل إلا بالأسلحة التي تخسر عليها الدول ملايين الملايين واتجهت إلى الفقر والعمل الإنساني في الصحة لما كنا شاهدنا هذه الأمراض ولا هذا الفقر.
كلمات ممثلي الديانات السماوية
عقب ذلك ألقى ممثلون عن الديانات السماوية الإسلام والمسيحية واليهودية كلمات أمام خادم الحرمين الشريفين حيث تحدث ممثل المجتمع المسيحي في الحوار مرحبا بخادم الحرمين الشريفين ومهنئا بهذه المناسبة وقال : أشكركم بحرارة على كلمتكم الحكيمة والتزامكم بالعمل من أجل ترقية الحوار والصداقة والسلام في أنحاء العالم ».
وأكد التزام أتباع الديانة المسيحية بتشجيع جهود السلام والعدل والتفاهم والمودة بين الجميع في هذا العالم مشيراً إلى أن لكل إنسان الحق في الحرية والسعادة والتقدم.
ثم ألقى مشارك آخر من أتباع الديانة اليهودية كلمة عبر فيها عن مشاركة اليهود في الاقتناع بوسائل السلام والتصالح. وقال : إن الحوار الذي بدأتموه في مدريد إضافة إلى وجودكم هنا في نيويورك إنما هو تأكيد لالتزامكم بدعم الاعتدال الديني.
دعوة إنسانية وإسلامية
كما تحدث أحد المشاركين من المسلمين بكلمة معربا فيها عن شكره والمشاركين في الحوار في مكة المكرمة وفي مدريد، لخادم الحرمين الشريفين على مبادرته الكريمة بالدعوة للحوار بين أتباع الديانات والثقافات في العالم ووصفها بأنها دعوة إنسانية وإسلامية في صميمها انطلقت من الإيمان بالله ثم بأن البشرية كلها أسرة واحدة وأن الله كرم بني آدم وبعث محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين.
وقال : يا خادم الحرمين الشريفين إن الله سبحانه وتعالى جعلكم مفتاحاً للخير للعالم كله ومغلاقا للشر ووفقكم لبناء الجسور للتعاون على البر والتقوى وهدم السدود التي تفرق بين إنسان وإنسان .
هيئة الدين والسلام
عقب ذلك ألقى الأمين العام لهيئة الدين والسلام كلمة عبر فيها عن سعادته برؤية المؤمنين والقادة الدينيين يتلاقون ويحترمون بعضهم البعض ويتعاونون في أصعب الظروف بإخلاص وإيمان.
وقال : لقد سمعنا منكم عن تعطش الأسرة الإنسانية للإيمان بالله والوحدة فيما بينهم وفقا لمعتقداتهم والاحترام المتبادل بينهم وأن المشاكل الكبيرة التي تواجه الإنسانية والتي أشرتم إليها هي مشاكل الحروب والفقر تتخطى حدود الدول. وأضاف في ختام كلمته : إننا جميعاً نتطلع إلى السلام والحوار والتضامن ونشعر بالامتنان لصوتكم الذي ارتفع ليسمعه العالم .
ديمقراطية جماعية
ثم ألقى مشارك في الحوار من الجمعية الإسلامية في أمريكا الشمالية كلمة أبدى فيها سعادته واعتزازه بالمشاركة في الحوار مع قادة المؤسسات الدينية موضحاً أنه أمكن تحقيق النجاح في ديمقراطية جماعية.
ولفت النظر إلى أنها المرة الأولى التي ينتخب فيها أمريكي من أصل أفريقي لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية.
وقال «إننا ننظر إلى المملكة العربية السعودية كدولة رائدة ومصدر للاستنارة في العالم الإسلامي. إن جامعاتكم ومعاهدكم الدينية يمكن أن تمدنا بما نحتاجه في الغرب لشرح الإسلام في القرن الحادي والعشرين باعتباره دين السلام والاعتدال».
انتخاب أوباما
عقب ذلك أشار خادم الحرمين الشريفين إلى أن انتخاب الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما يدل على أن الشعب الأمريكي فعلا شعب ديمقراطي وبرهن بهذا الاختيار للعالم كله أنه شعب ديمقراطي مائة في المائة وإن شاء الله نرى منه خيراً للبشرية وهذا ما أتمناه لزعماء العالم ككل أن ينزل الله في قلوبهم محبة وإخاء لجميع البشر.
خطاب شجاع وصريح
بعد ذلك تحدث أحد المشاركين مرحبا بخادم الحرمين الشريفين في أمريكا وقال « اليوم يوم عظيم لأنكم ألقيتم خطاباً شجاعاً وصريحاً وهو يعبر عن ثلاث مراحل الأولى مرحلة الاجماع الداخلي بين المسلمين على ضرورة الحوار وبدأ في مكة المكرمة ، والثانية مرحلة البحث عن شركاء في مدريد ونجحنا في ذلك والمرحلة الثالثة اليوم من أهم نقطة في العالم أرسلتم رسالة واضحة للبشرية ».
وعبر عن الشكر لخادم الحرمين الشريفين على تبنيه لفكرة الحوار وجعله الخطاب الإسلامي العام .
مؤسسة السلام الإسلامية
ودعا المشاركين من المسيحيين واليهود إلى أن يكونوا شركاء مع المسلمين في الولايات المتحدة لإنزال مبادرة خادم الحرمين الشريفين منزل العمل مشيراً إلى أنه سيتم إطلاق مؤسسة السلام الإسلامية بنهاية العام الحالي التي ستركز على مفهوم التعايش والحوار بين المسلمين في الولايات المتحدة وبين المسيحيين واليهود وإذا حققت هذه المؤسسة النجاح فإنها ستقدم نموذجاً مهماً.
ثم ألقى أحد المشاركين كلمة نوه فيها بمبادرة خادم الحرمين الشريفين وقال : إننا لا نتصور مدى الخطوة العملاقة التي اتخذتموها فمبادرتكم تعني بالتأكيد أن الدين سيكون أداة حقيقية للسلام ولمساعدة العالم على فهم المعنى الحقيقي للإسلام .
المبادرة تنهي الانقسامات
إثر ذلك تحدثت امرأة من المشاركين قائلة : إنني واحدة من الناس الذين جلبوا من أفريقيا وقد اهتدينا عبر السنين إلى الإسلام واحتفظنا بهويتنا الإسلامية رغم العبودية .
وأشارت إلى أن الحوار بين أتباع الأديان مهم لأن الكثير من أفراد أسرهم لا يزالون مسيحيين ولذلك فإن مبادرة خادم الحرمين الشريفين تعمل على إنهاء هذه الانقسامات الظاهرة.
ورداً على هذه المداخلة قال خادم الحرمين الشريفين «كلنا عبيد للرب عز وجل والحمد لله رب العالمين ».
وفي ختام لقائه بالمشاركين في مؤتمر مدريد للحوار بين أتباع الأديان والحضارات أعرب الملك عن أمله في أن يرى الجميع بخير ويعمهم التآلف والتقارب والعمل على نشر هذه المبادئ الإنسانية الأخلاقية متمنياً لهم النجاح والتوفيق.


" فجزاه الله خير الجزاء على هذا المجهود المبارك"